متظاهر يلوح بالعلم العراقي في كربلاء عام 2019
متظاهر يلوح بالعلم العراقي في كربلاء عام 2019

لا تريد القوى السياسية في العراق الاعتراف بعمق الأزمة في منظومة حكمها، بل تصرّ هذه القوى على مواجهتها بخطاب يعبّر عن نرجسية سياسية، ولا تريد الاعتراف بأنها جزء أساسي من الأزمة ولا يمكن أن تكون جزءاً من الحل.

وفي جانب آخر، يدرك أصحاب هذه القوى تماماً أن تفكيرهم بالمصالح والتآمر بعضهم على الآخر لا يمكن أن ينتج حلولاً حقيقة وجدية لتجاوز حالة التدهور التي وصلت إليها منظومتهم السلطوية.

وقد يكون فشل الدولة نتيجةً لِتفاعل الصراعات الداخلية مع تدخلات إقليمية ودولية، لكنَّ الدولة لم تفشل إلا بسبب هشاشة النظام السياسي الذي بقي طوال السنوات الماضية أسير الانقسام والتشرذم والضعف والاختراق والفساد. ومن ثمَّ، وصلنا إلى مرحلة إفلاسٍ مزمن في شعارات ومبادرات الطبقة السياسية التي تسعى إلى تجاوز تداعيات الفشل في إدارة الدولة وانعدام مشروعية منظومة الحكم، وعجزها عن تصحيح بُنية الدولة وعلاقتها مع الجمهور.

يفشل النظام السياسي في القيام بوظائفه عندما تفشل شرعيته السياسية في أن تكون هي الشكل الروحي لِلسيطرة والمظهر المعنوي لِلإكراه. وبذلك يفقد الأساس الضامن لما أسماه الفيلسوف الألماني هيغل "الدولة المنسجمة"، أي الدولة التي يسود فيها الاعتراف بحق الاختلاف، واحترام خيار الناس في شكل القيادة التي تسيسهم، ويتم حل الخلافات فيها بقوة الإقناع أو القانون.

التأسيس الخاطئ لا يمكن أن تكون مخرجاته صحيحة، فالنظام السياسي في العراق تأسس وفقاً لهواجس الماضي دون استحضارها لِتجاوز الأخطاء التي وقعت فيها الأنظمة السابقة بشأن علاقتها مع المجتمع.

ومنذ بداية تأسيسه كان يسيطر على مخيّلة مَن كتب دستوره وأسس مبادئ النظام، أنه مشروع لِتقاسم السلطة بين زعماء المكونات وليس نظاماً يؤسس لِعلاقة صحيّة بين الدولة والمجتمع.

وبدلاً من أن يكون نظامنا السياسي قائماً على أسس شرعية قانونية وسياسية، أصبح يرتكز على أعرافٍ سياسية أسستها المنظومة الحاكمة تعويضاً لِلشرعية الضائعة. لذلك عجز النظام السياسي عن احتواء الصراعات الداخلية. وبات هذا النظام عاجزاً تماماً عن احتواء الصراع والتنافس بين القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة والمؤثرة في المجال العام.

أسوأ ما في هذا النظام السياسي والمنظومة الحاكمة هو عجزهما عن إنتاج مواطنين وتأسيس قاعدة نفسيّة مِن الرضا العام، وعجزه عن تثبيت ركائز الإجماع الوطني الذي يتحقق مِن خلال الثقة بالنظام الذي يربط المجتمع بالدولة، وانتقال عدوى عدم الثقة والارتياب بين الفرقاء السياسيين إلى المجتمع.

ولم تنجح قوى السلطة إلا في مسخ معنى المواطنة عندما حولتها إلى زبائنية لهذا الزعيم أو ذاك السياسي، وقسمته على أسس مكوّناتية تتاجر فيها عندما تريد تقاسم مغانم السلطة. 

نحن الآن ننتقل مِن فشلٍ إلى آخر، فبعد أن فشلنا في أن تكون الانتخابات المدخل لمنح الشرعية لِلنظام السياسي، فشلنا في أن يكون الدستور هو الحاكم الأعلى، وفشلنا في أن تكون المؤسسات السياسية قادرة على احتواء الصراعات السياسية. والمعضلة الكبرى تكمن في حالة النكران التي تعيشها الطبقة السياسية لعمق الأزمة التي وصل إليها النظام السياسي.

