أطفال لاجئون من جمهورية الكونغو الدمقراطية يلعبون على أراجيح في أوغندا
أطفال لاجئون من جمهورية الكونغو الدمقراطية يلعبون على أراجيح في أوغندا

ينتظر ملايين اللاجئين اليوم العالمي المخصص لأجلهم في العشرين من يونيو، للفت الانتباه إلى قضاياهم وتسليط الضوء على معاني اللجوء القاسية. ويعقدون الأمل كل عام لعل المناسبة تحمل لهم في طياتها بعض العزم والحزم لأجل تفعيل بعض الحلول أو الاقتراحات السلسة التي تحسّن من شروط عيشهم.

هذا اليوم الأممي الذي لم يمر الأسبوع الفائت بسلام، لم يُخب التوقعات والآمال التي علقت عليه فقط، بل فاقم من سوداوية المشهد بما حمله معه من تصريحات صادمة وقرارات قاسية صدرت عن أعلى المستويات في كل من بريطانيا ولبنان، وقبلهما تركيا والدانمارك، تتعلق بالترحيل أو التلويح به.

تتحدث الأرقام عن أكثر من 100 مليون لاجىء حول العالم، النسبة الأكبر منهم لاجئون في دول ذات موارد محدودة، وثلاثة أرباع العدد لاجئون في دول مجاورة لأوطانهم. تمكن البعض منهم من تحقيق منجزات اندماج ملفتة على كافة الأصعدة التجارية أو العلمية أو المهنية أو حتى السياسية، فيما الأغلبية الساحقة ما زالت تدور في فلك المعاناة والحاجة القصوى.

كما أن كل الجهود التي تبذلها المفوضية السامية العليا لشؤون اللاجئين وكافة المنظمات المتفرعة عنها ونشطاء المجتمع المدني، وأيضاً المساعدات التي يقدمها بعض المتعاطفين من المقتدرين مادياً، لم تعد تغطي احتياجاتهم الصحية والغذائية والتعليمية فقط، بل يفاقم مرور الزمن والأزمات الاقتصادية التي أصابت العالم من تغولها، ويكاد يرسخها إلى حدود الاستعصاء.

القرار الصادم الذي أصدره رئيس الحكومة البريطانية فيما يخص ترحيل عدد من اللاجئين، وأيضاً التقارير الإخبارية المصورة التي أظهرت دور الايواء المجهزة بالكامل في رواندا لاستقبال هؤلاء اللاجئين وغيرهم، يؤكدان أن القرار البريطاني بات محسوماً، إن لم ينفذ اليوم، فسينفذ في القريب العاجل، مهما تم تأجيله تحت الضغط الشعبي أو المجتمع المدني أو المحكمة الأوربية. وأن هذا القرار البريطاني لايبتعد في مضمونه عن القرار الذي اتخذته الدنمارك، وقريباً قد نسمع عن قرارات مشابهة لدول أخرى.

بالمثل، فإن القرار التركي بات محسوماً فيما يخص أكثر من مليون لاجىء سوري يخطط لنقلهم إلى ما يسمى بـ "المنطقة الآمنة" المزمع إنشاؤها على طول الحدود الشمالية السورية-التركية. أما فيما يخص تصريحات رئيس الحكومة اللبنانية باللجوء إلى الطرق القانونية لترحيل مليون لاجىء سوري، فغير معروف حتى الآن إلى أين سيتم ترحيلهم، وإن كان متوقعاً. وماهو "مصير 16 ألف موظف لبناني يعملون في المنظمات الدولية الخاصة بشؤون هؤلاء اللاجئين؟" بحسب نشطاء لبنانيين. 

من الواضح أن المثل العليا والقوانين الدولية لم تعد مؤثرة مع العديد من الدول المتذمرة من اللاجئين. وأن معظمها قد ضاقت ذرعاً بهم، حتى وإن كانت حكومات بعض هذه الدول متورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في أزمات هذه البلدان التي أفرزت عدداً لا متناهياً من موجات اللجوء.

