Women walk at the Kurdish-run al-Hol camp which holds suspected relatives of Islamic State (IS) group fighters, in Hasakeh…
أحد الشيوخ نصح النساء بتغطية أجسادهن بالكامل لاتقاء استهداف الرجال

نالت جريمة ذبح الطالبة الشابة في جامعة المنصورة اهتماما استثنائياً من وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي نتيجة وحشيتها من جهة وما أثارته من سجال شعبي حول أسبابها، ومن ناحية أخرى حول العوامل التي أدّت إلى إرتفاع عدد جرائم قتل النساء في مصر وبعض الدول الإسلامية، لآن هذه الحادثة لم تكن معزولة أو منفردة فقد سبقتها عشرات الجرائم المشابهة، مما دفع الأمم المتحدة في مطلع شهر مارس الماضي إلى التوصية بإجراء إحصائيات دقيقة وموثوقة حول الجرائم التي تستهدف النساء تحديدًا لأنها تشير إلى وجود دوافع إجتماعية وثقافية وراءها، ويقول المعهد الأوروبي للمساواة بين الرجل والمرأة أن معرفة هذه الدوافع يساعد الحكومات على توفير حماية أفضل للضحايا المحتملات مع إمكانية أكبر لمعاقبة وردع الجناة والمحرّضين، وعملت الأمم المتحدة على تشجيع السلطات الوطنية على تسجيل هذه الجرائم لأن غياب المعطيات أو نقص موثوقيتها هي طريقة سهلة تتّبعها بعض الحكومات للتشكيك في حقيقة إنتشار الجرائم التي تستهدف النساء في دولها.  

وقد قالت الأمم المتحدة إن جرائم قتل النساء التي تحدث لأسباب تتعلّق بالجندر أي لكونهنّ نساء تكون متعمّدة، ولا يجب أن تقتصر دراستها على الدافع الخاص لمرتكب كل جريمة على حدة، بل يجب بحث الأسباب المجتمعيّة العميقة التي أدت إليها مثل الاقتناع بأفضلية الرجال على النساء والذي قد يتظاهر بعنف استثنائي من قبل الجناة تجاه المرأة المستقلّة أو التي يبدو سلوكها غير متطابق مع الأعراف السائدة، فقد قُتلت طالبة جامعة المنصورة بعدد غير قليل من الطعنات قبل أن يقوم الجاني بذبحها، وبعدها بأيام قتل شاب أردني طالبة جامعية أيضا بست رصاصات استهدفت رأسها وقلبها، وبعد بضعة ساعات أخرى أقدم رجل أردني على قتل زوجته في دولة الإمارات بستة عشر طعنة.  

ورغم أن دول اميركا الوسطى تحتلّ المركز الأول عالمياً في عدد جرائم القتل نسبة إلى عدد السكان نتيجة الفقر وانتشار العصابات الإجرامية، ولكن أغلب القتلة والضحايا هم من الذكور الشباب، وأغلب النساء اللاتي يُقتلن هناك لا يُقتلن لأنهنّ نساء بل لوجود علاقة تربطهنّ بإحدى العصابات، كما تقول الأمم المتحدة أن جرائم القتل التي ترتكب في إطار العلاقة الزوجية أو الشريك الحميم غالباً ما تكون مرتبطة بتأكيد سيطرة الرجل، وهذا النوع من الجرائم حسب الإحصائيات الدولية أكثر حدوثاً في إفريقيا وسببها الرئيسي الغيرة أو الخوف من الهجر، بينما يقلّ هذا النوع من الجرائم في أوروبا.  

