الاحتفالات بعيد الاستقلال، الذي تحييه الولايات المتحدة في الرابع من يوليو من كل عام، جاءت هذه المرّة مفتقدة للزخم المعهود، وللرغبة بالابتهاج، وسائر مظاهر الفرح والاعتزاز التي كانت دوماً سمات بارزة في هذا العيد.
عروض الأسهم النارية زيّنت السماء الليلية في كافة المدن والبلدات، واحتفالات الرقص والغناء جمعت من الفنانين، مخضرمهم وجديدهم، أعداداً غفيرة. غير أن واقع حال المواطنين العاديين على الغالب كان أن أسباب الابتهاج تنحسر أمام تفاقم التضخّم الذي أنهك ميزانيتهم، واضطراب سوق العمل وتراجع الأسواق المالية، ما أودى بالاطمئنان الاقتصادي بالنسبة للكثر منهم، ولا سيما من هم عند أبواب التقاعد أو للتوّ فيه.
ثم أن الأوضاع العالمية لا تنبئ بالخير. الاجتياح الروسي لأوكرانيا تعرقل وارتبك أمام المقاومة المستميتة للقوات الوطنية الأوكرانية، ولكن دون أن يعني ذلك أن روسيا بصدد خسارة الحرب، أمام التفاوت الهائل في القدرات لصالحها. وفي حين أن روسيا قد انكشفت على أنها ربما ليست بحجم القوة التي تزعمها، وفي حين أن الولايات المتحدة قد تمكنت بالفعل من لمّ شمل الغرب وبعض الشرق المتقدم في تراص بمواجهة العدوان الروسي، والفضل هنا يعود على ما يبدو إلى وقاحة هذا العدوان واختلاط مفاهيم الهيبة والقسوة والعزّة والوحشية لديه، فإن "أقسى عقوبات" في التاريخ والتي تبجّحت إدارة الرئيس بايدن بأنها في صدد فرضها عقاباً على روسيا تبدو وكأنها الجبل الذي تمخّض، ولم يلد حتى الفأر الذي يعاب به، بل كانت حصيلة مخاضه ارتفاع عائدات روسيا من صادرات نفطها وغازها.
بل على رئيس الولايات المتحدة، قائد العالم الحرّ كما يطيب للبعض أن يلقبه، أن يتودّد للخصوم السلطويين والطغاة المدانين منه بأمسه ولمن تعهد الاقتصاص منهم لهول ما ارتكبوه من جرائم، طمعاً بأن يجاروه في خطوات تخفّف من أثمان الواقع الاقتصادي الصعب.
وعلى ذكر هذا الرئيس، فبعد أن استفاض خصومه الداخليين بتصويره على أنه الرجل الهرم المسنّ المرتبك الضائع، ورغم اعتراض مؤيديه على مجانية الطعن في هذا التصوير ساعة ابتدأ، إذ به يمسي بالفعل الرجل الهرم المسنّ المرتبك الضائع، في اختلاط أقواله، كما في افتقاد مواقفه للثبات والوضوح.
الخشية هي من روسيا طبعاً، من أن تنزلق المواجهة معها إلى حرب عالمية ثالثة، وهذا الأمر وإن لم يكن المستقبل الراجح، فإن مجرد احتمال وقوعه يعيد قلقاً وجودياً كان عموم الأميركيين افترضوا ذهابه إلى غير رجعة.
ولكن الخشية أيضاً من الصين، وهي الرابح الأول وإن غير المباشر من الحرب الروسية في أوكرانيا. هل تستفيد الصين من الفوضى في الرهانات العالمية لضمّ تايوان عنوة، في مغامرة عسكرية تعدّ العدة لها منذ زمن غير وجيز؟ في حالة كهذه، هل تنفّذ الولايات المتحدة وعدها ووعيدها بالدفاع عن تايوان، وهي المصنع الذي لا بديل له في انتاج الشرائح المتطورة التي تشكل العصب الحيوي لكافة القطاعات التقنية؟ الدفاع عن أوكرانيا، والمقتصر على الدعم دون المشاركة المباشرة، يهدف إلى ضمان استمرارية منظومة العلاقات الدولية القائمة على القواعد لا على منطق القوة. للولايات المتحدة مصلحة أساسية فيه. غير أن مصلحتها بمنع الصين من الاستيلاء على تايوان لا تقتصر على الجوانب المبدئية أو التأطيرية أو التنظيمية. بل هي مصلحة وجودية. من يسيطر على تايوان يمسك بزمام الاقتصاد العالمي، وله، إن أحسن إدارة سيطرته، الموقع القيادي على مدى العقود القادمة. لا يمكن للولايات المتحدة أن تتنازل أو أن تساوم هنا. ما تعتبره الصين حقاً بإعادة المقاطعة المتمردة إلى حضن الوطن، إن وضعته موضع التطبيق، هو إعلان حرب مفصلية من وجهة نظر الولايات المتحدة.
