امرأة تنظر إلى نصب تذكاري في كوسوفو (تعبيرية)
امرأة تنظر إلى نصب تذكاري في كوسوفو (تعبيرية)

حجاب النساء وحيض النساء وعمل النساء خارج البيت وجسد النساء وحمل النساء خارج أو داخل مؤسسة الزواج وعلاقاتهن الجنسية واختيارهن للتوقيف الإرادي للحمل وشعرهن والألوان التي قد يخترن ارتداءها وطول الفستان واستعمالهن لمواقع التواصل وتعديل شكل حواجبهن وزواجهن وطلاقهن واختيارهن تنظيم أو تحديد النسل.

لم يترك الفقهاء ومن والاهم تفصيلا صغيرا أو كبيرا من حياة النساء، إلا وأدلوا فيه بدلائهم. 

المرأة عندهم ناقصة عقل ودين، لكنها، مع ذلك، مسؤولة عن شرف العائلة والقبيلة والعشيرة. 

يعتبرون أنها لا تستطيع أن تتولى شؤون التدبير وتحمل المسؤوليات, لأن العاطفة تتحكم فيها. لكن، مع ذلك، فالرجال غير قادرين على التحكم في رغباتهم. لذلك، عليها أن تتحجب أو تتنقب أو، وهذا أفضل، أن تبقى في بيتها حماية لمشاعرهم وغرائزهم وشهواتهم. 

يعتبرون تغييرها لشكل حواجبها تحديا وتغييرا لخلقة الله, لكن ختانها وتشويه أعضائها التناسلية حلال وجميل ومهم وأساسي. يحرمونها، بالختان، من متعة جنسية طبيعية، وبعد ذلك، يبرر الزوج خيانتها أو قرار التعدد بكونها "باردة" جنسيا. 

يقتلونها باسم الدفاع عن الشرف بسبب شبهة علاقة حب، ويخفَّف الحكم ضد القاتل تحت نفس المبرر, ولا أحد يحاسب الرجل في علاقاته وغزواته، بل يشجعونه عليها باسم الفحولة. لكن شريكته في نفس العلاقة توصم بالعار وتستحق القتل!  

في هذا الإطار، كتب أحدهم: "إن قالت الفتاة 'نعم' لعلاقة حب، يقتلها أبوها أو أخوها؛ وإن قالت 'لا' يقتلها من يدعي أنه يحبها"، في إشارة لقتل الطالبة المصرية نيرة أشرف على يد مجرم قال إنه قتلها "بدافع الحب". 

يمنعونها من اتخاذ قرار التوقيف الإرادي للحمل. لكن، في نفس الوقت، يعاقبونها مدى الحياة إن قررت (أو اضطرت إلى) الاحتفاظ بالطفل. بل يجعلون الطفل نفسه يدفع ثمن اختيارات ليس مسؤولا عنها. فكيف يكون الأشخاص المولودون في إطار علاقات شرعية، متميزين "طبيعيا" عن الأشخاص الذين ولدوا خارج الزواج، رغم أن لا أحد منهم اختار هذه الوضعية؟  

يعتبرون حجابها فرضا شرعيا، بل ويجعله بعضهم من شروط إسلامها؛ لكنهم لا يحاسبون من يشرعن ويحرض، باسم الدين والقيم والأخلاق، على قتل غير المحجبات (الفيديو الأخير لمبروك عطية أحدث مثال على ذلك). بل أن هناك من خرج ليقول إنه "لا توجد آية تقول إن تحرض مبروك عطية خطأ". ولا توجد آية تقول صراحة إن "التحريض على قتل غير المحجبة حرام". 

يجعلون الأب والأخ أوصياء عليها في أحد أهم قرارات الحياة، ألا وهو الزواج؛ ثم بعد زواجها، يصبح خروجها بدون إذن زوجها معصية، وعدم رغبتها في العلاقة الجنسية مع زوجها معصية تلعنها بسببها الملائكة، وضربه لها تأديبا إن هو "خاف من نشوزها"، ويجعلون من زواجه بامرأة ثانية تكريما لها وللزوجة الثانية، ويلغون أحيانا حتى اسمها لتصبح "أم فلان"!

وتكريما لها، لا ترث المرأة إلا النصف! ثم يأتي من يكذب علينا ليقول إن هناك حالات ترث فيها النساء أكثر من الرجال، لكنهم (بكثير من سوء النية)، لا يحددون درجة القربى من المتوفي، ويقارنون بين نصيب الزوجة ونصيب ابن العمة مثلا!  

لا ينزعجون من السبي وملك اليمين، حتى عندما أعاد "داعش" تطبيقه على أرض الواقع منذ سنوات قليلة، بل منهم من اعتبره أمرا شرعيا حلالا! وأقلهم تطرفا يقول إنه تشريع قديم لم يعد هناك مجال لمناقشته ما دام الزمن قد تغير! لكنه، في نفس الوقت، يرفض أن يعتبر تقسيم الإرث أو نظام الولاية تشريعات قديمة مناسبة لأزمنة أخرى! 

وأجمل ما في الحكاية حين يقول بعضهم إن الإسلام كرّم النساء بسورة كاملة باسمهن، رغم أن سورة النساء هي التي تشمل معظم التشريعات غير المنصفة في حق النساء؛ ورغم أن تسمية الآيات هي اجتهاد بشري هناك من ينسبه للنبي وهناك من ينسبه للصحابة، وليس للوحي. لكن، الأهم من هذا، فسؤال تكريم النساء من خلال اسم السورة هو في حد ذاته كذبة كبيرة؛ فالقرآن فيه أيضا سورة اسمها المنافقون، والمائدة، والبقرة، والكافرون. فهل في هذا تكريم للمائدة والبقرة والكافرين والمنافقين؟

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!