أمّا جرائم قتل النساء التي ترتكب من قبل أشخاص آخرين في العائلة فهي على الأرجح جرائم "شرف"، ويتركّز حدوثها في دول إسلامية مثل أفغانستان وباكستان والعراق ومصر والأردن، ولسبب ما لا تقدّم هذه الدول بيانات وافية عنها في محاولة للتقليل من حجم هذه الظاهرة، ويتميّز هذا النوع من الجرائم بوجود نية مبيّتة عند القاتل تترافق مع شعور متجذّر في ثقافته بتملّك جسد الأنثى من قبل عائلتها وعشيرتها وحق هذه الأطراف في إستخدام العنف لإخضاع هذه الأنثى، كما تترافق هذه الجرائم مع مشاعر الكراهية أو الاحتقار تجاه المرأة لأن سلوكها حسب تلك الثقافة قد جلب العار لعائلتها وعشيرتها، حتى أن نصف الرجال الذين يرتكبون هذا النوع من الجرائم لا يشعرون بأي تعاطف مع الضحيّة وثلثهم لا يشعر بالندم على ما فعل.  

ورغم أنه من المألوف عند شعوب العالم أن ينصح الوالدين ابنتهما بأن تنتظر حتى تبلغ عمراً معيناً حتى تبدأ تجربتها العاطفية الأولى وأن تُحسن إختيار أصدقائها، ولكن أغلب هذه الشعوب لا تتفهّم قيام أب أو أخ أو قريب بعيد بقتل فتاة لأنها أحبّت رجلاً ما، كما أن إحصاء هذا النوع من الجرائم يجب أن يُضاف إليه الموت الناجم عن العنف المتكرّر بحقّ المرأة من قبل شريكها أو من قبل أحد أفراد أسرتها، وهذه الحوادث تحدث بكثرة في الدول الإسلامية نتيجة تجنّب السلطات الحكومية التدخّل في ما تعتبره مشاكل عائلية خاصّة، وكذلك لابدّ من إضافة انتحار الفتيات والنساء اللاتي تعاونت عائلاتهم ومجتمعاتهم على إغلاق أي أفق لحياة سعيدة وكريمة أمامهنّ.  

وأكّد رجل الدين الأزهري مبروك عطية في تعليقة على جريمة قتل طالبة جامعة المنصورة على حقيقة أن عمليات قتل النساء في كثير من الدول الإسلامية ليست حوادث فردية بل ظاهرة مجتمعية، حيث شرح بأسلوب مباشر وواضح تماماً بأن على الفتاة إذا أرادت أن تحافظ على حياتها في مصر أن لا ترتدي بنطالاً ضيقاً يبيّن ملامح جسدها وأن لا تترك شعرها يتطاير على خدودها وإلّا فإن ذكراً يسيل لعابه من فرط رغبته في ممارسة الجنس معها سيقوم بذبحها، وانسجمت أقوال هذا الداعية مع آلاف التعليقات من قبل إسلاميين على مواقع التواصل والتي صبّت في نفس الاتجاه وهو لوم الضحية وليس القاتل.  

وما قاله هذا الشيخ يعبّر عن رأي أحزاب الإسلام السياسي، فقد انحصرت تعليقات محطّات الأخوان المسلمين على حادثة الذبح وعلى ما قاله الشيخ مبروك عطية بالشماتة فيه، لأن إعلام النظام الذي عمل سنوات فيه قد تخلّى عنه بسهولة وهاجم تصريحاته، واستغربت هذه المحطات غضب الإعلام الرسمي من ما قاله عطية وتساءلت لماذا لم يغضبوا بهذه الحدّة عندما أهان الهنود والفرنسيون النبي محمد، بما يدلّ على أنهم لا يعترضون على ما قاله لأنه ينسجم مع ما يردّدونه يومياً عن ملابس المرأة.  

كما أن الدكتور مبروك عطية هو رئيس قسم الدراسات الإسلامية في الأزهر وما قاله يتوافق مع مناهج هذه المؤسسة وإن كان أسلوب الأزهر أكثر ذكاءاً من طريقته الفجّة في التعبير ولكن المحتوى واحد، وأكّدت على ذلك البيانات التي أصدرها الأزهر وعدة شخصيات أزهرية تعقيباً على تسجيله والتي بمجموعها تجنّبت الخوض في جوهر ما قاله حول لباس المرأة وأن على المرأة عند خروجها من منزلها بأن تكون كالقفّة حتى لا تتعرّض للقتل، واكتفت بالتأكيد في كلام عام على أن الأزهر كرّم المرأة وسمح لها بتولّي مناصب فيه لم تكن متاحة أمامها من قبل، وأن ما قاله يمثل رأيه الشخصي وليس رأي المؤسسة.  