خلايا الفشل والعجز انتشرت في جميع مفاصل النظام السياسي، كانتشار خلايا مرض السرطان في جسم مريض، وبات الموضوع أكبر من تشكيل حكومة أو اختيار شخصياتها.

فعدم الثقة بين الفرقاء السياسيين لا يمكن أن ينتج حكومةً قادرة على الارتباط المباشر بالجمهور، وإنما ستكون حكومة تستمد شرعيتها من اتفاق زعامات سياسية تجمعها فكرة تمرير حكومة لأهداف متعارضة وليس مشروع سياسي لتجاوز أزمة.

فالكرد يعتقدون أنَّ مشاركتهم في الحكومة تجري وفق اشتراطات سياسية أكبر من تقاسم المناصب، مثل الاتفاق على تصدير نفط الإقليم ومنح المشروعية لعقود التراخيص أو غض الطرف عن قرار المحكمة الاتحادية القاضي بعدم دستورية قانون النفط والغاز في الإقليم.

أما القوى السنية فسيكونون أمام تحدي عودة الصراع على الزعامة السياسية في المناطق السنية، وستكون أولويات محمد الحلبوسي، زعيم تحالف تقدم، البحث عن ضمانات لتثبيت بقائه في منصب رئاسة مجلس النواب أكثر من اهتمامه بشكل الحكومة وبرنامجها وحصة حزبه فيها.

في حين يعتبر مأزق القوى السياسية الشيعية الأكثر تعقيداً، كونها تعمل في بيئة متناقضة المصالح والغايات، فهي أمام تحدي تقديم منجز لِمناطق الوسط والجنوب، وبين رغبات تقاسم المغانم في السلطة والصراع على رئاسة الحكومة والوزارات، وبين الخوف مِن تربص الصدريين بحكومتهم.

فرضية فشل النظام السياسي لا تحتاج إلى الكثير من الدلالات حتى تثبت صحتها، بل يمكن الاستدلال على تفكير الزعامات السياسية التي لا تزال تعتقد أن المرحلة التي يعيشها النظام تحتاج إلى مرحلة انتقالية. فهذا المأزق في التفكير خير دليل على أنهم لا يملكون حلولاً جدية وإنما يريدون بقاء الوضع على ما هو عليه وفق مبدأ المرحلة الانتقالية.

يدفع العراقيون ثمن حماقات من يستولي على السلطة بشرعيات ورمزيات وهمية، مرة يكون عنوانها شرعية ثورية، وأخرى تدعي امتداد شرعيتها من معارضة النظام الدكتاتوري، وثالثة تريد فرض نفسها بعنوان شرعية الجهاد وحمل السلاح!

ودائماً ما يكون الشعب خارج حسابات منظومة السلطة والقوى المرتبطة بها، لذلك أصبحت الشعارات التي ترددها زعامات الطبقة السياسية وحاشيتها، والتي تجاهر بمصلحة الشعب، تثير السخرية أكثر مما يلتفّ الجمهور حولها.

واليوم، ينتظر العراقيون الحلقةَ الأخيرة من مسلسل فشل النظام السياسي في القيام بوظائفه، بعد أن فقد ارتباطه بمصلحة المجتمع العليا وبات يرتبط بمصالح الزعامات السياسية ومافيات تعتاش بطريقة طفيلية على موارد الدولة، وفشل الطبقة السياسية في إنتاج منظومة حكم قادرة على التوزان بين الاحتياجات.

ختاماً، أعترف بأن هذا المقال يحمل شحنات كبيرة من التشاؤم، ولا يقدّم أفقاً لِلحل. نعم هذا صحيح! لأني أعتقد أن الحلول تحتاج إلى منظومة سياسية تفكر زعاماتها بمنطق رجالات الدولة لا مافيات سياسية، وبنمط يختلف تماماً عن النظر إلى السلطة باعتبارها مسؤولية ومشروعا سياسيا وليس غنيمة. وأن يكون جميع الفرقاء مؤمنين بالتسويات السياسية وتقديم التنازلات تتناسب حجماً وموضوعاً مع مشروع إعادة بناء الدولة.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.