This photo provided by the South Carolina Dept. of Corrections shows the state’s death chamber in Columbia, S.C., including the…
"كرسي المكتب يمثل بأحسن الأحوال كرسي الإعدام الكهربائي لكن باحتضار بطيء".

يطلب منّي رئيس التحرير صورة شخصيّة وموجز مُختصر عني، مهمّته تعريف من يتورّط في قراءة المواد التي ستُنشر تباعاً، أسبوعيّاً أو شهريّاً، حسب الغزارة الانتاجيّة المرتبطة بالتدفق الجاري في دماغي، وقدراتي على صياغة مفاهيم ومواد بمحتوى مثير للاهتمام، في محاولة لبناء سرديات جديدة، في وقت قلّت فيه قراءة المقالات والنصوص المنشورة والكتب بشكل عام، لصالح المواد البصرية القصيرة المنشورة عادةً على إنستغرام، فيسبوك و تيكتوك مؤخراً. أمر مفهوم ومنطقي جداً، شخصياً على الأقل وللأشخاص من جيلي أو الجيل الأصغر من مواليد الألفين. 

"نستطيع أن نبدأ بمقال واحد، أربعة مقالات شهريّاً مُرهق ومُستنزف. لا أنصح به" يقول هذا وأفهم تماماً ما يعنيه. أصر مجدّداً لأقنعه بحماسي الشديد المدعوم بقرار شخصيّ جداً اتخذته فيما يتعلق بتعاملي مع الأشخاص والأشياء من حولي بالتزام وجديّة أكثر بقليل مما كنت عليه طوال ما يتجاوز الربع قرن الماضي. 

الجدية التي تلاشت منذ أن قرّرت أن أظهر عدم اكتراثي لممارسة حق الاعتراض - بالعودة إلى السنوات الماضية - جراء عقاب يطال المقصرين في متابعة توجيهات الجسد الأكبر منّي (الأساتذة والمعلمات وطاقم الفضاء التعليمي) وإخفاء أي تذمر أو إظهار أي ردة فعل تجاه الأوجاع الناجمة عن الضرب المتتالي بالعُصي الهابطة على باطن يدّيّ، والكفوف المرصعة بالمعادن والذهب، والحُلي الرديئة أحياناً الحارقة لوجنتي. في محاولة مني لأغيظ المعلمة أولاً وأقودها للتشكيك في قواها الجسدية، وكأنها كانت طريقة غير مباشرة للتواطؤ معها ومساعدتها على تفريغ غضبها وحقدها المتسلسل من محيطها والمجتمع والدين وصولا إلى أعلى الهرم من سلطة ونظام. حسناً من الممكن ألا يكون أي سبب من المذكور، والسبب الوحيد أنّها فقط لا تهوى عملها، وكل ما ترغب به، الجلوس على مقعد أحد الحدائق وتأمل المارة. النقطة الأساسية أني كنت بارعة في ضبط حركات جسدي لإخفاء أي إحساس بالألم. فعل احترفته ممارسةً إلى هذه اللحظات. 

شخصياً، العمل خمس أيام في الأسبوع، 8 ساعات يومياً، في مساحة معينة مع موظفين آخرين على احتكاك يومي إجباري، فعل مُهلك يوازي في أهواله عقوبة الحكم المؤبد.  فضاءات العمل تحديداً تمثل لي شعور الجحيم. لا تقاطعات مع جحيم دانتي في الإثارة العقلية والخيالات والأهوال هناك، جحيم من نوع آخر، مجدول، رتيب وممل، وهذا أكثر رعباً من عقوبة تحول الجسد في "الحياة الآخرة" إلى حطب جهنم. 

كرسي المكتب يمثل بأحسن الأحوال كرسي الإعدام الكهربائي، لكن باحتضار بطيء، بصعقات كهربائية معتدلة، كفيلة بإبقائك على قيد الحياة لإنجاز العمل المطلوب. محاكاة حقيقية للتعذيب الجسدي/ النفسي لكن بجدران نظيفة وتهوية.

تقريباً، كنت في الـ19 من عمري عندما عملت (جدياً) للمرة الأولى في حياتي بما يسمى بالدوام الكامل (The full time job) بعد انتقالي إلى أكثر المدن بلاستيكيةً، دبي. كان العمل في قناة إ
إخبارية، يتطلب مني كتابة تقارير إخبارية تفريغاً من صور ومقاطع فيديو لقصف المدن السورية والأحداث فيها خلال السنوات الأولى من الثورة. 

الجزء الأسوأ من العمل كان، تحرير مقاطع الفيديو، المجازر تحديداً، قص الأشلاء الظاهرة بالمشاهد بشكل فج، "التغبيش" عليها لوحدها وإبقاء ما تبقى من المشهد "واضحاً" منعاً لإثارة حساسية المشاهدين واحترام الأجساد المنتهكة، مفهوم وأخلاقي. جيد لمنع الاحساس بالاعتياد والتلبد أمام مشاهد، يوازي بشكل ما الاعتياد على طبيعتها فداحة المشهد بحد ذاته. 

ثلاث أشهر كانت بمثابة يوم واحد، يوم واحد في جحيم ممتلئ بأجساد مقطوعة وأشلاء ضبابية ومدن تدمر. يوم واحد مكرر، طريق المكتب. الأشخاص، المترو، أعني حتى سائق التكسي كان ذاته من الخلف. في لحظات شعرت بأنني في مصفوفة وكل شيء محيط غير موجود، مجرد وهم، أو لعبة لحضارة أذكى من حضارتنا. كيف يمكن لكل هذه القباحة أن تستمر؟ حينها أقسمت لنفسي بأن لن أعيد الكرة في حياتي، حتى لو تطلب مني الأمر العيش في الشارع. 

