زيلينسكي: ممتن لكل عضو في المفوضية الأوروبية
الرئيس الأوكراني دخل السياسة من باب الدراما

أخمن أن العديد ممن تابعوا المسلسل الأوكراني "خادم الشعب" قد انتابهم شعور بالأسى والتحسر على العاصمة كييف التي تظهر في الشارة الأولى وضمن مشاهد المسلسل بكامل النضارة والبهاء، وكواحدة من أجمل مدن العالم. وأجروا مقارنة بصرية سريعة بما حل بها بعد تدمير الغزو الروسي للعديد من معالمها الحضارية وعمارتها العريقة وشوارعها وحدائقها الأنيقة وبناها التحتية. إضافة إلى تساؤل ملحّ ممتزج بمشاعر الأسف حول مصير كل من شارك في هذا المسلسل من فنيين وممثلين وكومبارس، وإن كانوا لايزالون على قيد الحياة؟؟ 

مسلسل "خادم الشعب" من بطولة وإنتاج فولوديمير زيلينسكي، المؤلَّف من ثلاثة مواسم عرضت بين عامي 2015- 2019، والذي نال شهرة شعبية واسعة في حينه دفعت صناعه إلى تسجيل حزب سياسي باسم المسلسل وتم انتخاب زيلينسكي بأكثر من 70% من الأصوات. من الطبيعي أن يلفت الأنظار إليه كمسلسل متميز ويكتسب شهرة مضاعفة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وأن تتبارى كبرى المنصات على شراء حقوق عرضه، لكن ليس بغرض مجاملة شخص الرئيس زيلينسكي كما فسر البعض، بل لأسباب منطقية تتعلق بطبيعة العمل نفسه. 

إذ لو افترضنا أن زيلينسكي –كممثل- لم يفز بالرئاسة في حينه، فلن يغير هذا الافتراض من قيمة العمل الفنية بوصفه عملاً درامياً ذي مستوى فني رفيع ومتكامل، يحمل كل مقومات النجاح من حيث جودة الفكرة والمعالجة وألمعية السيناريو، ورشاقة الأداء التمثيلي لمعظم من شارك فيه بأدوار البطولة أو بالأدوار المساندة. إضافة إلى المعايير الفنية ومستوى الاخراج المتقدم الذي ينافس كبرى أعمال الدراما التلفزيونية العالمية، وتمتع المسلسل بعناصر التمايز من حيث اختيار مواضيع الحلقات والحبكات المشوقة والمشهدية الغنية، والإمتاع. 

قُدِّم "خادم الشعب" في تعريفه العام المتداول بوصفه من فئة الكوميديا. لكنه في الواقع مسلسل سياسي بامتياز وإن حفل بروح الدعابة وكوميديا الموقف. إذ كثيراً مايوارب صناع الدراما ويلجأون إلى مظلة الكوميديا الفضفاضة لتقديم أهم الأفكار التي تلامس أخطر القضايا الملحة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية  أو سواها التي ينخر بها فساد ما، وتسلط الضوء عليها بأسلوبية الهجاء اللاذع أو السخرية أو النقد خفيف الظل الذي لايحمل الأذية. بحيث يتقبلها الجمهور بإعجاب لكونها تحاكي قضاياه، ويتقبلها المعنيون بالأمر ولو ببعض الامتعاض العابر، وبدورها، تتقبلها الرقابات التي تتمتع بسعة الصدر وتسمح بهامش نسبي من حرية التعبير. 

تستعين الفكرة العامة المؤسَّسة لنص المسلسل، بمدرس مادة التاريخ لطلاب الثانوية. وهي فكرة رحبة للغاية، يمكن أن يبنى عليها درامياً الكثير من الاسقاطات المعاصرة. إذ أن مدرس التاريخ النزيه الذي يتمتع بقيم أسرية وتربوية وأخلاقية عالية، والذي لعب دوره زيلينسكي بدور فاسيلي بيتروفيتش، سيستند لاحقاً بعد فوزه برئاسة أوكرانيا إلى التاريخ الذي يحفظ فصوله ويقدر عظمائه أجلَّ تقدير، ومعرباً عن سئمه من نظرة الاستخفاف العامة لمادة التاريخ مقارنة بعلوم الرياضيات، معتبراً بتهكم أن السياسيين إذ يرتكبون الأخطاء ذاتها، بسبب ابتعادهم عن التاريخ ودراسة الرياضيات وعلوم الحساب التي تساعدهم على زيادة أموالهم ومضاعفة ثرواتهم. 

