سمير جعجع
سمير جعجع

مرة أخرى يُخفق الدكتور سمير جعجع في تحديد خياراته، خصوصا المرحلية، وكان بالغنى عن الإحراج الذي سببه لنفسه أولا ولحزبه ثانيا وللمسيحيين ثالثا، ولأطراف تميّزه نسبيا عن غيره من الطبقة السياسية ومستعدة للتفاهم أو تنظيم اختلافها معه، لو انه اكتفى بالجزء الأول من موقفه من الاستشارات النيابية دون ان يستكملها بالغمز من قناة المُرشح لمنصب رئيس الوزراء الدكتور نواف سلام. 

فقد فاجأ جعجع الجميع في تصريحاته عن سلام، وحجم تناقضها مع تصريحات سابقة عنه، دفعت الكثيرين إلى الاعتقاد بأن تسمية سلام في المرة السابقة لم تكن إلا كيدية وليست قناعة، وأن ما جرى يوم الخميس الفائت هو الموقف الفعلي لجعجع من سلام، وهذا ما فتح علامات استفهام بشأن مواقفه لدى مستويات عديدة من التشارنة نوابا ونشطاء ومجموعات، مرورا بالآذاريين السابقين والمستمرين، إلى بعض الأحزاب الشريكة والصديقة، لكن الاستغراب والاستهجان جاء من نخب مسيحية وسنية.

رفضت القوات اللبنانية تكليف رئيس الوزراء نجيب ميقاتي تشكيل حكومة العهد الأخيرة، كما حجبت أصواتها عمن كان من المفترض أن يكون نقطة تقاطع بينها وبين الانتفاضة من جهة، وبينها وبين جزء أساسي من النخب السياسية والثقافية والاجتماعية السنية، وبعض القوى السياسية الأخرى.

لكن جعجع تصرف خارج بدعة الميثاقية، إذ لم يجد اسما سنيا صالحا لرئاسة الوزراء، رغم  وجود مخارج سهلة لتلك المعضلة لو أنه اكتفى بالحديث عن سلام أو من يشابهه وبأن المرحلة الحالية ليست مناسبة، لا أن يتصرف وكأنه من بيده تحديد من يمثل السنة، لأن في أبسط ردات الفعل ممكن لأي طرف سني أن يفسر موقف جعجع بأنه انقلاب جديد على الطائف واستلحاق بحلف الأقليات من أجل إضعاف موقع السنة في لبنان، وهذا يضعه في خانة الثنائي الشيعي والتيار العوني، ويفتح عليه السؤال مستقبلا كيف سيكون رد فعل السنة إذا ترشح جعجع لرئاسة الجمهورية، بعدما تصرف مع ميقاتي وسلام بهذه الطريقة؟

إشارات الامتعاض من تصرف حزب القوات اللبنانية تسربت من بكركي أيضا، وما نقلته الزميلة دنيز عطالله في صحيفة المدن الإلكترونية عن أجواء البطريركية المارونية المنزعجة من عدم تسمية القوى المسيحية رئيسا للحكومة، حيث وضعت تخوفها في مكانه الصحيح، حين ربطت هذا التصرف باستحقاقات إنتخابية مقبلة  تخص المسيحيين والموارنة تحديدا، لكن الأوضح مما نقلته عطالله انه "كانت الفرصة مناسبة للإعلان أن في البلد من لم يستسلم بعد، وأن البدائل ممكنة وموجودة ويُحسب لها حساب. لكن القوات والتيار اختارا ألا يفعلا. وإذا كان موقف التيار مفهوما كـ "شريك مضارب" في السلطة، فإن موقف القوات بدا مستغربا".

هفوة الحكيم الميثاقية - بلغة السلطة وليس الانتفاضة - التي سارع وزيره المرن النائب ملحم رياشي إلى معالجتها، قبل أن تترك تداعيات سلبية على العلاقة ما بين القوات وأطراف عدة، خصوصا أنها لو تركت دون معالجة، وبعد ما سُرب عن بكركي، قد تؤثر على الاستحقاقات المقبلة وقد تستغلها أطراف تتربص بالصيغة اللبنانية وتنتظر أزمة السلطة في تشرين حتى تتعامل معها كأزمة نظام غير قابل للاستمرار في صيغته الحالية وبالتحديد المناصفة التي تمسك بها اتفاق الطائف.

 ويبقى جانب آخر، يبدو أن رياشي نجح في احتوائه الموقف وقطع الطريق على المتضررين من طرح إسم سلام خصوصا في الوسط السني، الذين تعاملوا مع موقف جعجع أنه يمثل وجهة نظر عربية خليجية أيضا، وهذا ما يضر بالدور العربي والخليجي في لبنان ويخدم من يحاول تحريض سنة لبنان عليهما.

كانت فرصة الحكيم في 17 تشرين (أكتوبر) 2019 أن يتجاوز خطيئة اتفاق معراب، لكنه وبسبب تركيبة القوات وتمثيلها تعامل مع استحقاقات ما بعد الانتفاضة (بضربه على الحافر وضربة على المسمار) وتأرجحت العلاقة ما بين محاولة القوات أن تكون جهة قائدة للشارع وبين اعتبار الانتفاضة القوات اللبنانية جزء من السلطة والتمسك بشعار "كلن يعني كلن"، الذي يُصر الحكيم ببعض مواقفه على تثبيته.

وبالرغم من شعبوية الشعار إلا أن جعجع كان بحاجة إلى التكيّف معه كما تكيّف جنبلاط، خصوصا أن هذا الشعار لو طُبق سيخضع لمعايير القضاء وحجم المشاركة في السلطة والفساد.

لكن يبقى الاستغراب الأكبر الذي بسببه لم نعد نفهم الحكيم الذي (الحق يقال) كان أول من تمسك بالطائف والمصالحة العامة في 2005 والوحيد الذي اعتذر عن الحرب، لكن عندما ينظر خارج الصندوق يتميز، وعندما يتصرف كحزبي يصدمك كيف (يقرّش) المواجهة من الجنوب الثالثة، إلى الاستشارات النيابية.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.