"الحرس الثوري" يُقدّم للشعب بديلاً من الخبز والدواء مزيداً من التحدّي والمواجهة
"الحرس الثوري" يُقدّم للشعب بديلاً من الخبز والدواء مزيداً من التحدّي والمواجهة

قبل انعقاد أولى جلسات التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران في الدوحة، بوساطة "الإتّحاد الأوروبي"، في محاولة جديدة لإحياء "الاتفاق النووي"، علا صراخ "الحرس الثوري الإيراني".

وخلافاً لكثيرين في إيران ممّن وجدوا في "مفاوضات الدوحة" فرصة ذهبية لإيران حتى تُنقذ نفسها وشعبها من معاناة لم تعد تُحتمل، تعاطى "الحرس الثوري الإيراني" مع الحدث على أساس أنّه "فخ أميركي" جرى نصبه بواسطة "الإتّحاد الأوروبي".

ولم تنتظر وكالة "تسنيم" الناطقة باسم "الحرس الثوري الإيراني" تقييم وزارة الخارجية الإيرانية لجلسات التفاوض التي انعقدت في الدوحة، يومي الثلاثاء والأربعاء الأخيرين، بل سارعت إلى "إعلان البشرى": فشلت المفاوضات وانتهت.

الوفد الإيراني المفاوض، على الرغم من أنّه حمل الى الدوحة مطالب "الحرس الثوري الإيراني" التي أعاقت "التقدّم المرتجى"، لم يشاطر هؤلاء الذين يقفون وراء وكالة "تسنيم" تقييمهم، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني إن المحادثات كانت "مكثفة"، وسوف يُثابر المفاوض الإيراني علي باقري على تواصله مع ممثّل الإتّحاد الأوروبي تمهيداً للمرحلة المقبلة ومواصلة المفاوضات.

الأسباب التي تدفع "الحرس الثوري الإيراني" إلى معارضة إحياء أمل الإيرانيين بإحياء اتفاق من شأنه إزالة الكثير من العقوبات، واضحة، فهو غير معني بما يُمكن أن يُفيد الدولة الإيرانية ويُضرّ به.

لقد كانت إيران، قبل أشهر قليلة على وشك التوقيع على إحياء الاتفاق، بعدما تمّ التوصّل في فيينا إلى صيغة قبلها الجميع، لكنّ "الحرس الثوري الإيراني" استغل العرقلة الروسية، بعدما طلبت موسكو استثناء علاقاتها مع إيران من العقوبات الغربية التي تعرّضت لها بعد بدء غزوها لأوكرانيا، حتى ينسف كلّ شيء، ويُعيد عقارب الساعة الى الوراء.

و"الحرس الثوري "، الذراع العسكرية المباشرة لـ"مرشد الجمهورية الإسلامية" علي خامنئي، في حال عدم إزالته من قائمة العقوبات الأميركية التي أدرجته فيها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، لن يقطف ثمار إحياء "الاتفاق النووي"، بل سوف يجد نفسه على الهامش، في حين تتقدّم مؤسسات الدولة الإيرانية الى الواجهة.

ولم يعد "الحرس الثوري "، منذ انتهاء الحرب الإيرانية-العراقية مجرّد قوّة عسكرية رديفة للجيش الإيراني والمؤسسات الأمنية، بل أضحى قوّة اقتصادية كبرى في إيران، بحيث سيطر، شيئاً فشيئاً، على أكثر القطاعات الإنتاجية في البلاد، وباتت لديه سطوة واسعة في الوزارات والمؤسسات والإعلام والمصانع على مختلف نشاطاتها والتجارة على تنوّع مصادرها.

ويؤكّد رجال أعمال غربيون عملوا في إيران، في فترات سابقة، أنّ أيّ اتّفاق تجاري، أو صناعي أو عقاري أو نفطي حاولوا التوصّل إليه، لم يكن ممكناً من دون التدخّل المباشر لـ"الحرس الثوري الإيراني".

وتُقدّر مراكز الدراسات الغربية، بالاستناد الى كثير من المعطيات، أنّ "الحرس الثوري" يسيطر على أكثر من ستين بالمائة من الاقتصاد الإيراني، لدرجة يمكن اعتبار أنّه هو الدولة الفعلية فيما الدولة الرسمية "مجرد تابع".

ولقد سعى "الحرس الثوري" في جولات التفاوض في فيينا إلى فرض إزالته من قائمة العقوبات الأميركية، لكنّ الولايات المتّحدة الأميركية، وبعدما أمعنت في دراسة كلّ أوجه هذا الطلب، رفضته، وطلبت سحبه من البحث.