كما أن ما قاله مبروك عطية يمثل رأي نسبة واسعة من المجتمع المصري هذه الأيام، ومنهم القاضي الذي حكم على الطالبة الجامعية ابنة التسعة عشر عامًا حنين حسام بالسجن لتسجيلها مقاطع فيديو على تيك توك والذي قدّم لحكمه بمحاضرة في الأخلاق، ومنهم الشخص الذي تلصّص بمنظار مقرّب على جارته السائحة الأوكرانية في شقتها التي تبعد عنه مئات الأمتار وبدل أن يحاسبه القضاء على جريمته هذه، اشتكى هو على السائحة لأنها ترتدي ضمن منزلها ثيابًاً لا تتناسب مع "تقاليد المجتمع المصري"، ومنهم المراهقين الذين طاردوا السائحتين في الأهرامات لأن ملابسهن التي تُعتبر طبيعية في أغلب دول العالم تُعتبر فاضحة في مصر.  

والأهم من كل ذلك أن أمثال الدكتور مبروك عطية هم من كتبوا في عصور سابقة الكثير من كتب الحديث والسيرة وملؤوها بالهوس بالجنس وجسد المرأة، ومن ينتقد أو يشكّك في هذه الكتب اليوم يعتبر ناكراً لما هو معروف من الدين بالضرورة، وارتفاع عدد هذا النوع من الجرائم في بعض الدول الإسلامية يدلّل على أن الإسلام المتشدّد الذي إنتشر خلال العقود الأخيرة هو السبب وراء استفحال ظاهرة جرائم قتل النساء، والتي يرتفع عددها وتزداد وحشيّتها كلّما مال المجتمع أكثر نحو التشدّد كما هو ملاحظ اليوم في أفغانستان وباكستان ومصر، ولو كان السبب هو الأعمال التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي والابتعاد عن الإسلام كما يدّعي الإسلاميون لكانت إرتفعت نسبة هذه الجرائم في الدول المنفتحة إجتماعياً وثقافياً.  

وكلما حدثت جريمة جديدة تبرز تساؤلات عن أين هي الدولة المصرية من ما يحصل، وإلى متى ستبقى صامتة وكأنها خائفة من التشدّد الديني الذي تغلغل عميقاً في المجتمع، فقد أظهرت التجارب الخليجية والسعودية خصوصاً أن التخلّص من الأفكار المتزمّتة التي زرعها الإسلاميون خلال العقود الماضية في المجتمعات الإسلامية يحتاج إلى مساعدة حاسمة من السلطة السياسية حتى يتم طيّ صفحة التخلّف والتشدّد، وقد قامت الحكومة هناك بإغلاق المنابر التي تدعو إلى التطرّف وسجنت من يروج للأفكار التي أدّت إلى انتشار العنف والإرهاب حتى من الشخصيات التي كان لها أعداد كبيرة من الأتباع.  

ومع موقف الدولة غير الكافي تزداد مسؤولية منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية التي تدافع عن قضايا المرأة، والتي عليها العمل أولاً على توثيق كل حوادث العنف ضد المرأة وخصوصاً جرائم القتل وحالات الانتحار التي تحدث في القرى البعيدة، ثم مشاركة هذه الإحصائيات مع المنظمات الدولية حتى تشترك في الضغط على الحكومة وعلى المؤسسات الدينية حتى تعمل على مكافحة فعّالة لهذه الجرائم، والمطالبة بان ينال من يقوم بهذه الجرائم ومن يشجّع عليها ومن يبرّرها عقوبة مشدّدة وليس منحه أسباب تخفيفية. 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!