الفلسطينيون كما الأردنيون ليسوا خصوماً لفكرة "فيدرالية" أو "كونفدرالية"
الفلسطينيون كما الأردنيون ليسوا خصوماً لفكرة "فيدرالية" أو "كونفدرالية"

اعتاد الأردنيون والفلسطينيون على مجابهة مشاريع ومبادرات تقترح حلاً للقضية الفلسطينية في الأردن، تصدر عن شخصيات وأحزاب صهيونية متطرفة، ودائماً حين يحتدم الجدل بشأن بدائل "حل الدولتين" المتآكل، ورفض إسرائيل الجماعي لحل الدولة الواحدة (من النهر إلى البحر) التي تضم الإسرائيليين اليهود والفلسطينيين على قاعدة المواطنة المتساوية.

بيد أنها المرة الأولى على ما يبدو، التي تصدر فيها طروحات من هذا النوع، عن مواطنين، فلسطيني الأصل، ويحظون بمكانة سياسية وملاءة مالية في دولتين خليجيتين نافذتين: السعودية والإمارات... ففي غضون أشهرٍ ثمانية فقط، كتب رجل الأعمال حسن سميك المقيم في الإمارات والذي يحظى بعلاقات واسعة في عمان كذلك، مقالاً في مجلة "فورين بوليسي" اقترح فيه ضم الضفة الغربية للأردن، ومنح سكانها الجنسية الأردنية، باعتبار ذلك (مع مزيد من الشروحات والتفاصيل) الحل الأبسط والأفضل للقضية الفلسطينية المستعصية على الحل.

وعلى موقع "العربية نت" السعودي، نشر علي الشهابي، المقيم في "نيوم" والذي يوصف عادة بالمقرب من محمد بن سلمان، مقالاً دعا فيه لـ"مملكة فلسطينية هاشمية"، وعرض فيه ضم الضفة وغزة إلى الأردن، وإقامة مملكة أردنية – فلسطينية – هاشمية، تمنح جنسيتها للفلسطينيين في لبنان وسوريا إن تطلب الأمر، وتنهي الحلم غير الواقعي بـ"العودة" و"استعادة أرض الأجداد"، وتوفر فرص نماء وعيش كريم في دولة مقتدرة.

المقالان أثارا، كما كان متوقعاً ومفهوماً، موجة من ردود الأفعال المنددة والرافضة لهذه الطروحات، التي قيل في وصفها، ما لم يقله مالك في الخمر، على أن الأهم من الشجب والإدانة والتنديد، هو التساؤل عن "السرّ" الكامن في توقيتها وهوية من حملت تواقيعهم، والوسيلة الإعلامية التي تولت نشرها، وما إن كانت تعبر عن رأي صاحبها، أم أنها "وحيٌ يوحى" من قبل بعض صنّاع القرار في عاصمتي البلدين الخليجيين، وتوطئة للبوح بما يدور في أذهان هؤلاء، وربما رغباتهم في استحداث "انقلاب" في النظر إلى كيفية معالجة الصراع الأطول في المنطقة: الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

والحقيقة أنها ليست المرة الأولى التي يجري تداول أفكار من هذا النوع... في إسرائيل طالما جرى طرح سيناريوهات "الخيار الأردني"، و"الروابط الفيدرالية" و"الحل الإقليمي" للقضية الفلسطينية، وقبل أن يجنح تيار العمل (اليسار) في إسرائيل إلى فكرة "حل الدولتين" وإن بصورة غامضة، كان "الخيار الأردني" أطروحة يسارية بامتياز، إلى أن تلقفها اليمين بعد مسار مدريد أوسلو، كشعار اعتراضي على فكرة "الدولتين" وكشعار "مقاوم" لخطر "الدولة الواحدة" الذي ارتفع منسوب التحذير من احتمالات انزلاق إسرائيل إليه، في السنوات الفائتة.

ومثلما أن اليسار الإسرائيلي لم يكن يوماً جاداً في تبني دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على خطوط الرابع من حزيران 1967، فإن اليمين الإسرائيلي باتجاهاته العريضة، لم يكن يعني بـ"الخيار الأردني"، التخلي عن الضفة الغربية، فبعض هذا اليمين ما زال يؤمن بـ"الترانسفير" كوسيلة للخلاص من "فائض الديموغرافية" الفلسطينية، وبعضه الآخر، لا يمانع بـ"الترانسفير السياسي" للخلاص من أكبر عدد من الفلسطينيين على أقل مساحة من الضفة الغربية، ومن ضمن ترتيب فيدرالي أو كونفدرالي، أو حتى ضم وإلحاق "بواقي الضفة" مع غالبية سكانها، بالأردن.