إذ فاقمت تداعيات كل من جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا من الأزمات الاقتصادية لجميع الدول، مع ما تحمله من توقعات قريبة بحدوث اضطرابات اجتماعية داخلية واسعة جراء هذه الأزمات، والتي قد تغير الكثير من التوازنات السياسية القائمة.

الحل هو الاستقواء على اللاجئين والمستضعفين وتحميلهم وزر كل المشاكل التي تعصف بالبلاد. هذا كما يفسر في الظاهر سياسياً ولأجل غايات انتخابية. أما في العمق، فإن الأمور توحي وكأن الأولوية المطلق باتت للمصالح العليا للدول، وأن القرار المتداول، وربما المتخذ نهائياً، والأكثر موافقة لدى بعض الدول، الأوربية منها بشكل خاص، هو الحد من أعداد بعض اللاجئين من أعراق وأديان محددة، الذين يشكل تكاثرهم المتزايد واستهلاكهم الكبير للموارد رعباً حقيقياً، وبخاصة في ظل أزمتي الطاقة والغذاء اللتين تولدتا جراء الغزو الروسي لأوكرانيا.

وعليه، فإن الواقعية السياسية تقتضي بحسب هذه الدول، باستبدالهم باللاجئين الأوكرانيين الجدد، الذين، وعلى الرغم من أن التوقعات تؤكد تنامي أعبائهم واحتياجاتهم مع الوقت، لكن القناعة السائدة لدى  العديد من هذه الحكومات، بأن اللاجىء الأوكراني سيعود إلى بلده في نهاية المطاف ومهما طال أمد الحرب، على عكس أولئك، غير المرحب بهم، الذين لايفكرون بالعودة إلى الأبد.

وهو سؤال جاد ومشروع حول عدم رغبة معظم اللاجئين بالعودة لبلدانهم حتى لو توقفت الحرب أو الصراع الدائر فيها؟ ولماذا لا يعود معظم اللاجئين الذين فروا من بلدانهم لأسباب أخرى مختلفة رغم عدم وجود حرب يتذرعون بها؟

الاجابة بالتأكيد طويلة وشائكة وتتعلق بداية بكرامة الانسان وحريته، ولا تنتهي عند آفة الفساد الحكومي المصابة بها معظم دول العالم التي تخرج منها موجات الهجرة واللجوء فقط.

إذ ضاقت الحياة حقيقة في العديد من دول العالم مع غياب أو سوء خدمات البنية التحتية والخدمات الرئيسة كالكهرباء والتدفئة والمياه والطعام والتعليم والعمل وغيرها، وانتشرت البطالة والجريمة وأعمال العنف المجتمعي والطائفي وغيرها من الآفات المجتمعية. كما سادت المحسوبيات والإثراء غير المشروع وغياب تفعيل أو هشاشة القوانين أو تمييعها لصالح المتنفذين والمتجبرين. 

فإلى أين سيعود اللاجىء وهو يرى بلاده ترزح تحت وطأة كل هذه الآفات والحروب المعيشية اليومية والعبثية وإحساسه المرعب الدائم أنه بلا غطاء قانوني يحميه كإنسان، دون أن يحمل الأفق القريب احتمال بانفراجات أو أي أمل باستقرار اجتماعي واقتصادي  قريب؟

في الوقت ذاته بدأ اللاجىء يتلمس فيه عن قرب، طغيان أمزجة الكراهية ضده في المجتمعات التي لجأ إليها، وبدأ يسدد من كرامته ووجوده ثمن القرارات السياسية والمصالح العليا، التي يتوقع أن تفرز عما قريب نتائج قاسية وضحايا ظلم جدد، بحيث سيدفع اللاجىء الثمن مضاعفاً في متاهته الوجودية هذه بين وطنه الذي يحبه لكنه غير قادر على العيش فيه، وبين دول غريبة يقدر على العيش فيها، لكنها لا ترغب بوجوده، ولا تحبه.  

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!