حرب أوكرانيا تذكّر الولايات المتحدة بأن المواجهة في تايوان، بل الحرب في تايوان، قادمة لا محالة. المسألة هي بالتوقيت وحسب، ويبدو أن الظروف الدولية تدفع باتجاه اقترابها.
رغم الأهمية الذاتية التي تفترضها إيران لنفسها، ورغم الوساوس، المشروع منها والمبالغ فيه، حولها في جوارها، فإن العودة إلى الاتفاق معها ليس الأولوية للإدارة الأميركية. جميل إن تحقّق، دون أن يحمّل الرئيس بايدن تبعات اتهامه بالتخاذل، ما يزيد من همومه وهموم حزبه الانتخابية. ولكن لا بأس إن لم يتحقّق. هي حرب قبيحة تلك التي تشنّها إسرائيل في الداخل الإيراني، باغتيال العلماء وآخرين من غير المقاتلين، في استهداف وقائي لا استباقي مهما كان الزعم، ولكنها حرب فعّالة تنتفي معها، أو على الأقل تتأجل، الحاجة الأميركية إلى الإسراع في العودة إلى الاتفاق وإن ارتفع الثمن.
خشية كوريا الشمالية والخوف من الإرهاب الإسلامي حالهما كحال إيران. هي من أولويات الأمس، باقية دون شك، ولكنها لم تعد في الصدارة.
على أن كافة هذه التحديات، الخارجية كما الاقتصادية، هي تحديات "جامعة"، أي قد يختلف الأميركيون في تقييم المسؤوليات عنها، بين من يلقيها على عاتق الرئيس الحالي وحزبه، ومن يعتبر أن بعض أوجهها أثمان تدفع لأخطاء الرئيس السابق وحزبه. غير أن الجميع يتلقاها بشكل واحد ووطأة واحدة. هي مسائل تقلق الجميع، وتنهك الجميع.
ليس كذلك واقع مسائل أخرى، يغبط لها البعض هنا ويسخط البعض الآخر.
المحكمة الدستورية العليا أبطلت قراراً سابقاً لها، مضى على صدوره زهاء نصف قرن، يجعل من الحصول على خدمات طبية لإجهاض الحمل حقّاً دستورياً للنساء، ويحظّر على حكومات الولايات بالتالي اتخاذ الإجراءات لاعتراضه. مع قرار المحكمة الجديد، تناط بالولايات صلاحية تحديد ما إذا كانت تسمح بتوفير هذه الخدمة الطبية للنساء، أو ما إذا كانت تمنعها أو حتى تجرّمها. وبالفعل فإن معظم ولايات الجنوب والغرب الأوسط قد شرّعت للتوّ قوانين خاصة بها تمنع الإجهاض وتفرض العقوبات على أية مؤسسة طبية تجريه.
المسألة ليست شكلية، بل هي إظهار لانقسام جوهري في الرؤية والقناعة والمبدأ، بين من يعتبر أن المرأة سيدة نفسها، وأن قرارها إنهاء الحمل في مراحله الأولى هو ما يماثل "الحق السيادي" لها، وأن اعتراض قرارها إهانة وإكراه، بل عدوان على شخصها وحريتها وإنسانيتها. هذا في مقابل من يعتبر بأن القرار الجديد لا يصحح خطأ دستورياً اجترحت معه المحكمة الدستورية العليا في صيغتها السابقة قبل نصف قرن "حقا" مفترضاً على أسس واهية، وهو "حق" يبيح فعلياً قتل الأجنة، أي الأطفال، أي الأشخاص، غير المولودين. فإلغاء هذا القرار، من وجهة النظر المحافظة، هو انتصار للحياة، انتصار لحقوق الإنسان.
