عمل فني لآلى حميدي من سلسلة “Clouds of Venus”
عمل فني لآلى حميدي من سلسلة “Clouds of Venus” | Source: 2021 ©ala hmedy

 تقول إحدى الشخصيات في فيلم عباس كياروستامي: "هل قلبك مصنوع من الحجارة أم ماذا؟", أضحك على الجملة رغم سياقها الجدي الكثيف والحزن الطافح على المشهد، وأجيب نفسي "لا من التيتانيوم!" (فكاهة سمجة أعلم).

مؤخراً قالت لي الطبيبة بأن الحديد يكاد يختفي من جسدي، الأمر ليس مرتبط ارتباطاً وثيقاً بما أتناول، لكن جسدي شره للحديد، "يمتصه" بنهم، وإن كان نظامي الغذائي متوازنا وغنيا بجميع أنواع الفيتامينات، نظام الطعام النباتي المتتالي المتبع على مدار 16 سنة من حياتي غير متناسب مع جيناتي، علي أكل كبد البط أو الدجاج إن وجد! نيئاً!

بسياق آخر مرتبط ارتباطاً شديداً بشره لحم جسدي للحديد، مجرد ممارسة قلق ذهني لفكرة واحدة، بشكل متواصل لمدة أسبوع، أو علاقة جنسية لعدد من الساعات أسبوعياً كفيلة بإنهاء مخزون مهول من الحديد. "جميل هل واضح علي الشبق إذاً دكتورة سوزِن؟" 

أوكي، بعيداً عن التهكم، الآن يجب أن التهم مزرعة من الأبقار والخرفان لكي أحافظ على المستوى الطبيعي من مخزون الحديد. جيد جداً للحفاظ على البيئة. منافسة غير متوقعة مع أفعال "جيف بيزوس" برحلاته الصاروخية المنبعث منها آلاف الغازات الرقيقة في تراكمها الجميل على شكل طبقات شفافة تخنق عنق الأرض ومن داخلها.

اكتشاف الكواكب والمجرات المحيطة بنا تستحق القرابين، لا مشكلة. احتمالية العيش في كواكب قريبة من نطاق مجرة درب التبانة وارد جداً في المئة سنة القادمة. 

مثلاً احتمالية الحياة على كوكب الزهرة قابلة للتطبيق بمعناها النظري. للدقة العوم على وفي سحب غيوم كوكب الزهرة.  

الجميل أنه كونياً، تشكل كوكب الزهرة في نفس وقت تشكل الأرض، حوالي 4.5 مليار سنة بحسب علماء الفلك. يدور الكوكب ببطء شديد على محوره، ويستغرق حوالي 243 يوما من أيام الأرض لإكمال دورة واحدة. سطح يغلي بالينابيع الحارة والحمم البركانية، أي تلامس لسطحه يعني تحول الأجساد البشرية أو أي هيكل لكائن أرضي إلى غبار في ثواني معدودة. طريقة ساحرة للموت، التلاشي. 

على عكس غطائه الجوي المليء بالغيوم المثقلة بضوء الشمس وهالة من بخار الماء المتصاعد، مما يخلق خيال ومشتهى لحياة تتشابه مع ظروف كوكب الأرض. حياة عائمة في الهواء بمدن ومستعمرات "بشرية" تطفو بين غيوم كوكب الزهرة. طبعاً كل ما قيل ويقال حول هذه السردية، قائم على فرضيات واحتمالات. 

لكن، الطيران، الهواتف، الليزر، إطلاق صاروخ إلى الكون وعودته إلى قاعدة انطلاقه دون أضرار تذكر… الخ الخ من التقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي، جميع ما ذكر وأكثر، بمرحلة من مراحل التاريخ البشري كانت مجرد خيالات، والآن أصبحت من البديهيات.

حياة خارج الأرض؟ مشتهى علماء الكون، إن انعدمت فرص إنقاذ الأرض أو اكتشاف كائنات حية في "الكون المعروف" تدمرنا أو ندمرها. نتساعد في احتمال ضئيل لا أراه. 

حياة على واحد من كواكب مجرة درب التبانة، مشتهى بعض أثرياء كوكب الأرض بعد استنزاف مواردها وتحويلها إلى تلال صحراوية ضخمة، أو محيط مائي غارق في الملح والقناديل الأبدية.

أميل أكثر نحو السيناريو الأخير. أجسادنا ذكية، تتأقلم في أي ظرف مع التراكم الزماني، حينها ستنمو لنا أو لهم (الكائنات المستقبلية) غلاصم وزعانف. سيكون التنفس في قاع المحيطات كممارسة التأمل حالياً. أو ببساطة ستكون الأجساد منيعة، عظام من التيتانيوم وجلود مطاطية، كأجساد السايبورغس. 

يتأمل الفلكي "كارل ساغان" في ما ورائيات الأسطح المائية على كوكب الأرض واصفاً إياها بـ "شواطئ المحيط الكوني" لشدة غناها اللامنتهي.

ويقول: "إن سطح الكرة الأرضية هو شاطئ المحيط الكوني، من خلاله أدركنا ما نعرفه، في نقطة ما، تجرأنا وهبطنا قليلاً إلى جوف البحر بعمق يكفي لتبليل أصابع أقدامنا فقط، أو ربما أكثر بقليل، إلى رسغ القدم. الماء يبدو ساحراً، والمحيط يشعر بنا بطريقةً ما. ثمة جزء من كياننا يدرك أننا جئنا من هذا المكان، نتوق إلى العودة نحو خليتنا الأولى. الكون بداخلنا أيضًا. نحن مصنوعون من النجوم. أجسادنا وسيلة للكون، لأن يعرف نفسه".

يجرني كل هذا، ومن سنوات قليلة، تخيُلاً للتأمل في مستقبل تواجدنا ووجودنا وشكله إلى التساؤل التالي: "هل سنحتاج إلى أجسادنا الفيزيائية في المستقبل؟" 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.