هاجس التاريخ الذي يهيمن على شخصية المدرس، سيطوعه بمهارة لخدمة قراراته المرتبكة كرئيس، ويستدعي عبر أسلوبية التخييل بعض حكمائه وزعمائه، مثل فلاسفة الاغريق الذين يتجادلون بطرافة حول ماهية أفضل حكم لبلد غني بثرواته لكن المنهوبة بسبب الفساد. كما سيزوره الرئيس الأميركي ابراهام لينكولن لتنبيهه إلى العبودية التي لم تنته بعد طالما أن ملايين الأوكرانيين يكدحون لتزويد نخبة الفاسدين بسيارات الليموزين والفلل الفاخرة. إضافة إلى حضور كل من تشي غيفارا وإلهامه بأهمية التقشف الحكومي، دون أن يخلو مرور يوليوس قيصر من رمزية مؤثرة تتعلق بطعن الأقربين، وذلك إثر تعيين الرئيس فاسيلي لعدد من المقربين إليه من زملائه وأصدقائه في مراكز هامة. 

لن يكتفي الرئيس باستدعاء عظماء التاريخ فقط، بل سيقتبس الكثير من الأقوال التاريخية المأثورة التي تساعده على التخلص من المواقف الصعبة، كمثل الموقف الذي يواجهه إثر تعنت وعنف سلفه الرئيس السابق لأوكرانيا، ورفضه التخلي عن الرئاسة والطعن بنزاهة الانتخابات والمطالبة بإعادة عد الأوراق. بما يذكرنا بما حدث مع الرئيس ترامب رغم الفارق الزمني بين عرض المسلسل والانتخابات الأميركية 2020. عند هذه النقطة، يمكن اعتبار مسلسل "خادم الشعب" دراما سياسية لاتختص بالشأن الأوكراني فقط، إذ أن كل ماجاء في العمل من تفاصيل، بأسلوبية طريفة ولماحة للغاية، فيما يخص محاربة الفساد ومافياته الممتدة إلى جميع مرافق الدولة والمجتمع، يمكن أن ينطبق حرفياً بشكل أو بآخر على العديد من الدول التي تعاني من هذه الآفة. 

كما يمكن تقييم هذا العمل، وبشكل خاص عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، بوصفه وثيقة سياسية تاريخية، تمكَّنَ صنّاعه ليس فقط من رسم ملامح عقد كامل أو أكثر للتاريخ الأوكراني المعاصر وماشابه من تقلبات وفساد، بل أيضاً من قراءة معمقة للأجواء السياسية العامة والتحديات بين الشرق الروسي والعالم الغربي وموقع أوكرانيا بينهما، والتي ستبدو بمثابة قراءة سياسية حملت مايشبه "النبوءة" حول مايسيحدث لاحقاً، وجاءت ضمن سياق بعض المواقف والحوارات المشبعة التي لم تخل من غمز سياسي، تخص روسيا بوتين، أو لوكاشينكو بيلاروسيا، أو أنغيلا ميركيل ألمانيا، أو أميركا بشخص رئيسها الأسبق أوباما.       

نعت الرئيس زيلينسكي بأقذع الأوصاف من كارهييه وأعدائه، كان ألطفها وصفه بـ"المهرج" بسبب عمله السابق كممثل كوميدي، مع أهمية الاشارة إلى أن التهريج فن قائم بحد ذاته. ولكن وللانصاف، قدم زيلينسكي في مسلسله "خادم الشعب" أداء ملفتاً وقديراً بوصفه ممثلاً، يشاركه بالقدر ذاته الممثل ستانيسلاف بوكلان بدور رئيس الوزراء يوري أيانوفيتش والحاكم الفعلي للبلاد منذ ربع قرن وواجهة الفساد التي تتلطى خلفها المافيات. ومن يراقب أداء زيلينسكي اليوم كرئيس لأوكرانيا وظهوره المتكرر بسبب الحرب على بلاده، سيلاحظ أن الرجل استفاد كثيراً من تقنيات فن التمثيل من حيث المهنية في مواجهة الكاميرا وطريقة التعبير الصوتي ولغة الجسد، بما يخدم ظهوره الاعلامي ويعززه وهو يواجه أكبر كارثة حلت على بلاده.   

في حواره مع مدرس التاريخ المتقاعد لإقناعه بمؤهلاته العالية كمدرس جديد لمادة التاريخ، يستحضر زيلينسكي بدور فاسيلي بيتروفيتش حكمة فارسية تقول:" لايمكن للمرء أن يقّدر عربة إلا بعد ركوبه لها". وقد قدر للرجل أن يصير رئيساً و"خادماً للشعب" في المسلسل والواقع، وحدهما، شعبه الأوكراني والتاريخ، من سيقرران في نهاية المطاف إن كان الرجل قد عرف كيف يقود هذه العربة.    

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.