يحق للأميركيين أن يحتفلوا بوثيقة الاستقلال في النهاية
يحق للأميركيين أن يحتفلوا بوثيقة الاستقلال في النهاية

(... ونحن نرى أن هذه الحقائق بديهية، إن جميع البشر خلقوا متساوين، وأنهم وهبوا من خالقهم حقوق غير قابلة للتصرف، وأن من بين هذه الحقوق حق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة).

هنالك شبه إجماع "أدبي" أن العبارة الواردة أعلاه، هي أكثر جملة ترتيبا وتنسيقا في الصياغة والأفكار في أدبيات التاريخ الأميركي، والعبارة هذه هي أهم جملة صاغها توماس جيفرسون في إعلان الاستقلال، التي أقرها كونغرس المستعمرات البريطانية الثلاثة عشر في الرابع من يوليو عام 1776، وسميت وثيقة الاستقلال وفيها أعلنت تلك المستعمرات استقلالها عن التاج البريطاني وامبراطوريته الممتدة التي لا تغيب عنها الشمس.

الرابع من يوليو.. أو "الفورث أوف جولاي" والتي صارت اصطلاحا بالنص معروفا على مستوى العالم يحتفل به الأميركيون كل عام بكرنفالية احتفالية بذكرى ولادة المفهوم والفكرة للدولة التي تكونت بقسوة وشراسة ومشقة في عالم جديد خلف المحيط الأطلسي.

هل كان عالما جديدا بالفعل؟ ربما كان كذلك للرجل الأبيض القادم من القارة البيضاء "أوروبا"، لكن تلك الجغرافيا الشاسعة في الحقيقة كانت عالما قديما جدا لحضارات أبادها ذلك الرجل الأبيض نفسه ليؤكد أن تلك الأراضي الشاسعة والغنية بوفرة هي عالم جديد مثل سطح القمر، لم يطأ عليها بشر قبله.

يحق للأميركيين أن يحتفلوا بوثيقة الاستقلال في النهاية، وهي التجلي الأجمل لمسيرة طويلة وقاسية لمهاجرين من ثقافات وأصول شتى، قدموا الأرض "الجديدة" يحملون آمالا بحياة أكثر كرامة وأفضل بكثير من القهر الذي عاشوه، حتى المساجين الذين تم نفيهم إلى تلك الأرض (وهم كانوا أول الهجرات) كان لهم حق الأمل بحياة جديدة.

أكثر ما يبهجني بصراحة في تلك الاحتفالات حين أرى الأميركيين الجدد من عوالم مختلفة عن عوالم "المؤسسين الأوائل" يحتفلون بذكرى الرابع من يوليو، هؤلاء أراهم يجسدون قيمة الفكرة النبيلة فعلا لوثيقة الاستقلال، ولعلهم أيضا التجسيد الحقيقي والواقعي لمفهوم العبارة "الجيفرسونية" التي استهللنا بها المقال، فهؤلاء أخيرا وجدوا المساواة التي فقدوها في أوطانهم الأصلية، ويعيشون حقوقهم غير القابلة للتصرف، في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة.

لكن، أليس من حق العالم الذي يسيطر عليه السادة في الكونغرس، وهم الورثة الشرعيين لأسلافهم كاتبي وثيقة الاستقلال، أن ينعم بتلك المفاهيم الإنسانية النبيلة؟ 

من المفارقات أن تكون "مثلا" ضحية القوة الأميركية في عالم ثالث لأنك لست أميركيا، ولكنك بضربة حظ ربما قد تكون محظوظا فتحظى بجنسية وجواز سفر أميركيين لتكون تحت الرعاية الشاملة للمفهوم الجيفرسوني.

هو عالم جديد فعلا لكن بمعايير قياس مختلفة عن الجغرافيا الخالية من البشر، وتلك أولى خطايا "النشأة الأميركية"، فهو عالم جديد بالمفاهيم التي تولدت عبر ظروف ولادة "أممية" مختلفة عن كل الأمم التي سبقت "الأمة الأميركية"! فنحن هنا امام أعراق متعددة لا يمكن أن تعيش تحت سماء واحدة بدون صيغة تعايش ممكنة، ولذا تولدت الأفكار التي جعلت الولايات المتحدة تستمر حتى اليوم وأول تلك المفاهيم كان في التخلص من عبء التاريخ نفسه، وهي حيلة تضليلية كان لها آثارها الجانبية القاتلة أيضا.

التاريخ لا يعني شيئا في ذلك العالم الجديد، وهذا ضرورة للاستمرار وسر الحياة، فأمام تلك الجغرافيا الواسعة كان من الضرورة أن يلقي "المهاجرون" كل الثقل التاريخي والموروث الأثقل فيه من على أكتافهم على الشواطئ ليتوغلوا نحو الداخل، نحو الفكرة الجديدة، كان هذا سر نجاح الولايات المتحدة الداخلي لتنطلق عالما جديدا، وكذلك كان ذلك المفهوم نفسه نقطة ضعفها أمام العالم القديم كله، عالم لا يزال يراكم التاريخ والموروث كنقطة انطلاق تبطيء من مسيرته.

كان الأميركيون يتعثرون في علاقاتهم الدولية دوما بسبب هذا التحارج في مفهوم التاريخ، فالأميركي الذي يرى التاريخ رديفا للعدم، واستقر في وجدانه أنه معزول عن العالم بمشاحة محيطين "الأطلسي والهادي" وجد نفسه في مواجهات باغتت "عزلته المفترضة" في مفاصل تاريخية دامية، كان أقساها في هجوم بيرل هاربر من اليابانيين، وقد حسمها بقنبلتين ذريتين على اليابان فحسم حربا عالمية، والتالية كانت في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حين باغتته من الداخل الأميركي ثلاثة طائرات مدنية اختطفها إرهابيون تسللوا عبر المحيط، فحققوا إرهابهم، وشطبوا فكرة "الأطلسي" كجدار عازل عن العالم.

تلك تداعيات "ذهنية" سريعة في ذكرى الرابع من يوليو، ذكرى الاستقلال الأميركي عن بريطانيا، وهي فكرة مثيرة للمشاعر أن تقارنها مع دول أخرى كانت أيضا تعاني من قسوة احتلال التاج البريطاني، فتضعها في موقع الزمالة مع أميركا، وتنتهي اليوم ضحية القسوة الأميركية التي ينتجها السادة في واشنطن، عاصمة ذلك العالم الجديد الذي لم يعد جديدا.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.