قبل ذلك، وعلى المقلب الآخر، كان العاهل الأردني الراحل الملك حسين تنبه إلى بعض أوجه القصور والخلل في العلاقة بين ضفتي المملكة، وكان بذلك يلمح أو يصرح، بأن "تغييب" الهوية الفلسطينية لم يكن أمراً صائباً في ترتيبات مؤتمر أريحا وقرار الضم، فأعلن في العام 1972، بعد قرابة الربع قرن على الضم، وخمس سنوات على الاحتلال، ومن باب "تصحيح التاريخ" وفي سياق التنافس المحتدم مع منظمة التحرير الفلسطينية حول من يمثل الفلسطينيين، عن مشروع "المملكة العربية المتحدة" وكان مهّد لهذه المبادرة بتشكيل الاتحاد الوطني الأردني، بوصفه الذراع الحزبية – الشعبية لترجمتها، وتصفية ذيول أحداث أيلول 1970.. لا المملكة المتحدة رأت النور، ولا اتحادها الوطني عمّر لأكثر من بضع سنوات متعثرة.

على أن فكرة إيجاد "ترتيب ما" يجمع الأردن بفلسطين، قبل أو بعد استقلال الأخيرة، ظلت تُطرح بين الحين والآخر، ويمكن النظر إلى اتفاق شباط 1985، بين الأردن ومنظمة التحرير بوصفه ترتيباً فيدرالياً، معلقةً ترجمته على شرط الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية... كما يمكن النظر إلى "ترتيبات الوفد الأردني – الفلسطيني المشترك" إلى مؤتمر مدريد بالعين ذاتها، قبل أن ينفصل الوفدان، ويشق أوسلو طريقاً لمفاوضات فلسطينية – إسرائيلية منفردة، انتهت بما بات معروفاً.

كافة المحاولات التي بذلها الملك حسين لاسترداد الضفة الغربية والقدس الشرقية، والتي بدأت بعيد الاحتلال مباشرة، ومرت بمحطات مهمة من بينها "اتفاقيات فك الارتباط" التي رعاها وتوسط بها هنري كيسنجر، ورفض إسرائيل إبرام اتفاق مع الأردن مماثلاً لاتفاقيها مع مصر وسوريا، وبعدها مفاوضات لندن التي أعقبت اتفاق شباط وامتدت حتى 1987، كافة هذه المحاولات، أخفقت بسبب رفض إسرائيل الانسحاب إلى خطوط الرابع من حزيران، سواء لصالح الأردن أو أية جهة أخرى.

كان واضحاً تماماً أن إسرائيل تثق بصلابة واستمرارية أية ترتيبات يمكن أن تتوصل إليها مع الأردن، بخلاف الفلسطينيين ومنظمتهم، حيث جدران الثقة منهارة، لكن ما كان ثابتاً في الخطاب الإسرائيلي العابر للحكومات والأحزاب، وواضحاً كل الوضوح كذلك، أن إسرائيل لم تكن يوماً بوارد الاستعداد لتسليم الضفة والقدس لأي طرف آخر، أياً كانت درجة الثقة به، وغير مستعدة للقبول بأية ضمانات أو ترتيبات تعيدها إلى خطوط ما قبل "حرب الأيام الستة"، وربما كان لإدراك الملك الراحل لحقائق الموقف الإسرائيلي هذه، دوراً (إلى جانب عوامل أخرى) في دفعه لاتخاذ قرار "فك الارتباط" – 1988، ومن ثم، إعلان الاستقلال الفلسطيني في السنة ذاتها، في حين كانت انتفاضة شعب فلسطين الأولى، في ذروة عنفوانها.

بمجيء الملك عبد الله الثاني للحكم في العام 1999، ستستقر العلاقة بين الأردن والفلسطينيين على قاعدة صلبة: "الأردن أردن، وفلسطين فلسطين"، وسيتحقق الإجماع الأردني على "لاءات ثلاث" معروفة: لا للتوطين والوطن البديل، ولا للفيدرالية أو الكونفدرالية قبل قيام دولة فلسطين المستقلة والسيّدة، ولا للتنازل عن المقدس ورعاية المقدسات فيها، مع كل ما استتبعه ذلك، وتولّد عنه، من استقرار في علاقة الأردن بالسلطة والمنظمة. 