بعض الأعمال المكتبية أو الروتينية الخالية غالباً من أي حس إبداعي أو ذهني معين تمتلك المقدرة على تدمير رؤية ممارسها الخاصة، وفقدان تقدير فداحة المشهد أمامه. ألوم التكرار. التكرار مخيف، يخفف من الصدمة الأولى سواء كانت إيجابية أم سلبية غير مهم، يقتلها حد الاعتياد. ماذا إذاً عن الأعمال التنفيذية التي تتطلب القيام بمهمات لا تقبل الجدال أو الاعتراض؟ كفضاءات الجيش والسجون ومراكز التعذيب؟

في الفيلم الإيراني "There is no evil"، الترجمة الحرفية من العنوان الفارسي إلى العربية (لا وجود للشيطان) للمخرج "محمد روسولوف" يبدأ السرد في القسم الأول من الفيلم، عن طريق الدخول الحذر في حياة عائلة الشخصية الرئيسية "حشمت"، عائلة صغيرة، تبدو من الطبقة الوسطى، تمارس يوميتها الاعتيادية ببطؤ، ومهامها الاجتماعية في رعاية الجدة المسنة على سبيل المثال دون أحداث كوارثية تذكر. على العكس، الأب رقيق مع ابنته الصغيرة. ينقذ قطة الجيران. زوج محب يصبغ شعر زوجته بعناية. مجهود يدعو إلى التعاطف، خاصةً عند استيقاظه فجراً للذهاب إلى عمله دون أي علامات تذمر. 

يتسرب في عتم الصباح الهادئ، يصل إلى عمله، يبداً بتحضير الفطور والقهوة ضمن فضاء يبدو للوهلة الأولى على أنه مطبخ مكان العمل، لكن ما يختلف هنا، لوحة أزرار كهربائية معلقة على الحائط إلى جانب شباك زجاجي مجهول الإطلالة، يثير حجمه الصغير القلق. تتغير ألوان الصف الأعلى من اللوحة من الأحمر، الخمسة الأولى فقط من أصل ثمانية، نزولاً إلى الخمسة الأولى من الصف الأسفل للون الأخضر. عندما يلاحظ "حشمت" اللون الأخضر، يضع كأس الماء بهدوء، يقف أمام الشباك الزجاجي الصغير. يتأمل للحظات، يضغط على الزر الأسود في نهاية اللوحة، لتخترق الكاميرا بعدها الشباك الزجاجي نحو أرجل 5 سجناء يحتضرون في لحظاتهم الأخيرة على حبل المشنقة. "حشمت" موظف مهمته الوحيدة الضغط على زر واحد لتنفيذ حكم الإعدام بحق أجساد ينظر إليهم في آخر لحظات حياتهم محتضرين، من ثم يعود ليكمل فطوره الصباحي وحياته اليومية "الطبيعية". 

بالتأكيد مفهوم الفيلم لا يدور حول تفكيك الأعمال المكتبية اليومية، بل الأعمال المرتبطة بمصائر أجساد غريبة تماماً من وجهة نظر منفذيها، سواء جريانهم مع المهمات وتنسيقها ضمن حياتهم اليومية دون الإحساس بالخلل الفادح في تنفيذها كما في حالة "حشمت" وشخصية أخرى في أحد فصول الفيلم الأربعة، أو مقاومة الاستسلام للمهمة ودفع أثمان شخصية باهظة مقابل هذا الاعتراض كما في حال شخصيتين يختتم بهما الفيلم في الفصلين الأخيرين كبيان على قدرة الاختيار وعدم الانسياق في فداحة وقسوة المنظومة، ضمن مهن تقتضي بتنفيذ الخطوة الأخيرة لإعدام سجناء، لأحكام غالباً ما تكون جائرة ومرتبطة بمعارضة سياسة الحكومة القائمة، كحالات الإعدام الشائعة للسجناء السياسيين في ايران. 

يتنبأ بعض المبرمجين بأن 40 بالمئة من الوظائف الحالية ستُحتل من قبل الآليين وأجساد الذكاء الاصطناعي في المستقبل، تقديراً الـ15 سنة القادمة. النسبة كبيرة لكن قابلة للتنفيذ إذا ما تم وضع مقارنة بين الأجساد الحية والأجساد المطاطية/الرقمية، من حيث السرعة والتركيز واستخلاص النتائج بدقة أكبر ناهيك عن التوفير المادي جراء توظيف عمالة لا تحتاج إلى ما تحتاجه العمالة البشرية من رواتب وطبابة وغيرها من الضمانات الصحية والإجازات السنوية. عمالة على مدار الساعة كل ما تحتاجه صيانة سنوية أو استبدال مرن دون الخوض في الحقوق والتعويضات كما يجري في جميع منصات العمل الحالية. العمالة المثالية لأكبر شركات العالم، لكن الأثمان لهكذا أفعال مستقبلية غير دقيقة التبوء في الوقت الراهن. المثير للرعب هو التنبؤ المرتبط بمحاولات وخطط لخلق جيوش كاملة من الأجساد الآلية، أجساد تبرمج لتحارب دون توقف ودون إشراف مستمر، قتل اتوماتيكي حيث يختفي حس الاختيار ومواجهة الأخلاقيات البديهية التي يقف عندها أي بشري في لحظة ما، كما في حال شخصيات فيلم "لا وجود للشيطان". 

يدعو مفهوم القتل المبرمج الذي يستخدم الآن بجميع الأحوال، ولكن بإشراف "بشري" لحدٍ ما، للتساؤل عن ماهية وأشكال الشياطين المستقبلية للأجساد الآلية. هل ستكفي التعويذات وحدها في صد الشياطين المستقبلية؟ مبهم.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.