بايدن وترامب مناظرة
ترامب قد يرشح نفسه ثانية وقيادات ديمقراطية تتمنى ألا يفعلها بايدن

عاد الرئيس بايدن من جولة أوروبية ناجحة نسبيا، جدد خلالها قيادة الولايات المتحدة للعالم الصناعي الديمقراطي الذي يواجه طموحات وأطماع الزوتوقراطيات الصاعدة في روسيا والصين، ليواجه تحديات اقتصادية داخلية صعبة للغاية ومناخا سياسيا قاتما له كرئيس لحزب يجد نفسه في وضع دفاعي شبه يائس ويعاني من معنويات متدنية وهو مقبل على انتخابات نصفية في نوفمبر المقبل يمكن ان يستولي فيها الحزب الجمهوري على مجلسي الكونغرس ويحوله الى مجرد رئيس لتصريف الأعمال.  

الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الستة الماضية، وأوصلتها إلى حافة الركود الاقتصادي خلقت حالة من الإرهاق والقلق والشكوك في أوساط الناخبين حول قدرة قيادات الحزبين، على إنقاذ الولايات المتحدة من انقسامات واستقطابات عميقة تراها شريحة واسعة من الأميركيين على أنها وجودية، وتهدد وحدتها الوطنية بشكل غير مسبوق منذ الحرب الاهلية التي انتهت قبل أكثر من 150 سنة. 

وليس سرا أن قيادات ديموقراطية في الكونغرس وفي الولايات لا تريد أن يرشح الرئيس بايدن نفسه لولاية أخرى في انتخابات 2024 حين يصل الى سنّ الثانية والثمانين. وليس سرا أن عددا متزايدا من القياديين الجمهوريين، وخاصة في اعقاب الحقائق الصارخة التي كشفتها حتى الآن اللجنة الخاصة في مجلس النواب التي تحقق باجتياح مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021 حول الدور المباشر للرئيس السابق ترامب في التحريض على الاجتياح، لا يريدون ان يترشح ترامب مرة اخرى للرئاسة في 2024. ما هو مؤكد من استطلاعات الرأي وغيرها من المؤشرات السياسية هو ان أكثرية الاميركيين من ديموقراطيين وجمهوريين ومستقلين لا يريدون مواجهة ثانية بين بايدن وترامب في 2024، بل يتطلعون الى قيادات جديدة وشابة نسبيا ترسم طريقا جديدا للمستقبل بدلا من ارغامهم على الاختيار بين رئيسان يمثلان الماضي. 

وجاء في استطلاع للرأي اجرته جامعة هارفرد ومؤسسة هاريس ان 71 بالمئة من الناخبين الاميركيين لا يريدون ان يترشح الرئيس بايدن للرئاسة مرة ثانية في 2024. وفسّر 45 بالمئة من هؤلاء معارضتهم بان بايدن رئيسا سيئا، بينما رأى الاخرون ان السبب يعود اما لتقدمه بالسن، أو لان الوقت قد حان للتغيير. وأظهر الاستطلاع ان 30 بالمئة فقط من الناخبين الديموقراطيين قالوا انهم يمكن ان يصوتوا مرة ثانية لبايدن.  

في المقابل أعرب 61 بالمئة من الناخبين الاميركيين في الاستطلاع ذاته عن معارضتهم لترشح الرئيس السابق دونالد ترامب للرئاسة مرة ثانية، بينما وافق 39 بالمئة على ترشيحه. ورأى 36 بالمئة من معارضي ترشيح ترامب مرة اخرى ان السبب الرئيسي لموقفهم هو "تهور" ترامب، بينما حمّله 30 بالمئة مسؤولية اجتياح مبنى الكابيتول.  