وعلى الرغم من أنّ الفريق المفاوض الإيراني قد أسرّ إلى مراكز القرار أنّ موقفه سوف يكون ضعيفاً جدّاً، في حال عدم تلبية هذا الشرط، إلّا أنّ إدارة الرئيس جو بايدن، على الرغم من اعتقادها بضرورة إحياء "الاتفاق النووي" رفضت ذلك، لأنّ إفادة الحرس الثوري الإيراني" من المزايا الاقتصادية والتجارية التي يحملها إحياء الاتفاق سوف يُعزّز مداخيل من شأنها أن ترتد لمصلحة "فيلق القدس" و"نشاطاته الخبيثة" في الشرق الأوسط، كما من شأنها أن تقوّي عوامل التطرّف داخل إيران ضدّ الدولة ومؤسساتها ومواطنيها.

ولم ينزل استئناف المفاوضات في الدوحة لإحياء "الاتفاق النووي" برداً وسلاماً على "الحرس الثوري الإيراني"، لأنّ قياداته كانت تُدرك أنّ جدول الأعمال المتّفق عليه، لا يتضمّن بند إزالته عن قائمة العقوبات الأميركية، وتالياً فإنّ نجاح المفاوضات يعني والحالة هذه، توجيه ضربة كبيرة له من شأنها، في المدى المتوسّط، أن تُضعف موقفه في الداخل الإيراني كما في الدول التي يحاول أن يُهيمن عليها، بواسطة، "فيلق القدس".

ولم يكن ممكناً أن تقبل إيران بإحياء المفاوضات، وفق الإطار الذي حمله مسؤول السياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي جوزيب بوريل إلى طهران، لو لم تكن سطوة "الحرس الثوري الإيراني" قد أصابها شيء من الوهن.

وهنٌ عبّرت عنه الضربات المتلاحقة التي نالت من رموزه، في الشهرين الأخيرين، وأدّت بين ما أدّت إليه، إلى إحداث تغييرات كبيرة على مستوى قياداته كما على مستوى جهاز مخابراته.

هذا لا يعني أنّ "الحرس الثوري الإيراني" قد أصبح ضعيفاً، ولكنّ المتابعين للشؤون الإيرانية باتوا على قناعة بأنّه حتى في صفوف المتشدّدين الإيرانيين هناك من يعتقد أنّ إنقاذ النظام الإيراني يفترض الموافقة على فتح ثغرات في الدائرة التي كان "الحرس الثوري" قد أحكم إغلاقها.

وتعرف عواصم القرار هذه الحقيقة، ولذلك، فهي لن تترك مناسبة إلّا وتختبر تطوّر السلوك التفاوضي الإيراني ومدى تجاوزه للعوائق التي ينصبها "الحرس الثوري".

"جولة الدوحة" بيّنت أنّ هناك تقدّماً ولكنّه لا يزال ضعيفاً، إذ إنّ المفاوض الإيراني أعاد طرح مسائل سبق أن حسمتها مفاوضات فيينا، مثل تقديم واشنطن ضمانات على أنّها لن تُمزّق، في حال تغيّر الإدارة الأميركية، الاتفاق الذي سوف يتم إحياؤه.

يُدرك المفاوض الإيراني، بفعل تراكم التجربة، أنّ الموافقة الأميركية على هذا الطلب تحول دونه عوائق دستورية، ولكنّه يُعيد طرحه على قاعدة "شراء الوقت" حتى تلك اللحظة التي يقوى فيها مناصرو الدولة في إيران على مناصري "الحرس الثوري".

ولا يُدرَج ما أكّده مسؤول أميركي لـ"رويترز" في سياق "الجدلية" أو "البلاغة" أو "المحاججة"، عندما علّق على ما انتهت إليه "جولة الدوحة" بالقول: "إنّ مطالب الإيرانيين الغامضة ومعاودة فتح قضايا سبقت تسويتها ولا علاقة لها بوضوح بخطة العمل المشتركة، تُظهر لنا أنّ النقاش الحقيقي الذي ينبغي إجراؤه لا يجب أن يكون بين إيران والولايات المتحدة إنّما بين إيران وإيران(...)". 

ويبدو أنّ هذا "الحلم" الإيراني ليس بعيد المنال، إذ إنّ الجهات المعنية بالمفاوضات في طهران، بدل أن تذهب الى التشدّد في تقييم "جولة الدوحة" تعمّدت بثّ التفاؤل بالمستقبل القريب، في خطوة يعتقد كثيرون أنّها تهدف إلى ضخّ الآمال في الشعب الإيراني الذي وصل الى حافة اليأس ووصلت معه شعبية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي والقيّمين على النظام الى أدنى مستوياتها.

إنّ "الحرس الثوري الإيراني" يُقدّم للشعب الإيراني بديلاً من الخبز والدواء مزيداً من التحدّي والمواجهة.

وككثير من الشعوب التي ترك "الحرس الثوري" آثاره فيها، من خلال أذرعه فيها، بات الإيرانيون كلّما سمعوا شعاراً اجتاحهم عوارض... الألم!

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.