طوال العقدين الفائتين تكرست بقرارات من القمة العربية والمؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة ومرجعيات عملية السلام، فكرة "حل الدولتين" بوصفها الخيار الأنسب والأوحد القابل للحياة، والمُلبي للحد الأدنى من حقوق وتطلعات الشعب الفلسطيني، وحظي هذا الخيار، بدعم عالمي فريد، وتقبلته الإدارات الأميركية المتعاقبة، بما فيها إدارة ترامب (التي أمعنت في مسخه)، وبدأ هذا التصور يتسرب محفوفاً بالشروط والقيود الثقيلة، إلى خطاب أحزاب إسرائيلية في معسكرين اليسار واليمين وما بينهما.

اليوم، ومع استمرار إسرائيل في الانجراف يميناً، وانفلات غول الاستيطان من عقاله، وتمدده إلى عمق الضفة الغربية ومعظم أحياء القدس الشرقية، ومع تفشي نظام التمييز العنصري المعمول به ضد الفلسطينيين بشهادة منظمات دولية وازنة (أمنستي انترناشنال وهيومن رايتس)، وإسرائيلية مستقلة (بيتسيلم) وأميركية بحثية (كارنيغي)، باتت أطراف عدة، وغالبية الرأي العام في دول المنطقة، تتحدث عن تعذر وأحياناً استحالة هذا الحل.

وبالعودة إلى مقالي حسن سميك وعلي الشهابي، فإن جديدها قديم، وقديمها لم ير النور، فما الذي يدفع بهما، سواء إن كان اجتهاداً أو بوحي يوحى، لإيهامنا بأن إسرائيل اليوم، بعد سيطرة اليمين واشتداد سطوته، ستقبل بما رفضته قبل أربعة وخمسة عقود، زمن حكم العمل واليسار وتيارات الوسط الصهيوني؟ 

ليس لديهما ما يوحي بذلك، وهما بالأصل، لم يشغلا نفسيهما بالسؤال عمّا إذا كانت إسرائيل ستُخلي الضفة الغربية لصالح الأردن و"المملكة الجديدة" أم لا... الواضح تماماً أنهما (وأيا كان من يقف وراءهما)، يبشران بضرورة التكيف مع "مخرجات الحل الإسرائيلي"، ومن ضمنها مساعدة إسرائيل على التخلص من "فائض الديموغرافيا" الفلسطينية، الذي يقلق الإسرائيليين ويعكر عليهم صفو مشروعهم لدولة يهودية خالصة، بعد أن فاحت روائح العنصرية الكريهة في سماوات عواصم عالمية، بما فيها واشنطن وبروكسل.

الفلسطينيون كما الأردنيون، ليسوا خصوماً لفكرة "فيدرالية" أو "كونفدرالية" بين الجانبين، تشتمل على الأرض الفلسطينية وسكانها، كل الأرض المحتلة عام 1967 وكل ساكنتها، على أن تتم بصورة طوعية وبإرادتهم الحرة، لكن أياً منهم، لن يقبل أبداً بفكرة فيدرالية تجمع السكان الفلسطينيين، دون أرضهم، أو على جزء منها، مع الأردن، لأنهم في الأصل، معنيون بحل قضيتهم الوطنية المشتركة، وليسوا متطوعين لتقديم أطواق النجاة لمأزق إسرائيل مع الوجود الفلسطيني على أرض فلسطين التاريخية.

يبدو أن بعض العرب، يريد الانتقال بمساره التطبيعي مع إسرائيل، من التخلي عن الفلسطينيين وخذلانهم، إلى مساعدة إسرائيل في مواجهة أحد أبرز استعصاءاتها على الإطلاق: التخلص من العبء السكاني الفلسطيني، فاختار أن يضع ما يجول في خلده على ألسنة فلسطينيين لم يكن لهم إسهام يوماً في حركة الشعب الفلسطيني وكفاحه من أجل حريته واستقلاله... يبدو أن البعض سئم من حكاية "القضية المركزية الأولى" فقرر الانخراط في مشاريع حلها، ولكن من البوابة الإسرائيلية هذه المرة، حتى وإن كانت هذه الحلول على حساب الأردنيين والفلسطينيين معاً.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.