اللافت في الاستطلاع هو ان 53 بالمئة من الجمهوريين قالوا انه اذا ترشح ترامب مرة ثانية، فانهم يمكن ان يصوتوا لصالح مرشح مستقل ومعتدل بدلا من ترامب. ووصلت هذه النسبة الى 64 بالمئة من الديموقراطيين الذين قالوا انهم يمكن ان يصوتوا لصالح مرشح مستقل ومعتدل بدلا من بايدن. هذه النسب العالية من الناخبين الجمهوريين والديموقراطيين غير الراضيين عن قيادات حزبيهما تبين الى أي مدى وصلت الهوة الواسعة بين قيادات كل حزب وقاعدته. 

وأكد الاستطلاع الذي أجري في أواخر شهر يونيو ما أظهرته الاستطلاعات الأخرى التي سبقته، من أن شعبية الرئيس بايدن قد انحدرت إلى 38 بالمئة فقط بسبب الارتفاع الحاد في معدلات التضخم وخاصة أسعار الوقود والأغذية، والمستقبل القاتم للاقتصاد بشكل عام.  

مشاكل الرئيس بايدن تفاقمت مؤخرا في اعقاب قرارات المحكمة العليا بأكثريتها المحافظة والتي الغت القانون الذي سمح للمرأة الاميركية بحق الاجهاض والمعمول به منذ حوالي نصف قرن، وتسهيل حمل الأسلحة النارية علنا، وتقليص قدرات الحكومة الفدرالية في ضبط التلوث والتحكم بالتغيير البيئي، وهي قرارات تعارضها قاعدة الحزب الديموقراطي. ولا يوجد لدى الرئيس بايدن أو لحزبه أي حلول مضادة لهذه القرارات، غير مناشدة الناخبين الديموقراطيين انتخاب كونغرس ديموقراطي في الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل. وبما ان معدلات التضخم العالية ناتجة عن ظروف وتطورات دولية مثل المضاعفات المستمرة لجائحة كورونا وتأثيرها السلبي على التبادل التجاري الدولي، والغزو الروسي لأوكرانيا وتأثيره على اسعار النفط، فان الرئيس بايدن عاجز عن احتواء معدلات التضخم بشكل جذري في أي وقت قريب ما يعني ان قدرته على التأثير على اتجاهات الناخبين في نوفمبر المقبل ستكون محدودة للغاية. وهذا يفسر التشاؤم السائد في اوساط الحزب الديموقراطي حول قدرة مرشحيه في الحفاظ على مجلسي الكونغرس في الانتخابات المقبلة. 

صحيح أن الرئيس السابق ترامب لا يزال يحظى بتأييد القاعدة الجمهورية الضيقة نسبيا، ولكن نسبة تأييده تتضاءل مع الكشف المستمر عن ضلوعه في مؤامرة اقتحام مبنى الكابيتول كما تبين من شهادة المسؤولة السابقة في البيت الابيض كاسيدي هاتشينسون التي قالت في الأسبوع الماضي للجنة التحقيق في مجلس النواب إن ترامب كان يدرك سلفا ان انصاره المتطرفين الذين اقتحموا مبنى الكابيتول كانوا مسلحين، وانه كان يعتزم بالفعل مرافقتهم في مسيرتهم لاقتحام الكابيتول. وفي اعقاب شهادة هاتشينسون أعرب بعض القادة الجمهوريين في تصريحات خلفية عن ارتياحهم للكشف عن تورط ترامب في الاقتحام لأن ذلك سيضعف من مكانته ويمكن أن يدفع بوزارة العدل إلى مقاضاته، ما يعني القضاء على طموحاته الرئاسية. 

في حال ترشح بايدن وترامب في انتخابات 2024، سوف تشهد البلاد مواجهة سياسية بين المرشحين الاكبر سنا في تاريخ الولايات المتحدة، أحدهما (ترامب) حوكم مرتين في مجلس النواب ومتهم بالتآمر لاقتحام مبنى الكابيتول، فإن ذلك يعني أن النظام الديمقراطي الأميركي لا يزال يعاني من خلل وظيفي خطير، ما يطرح أسئلة كثيرة ومقلقة حول قدرة الطبقة السياسية الاميركية على صيانة الديموقراطية الاميركية والحفاظ على عافيتها وحيويتها.   

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.