مسألة الحق بإنهاء الحمل هي في صميم حروب الثقافة التي عادت اليوم إلى الاشتعال بحدة لم تشهدها البلاد منذ عقود. ولكنها ليست الجبهة الوحيدة في هذه الحرب، بل ثمة جبهات أخرى، إحداها الزواج المثلي والذي أقرّته المحكمة الدستورية العليا يوم كان التقدميون أكثرية أعضائها، فقد أشار أحد قضاة هذه المحكمة، وهو من الغالبية المحافظة الحالية، بأن هذا الموضوع هو بدوره عرضة للمراجعة، وسط ابتهاج بعض الأوساط الاجتماعية واستهجان غيرها.
جبهة أخرى مشتعلة هي قضية الهوية الجنسية، بين من يرى بأن الاقتصار على الجنسين هو شكل من أشكال التعدي على حقوق من لا يمكن اختزال شعورهم وهويتهم بإحدى صفتي الذكورة والأنوثة، وأن المطلوب بالتالي تحقيق المساواة من خلال تكريس مفهوم التعددية الجنسية، ابتداء من سنوات الطفولة الأولى، لمنع الكظم والكبت والقمع، وتمكين المتحولين جنسياً من ممارسة كافة حقوق جنسهم الجديد، وبين من يرى بأن الأمر ليس مبالغة كبيرة وحسب من شأنها إرباك المجتمع وتشتيته، بل هي إجحافات ومحاذير في مواقع مختلفة، بما في ذلك مثلاً ضياع الإنصاف ساعة يسمح لأنثى جديدة، قوة جسدها قائمة على الذكورة التي قررّت التخلي عنها كهوية، بمنافسة النساء في المباريات الرياضية، والأخطر بنظر المعترضين هو التسرّع باعتبار المواقف المبهمة لبعض الأطفال على أنها رغبة قطعية للتحول الجنسي، والشروع بمعالجة طبية للمساهمة في تحقيق هذا التحول، ما يمنع الطفل في المراحل التالية من الانتظام التلقائي.
وبالإضافة إلى هذه المسائل الاجتماعية ذات الوجه الجنسي (الإجهاض، المثلية، التحول)، فإن الانقسام على أشدّه في مجموعتين مختلفتين من القضايا.
الأولى هي مكانة الدين في المدارس (والمحاكم ودور البلديات والمؤسسات العامة ككل)، بين من يرى وجوب تحييد هذه المؤسسات إزاء أية ممارسة من شأنها تحبيذ قناعة دينية على حساب غيرها، وبين من يرى بأن حجة التحييد مبالغ بها، وأن بعض الممارسات التي لا تقوم على الإكراه تقتضي حرية التعبير أن تكون مباحة. كأن يقدم مدرّب فريق رياضي في مدرسة عامة، أي ممولة من الدولة، على الصلاة علناً قبل المباراة. إحدى محاكم الولايات كانت قد اعتبرت أن في الأمر إحراج، إن لم يكن إكراهاً صريحاً، لكافة المشاركين، بما يشكل تجاوزاً لمبدأ الفصل بين الدين والدولة. المحكمة الدستورية العليا الحالية ارتأت خلاف ذلك هذا الشهر، واعتبرت أن الأمر طوعي دون حرج، وأباحت هذه الصلاة، وأرست سابقة من شأنها فتح الأبواب لعودة المظاهر والشعائر الدينية إلى المؤسسات العامة، ما لم يكن في الأمر إكراه، معتمدة بالتالي على التعريف الحسي وحسب للإكراه. مجدداً بعض الأوساط تبتهج وبعض الأوساط تستهجن. هذه وتلك هي نفسها كما في المسائل ذات الوجه الجنسي.
