متظاهرون طالبوا فرنسا بإخلاء قواعدها العسكرية من تشاد
متظاهرون طالبوا فرنسا بإخلاء قواعدها العسكرية من تشاد

تابعت خلال الأسابيع الماضية المسيرات الجماهيرية التي جابت شوارع العاصمة التشادية، انجمينا، مطالبة فرنسا بإخلاء قواعدها العسكرية وسحب قواتها من البلاد. ورفع المتظاهرون شعار "تشاد حرة وفرنسا برة" وحملوا فرنسا مسؤولية تأخر البلاد ونددوا بسياساتها تجاه مستعمرتها السابقة ودعمها للأنظمة التي تعاقبت على حكم تشاد على الرغم من فسادها وفشلها في توفير أبسط مقومات الحياة للشعب التشادي. 

في اعتقادي أن مطلب المتظاهرين وإن كان مشروعا إلا أنه يفتقر إلى الواقعية السياسية وحتى لو افترضنا جدلا أن فرنسا قررت إنهاء تواجدها العسكري في تشاد فإن ذلك لن يغير شيئا من واقع الشعب ومعاناته اليومية في كل مناحي الحياة، بل ربما قد تزداد الأوضاع سوءً فيما لو أنهت فرنسا تعاونها الاستخباراتي مع الجيش والأجهزة الأمنية التشادية وتركت البلاد تواجه وحدها خطر الجماعات الإرهابية والمعارضة المسلحة. 

فضلا عن ذلك، فإن المطالبة بخروج القوات الفرنسية قبل إسقاط نظام آل ديبي أمر أشبه بوضع العربة أمام الحصان وأقرب إلى المثل السوداني الشهير "عينك في الفيل وتطعن في ظله" الذي يضرب لمن يتهرب عن مواجهة مشاكله الأساسية ويبدد جهوده في المكان الخاطئ عن علم ودراية، فبدلا من تركيز الجهود على فضح نظام آل ديبي وأعوانه الذين وضعوا مصالحهم الشخصية فوق مصلحة الشعب وانشغلوا خلال العقود الماضية باحتكار كل المناصب الحساسة وإحكام قبضتهم على الاقتصاد والجيش والأجهزة الأمنية، يتم تبديد الجهود في مسيرات عبثية تطالب بإخراج القوات الفرنسية من البلاد.

بالطبع، هناك دوافع وأهداف من وراء انطلاق الحملة في هذا التوقيت أبرزها في اعتقادي تأثر منظمو المظاهرة بالأحداث السياسية والمظاهرات المنددة بالتواجد الفرنسي في كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر. كما يلاحظ أيضا ارتباط المظاهرات بأجندات أنصار تيار الإسلام السياسي الذين يرفعون شعارات معادية للغرب وخاصة فرنسا وهذا ما يفسر التغطية الواسعة للمظاهرات على قناة الجزيرة القطرية وحسابات الإسلامويين في مواقع التواصل الاجتماعي.

بالإضافة إلى هذه الدوافع، أتفق تماما مع تحليل الصديق، مصطفى بابكر، بأن من يقفون خلف دعاوى طرد القوات الفرنسية من البلاد، هم إما عروبيون يرون بأن فرنسا هي العائق الوحيد أمام طموحاتهم في فرض الثقافة العربية على البلاد وتحويلها إلى دولة عربية يسيطرون فيها على مقاليد الحكم، أو مؤيدون للحركات المسلحة التي أعاقت القوات الفرنسية محاولاتهم المتكررة للوصول إلى الحكم في تشاد بقوة السلاح. 

أما موقفي من تواجد القوات الفرنسية في تشاد الذي أرفضه من حيث المبدأ فهو منسجم مع رأي المفكر الجزائري، مالك بن بني، بأن الأمم تتعرض للاستعمار بسبب قابليتها للاستعمار فلولا الضعف والحاجة لما وُجد ما يبرر بقاء القوات الفرنسية في البلاد، وهو تحليل يتفق مع الحديث النبوي بأن تكالب الأمم على أمة الإسلام في آخر الزمان يعود إلى غثائيتها على الرغم من كثرتهم من حيث العدد.

وكما أسفلت، إن الأولى تركيز الجهود في تعرية نظام آل ديبي الذي فشل فشلا ذريعا في توفير أبسط مقومات الحياة للشعب وفي تكوين قاعدة جماهيرية صلبة وواعية بأن وجود القوات الفرنسية في البلاد ليس سوى عارض من أعراض داء الاستبداد.

ستستعيد تشاد حريتها عندما يتمكن التشاديون من تحرير بلادهم من قبضة نظام آل ديبي الاستبدادي، واستبداله بنظام ديمقراطي مبني على المساواة بين جميع مكونات المجتمع، ويكفل الحقوق والحريات ويحترم مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، ويضمن استقلال الأجهزة الرقابية، ويتيح المجال لأبناء الوطن المؤهلين للمساهمة بخبراتهم في دفع عجلة التنمية والتقدم، وبناء دولة متماسكة وقوية، وعندها ستخرج فرنسا طوعا أو كرها. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.