ثم أن هذه البلاد تعاني منذ عقود من وباء خطير من حالات استهداف الجموع والمدارس بإطلاق النار، ما يتسبب بالمقاتل والمجازر بشكل متواصل. الرواية واحدة، مهما اختلفت التفاصيل. شخص، قد يتبين في مراحل لاحقة أنه يعاني من حالة نفسية ما، يحصل على السلاح بالكمية والنوعية الكافيتين لارتكاب المجازر، في الغالبية العظمى من الحالات وفق الأصول والإجراءات المرعية، ثم يقتل أعداداً من الأبرياء، أطفال أو طلبة أو مارة أو موظفون في شركة أو مؤسسة استهدفها، قبل أن تقتله الشرطة، إن فعلت، أو تقبض عليه بعد تمام فعلته. يلي ذلك التأسف، و"الأفكار والصلوات" من المحافظين، مع المطالبة بتحصين المدارس وتسليح المعلمين وتوصيد الأبواب وتوسيع برامج الرعاية النفسية، دون المساس بحق اقتناء السلاح، بمقابل السخط والاستهجان والدعوة الصريحة إلى الحد من انتشار الأسلحة الحربية، من جانب التقدميين. السلطة التشريعية قد نجحت، للمرة الأولى منذ عقود، بالتوافق بين الحزبين، على إقرار بعض الإضافات إلى الإجراءات القائمة، لا يتوهم أحد بأنه من شأنها حل المشكلة. في المقابل، المحكمة الدستورية العليا أبطلت للتوّ قيوداً كانت قد اعتمدتها ولاية نيويورك، تلزم حملة السلاح المخفي الحصول على رخصة توضح حاجتهم إلى حمله. هذه الالتزامات غير دستورية وبالتالي باطلة من وجهة نظر المحكمة العليا. أوساط تبتهج، وأخرى تسخط. مجدداً هي هي.
وأخيراً لا آخراً، جلسات الاستماع المفتوحة التي يعقدها مجلس النواب في الكونغرس حول حوادث السادس من يناير من العام الماضي، ودور الرئيس السابق في إثارتها والتخطيط لها والسعي إلى تجاوز الدستور والقانون والعرف للبقاء في السلطة بعد خسارته الانتخابية. قضية من شأنها دعوة المواطنين كافة للاتحاد دفاعاً عن نظامهم السياسي في مواجهة محاولة جلية لإفساده وانتهاكه. ليس في أجواء الانقسام هذه. ولاء المؤيدين للرئيس السابق يمنعهم من الإصغاء إلى لجنة التحقيق والتي يطعنون بصدقيتها ابتداء. هو قال إنه فاز، فهو صادق، وكل ما فعل كان من أجل تحصيل حقّه. أما الأدلة والأقوال والشهادات المناقضة لهذه القناعة، فهي أكاذيب جديدة في جلسات الاستماع لمتابعة الأكاذيب القديمة التي سلبت الرجل الرئاسة. هنا أيضاً، فريق يرى في الجديد الذي يُكشف عنه أدلة دامغة تنهي أي طموح انتخابي للرئيس السابق، وفريق لا يرى إلا محاكمة صورية زائفة لا تليق بتاريخ هذه البلاد أو بتراثها العدلي. والفريقان هما نفسهما المتواجهان في المسائل السابقة.
أتى عيد الاستقلال إلى الولايات المتحدة هذا العام وهي في أشد حالات الانقسام التي شهدتها على مدى تاريخها. الأميركيون يجمعهم الهم الاقتصادي والقلق حول الحروب الخارجية، ولكنهم منقسمون بشأن قراءاتهم لأسباب الأزمات التي تجمعهم، ومنفصمون بشأن قضايا تفرّقهم، واقعون بما يقارب الكلية في أفخاخ تسفيه من يخالفهم وتعليله، بل ولدى البعض تجريمه.
أزمتهم هذه بعضها يحاكي ما يجري في معظم أرجاء العالم من انقسامات تضاعفها الساحة الإعلامية الجديدة وتقوقعات وسائط التواصل الاجتماعي، وبعضها الآخر، بل جلّها، من مخلفات مراحل سابقة لم يجرِ التطرق الوافي إليها.
واقعهم هذا ليس قدراً محتوماً، وما يجمعهم يفوق بأقدار ما يفرّقهم. لا مجال للاطمئنان الواهم هنا، على أنه يبقى في هذا المجتمع من الحيوية البناءة ما من شأنه رأب الصدع، والعودة إلى قاعدة الخلاف ضمن الوحدة. عسى أن يكون عيد الاستقلال القادم شاهداً على النجاح بهذا الشأن.

