Russian President Putin attends Caspian Summit in Ashgabat
أهداف بوتين السياسية من غزوه لأوكرانيا قد أتت بنتائج عكسيّة

مضى أكثر من 130 يوم  على الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي قال بوتين إن هدفه هو منع تمدّد الناتو والإتحاد الأوروبي شرقاً نحو روسيا ونزع سلاح أوكرانيا وإزاحة النازيين عن السلطة فيها، كما قال في استعراض تاريخي سبق الحرب بعدّة ساعات إن أوكرانيا بلد مصطنع لم يكن له وجود سابقاً مما ترك انطباعا بأن ما كان يسعى إليه حقيقةً هو احتلال هذا البلد، وتأكيداً على ذلك فقد استهدف الهجوم الروسي في أيامه الأولى العاصمة كييف، والملاحظ اليوم وبعد مرور كل هذه الأيام على الحرب أن أيّا من الأهداف التي أعلنها بوتين لم يتحقّق، بل إن حلف شمال الأطلسي قد توسّع شرقاً وزادت حدوده المشتركة مع روسيا بأكثر من 1300 كلم بانضمام فنلندا والسويد إليه.

كما عزّزت القوات الأميركية من تواجدها في أوروبا بعشرات آلاف الجنود وستقيم قاعدة دائمة لها في بولندا، وسيتم نشر قوات أميركية أخرى في رومانيا وجمهوريات البلطيق، وجميع هذه الدول كانت سابقاً ضمن الإتحاد السوفييتي أو حلف وارسو، كما ستزيد أميركا من تواجدها العسكري في الكثير من دول أوروبا الغربية، والأهم من كل ذلك أن ألمانيا ستعيد بناء جيشها بحيث يكون قويّاً وقادراً على حمايتها وحماية أوروبا من أي تهديد عسكري، كما ستقوم كافة الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها العسكري بما يعني بداية سباق تسلّح سيكون مرهقاً لروسيا، وفي نفس الوقت بدأت عملية انضمام أوكرانيا ومولدوفا إلى الإتحاد الأوروبي، وهذا الموضوع تحديداً كان سبب بداية التوتّر بين روسيا واكرانيا في عام 2014.

أي أن أهداف بوتين السياسية من غزوه لأوكرانيا قد أتت بنتائج عكسيّة، ومن ناحية أخرى قالت وزارة الخزانة الأميركية إنه تمّ تجميد 330 مليار دولار من الأموال الروسية، كما أن أوروبا في طريقها للاستغناء نهائياً عن كافّة المنتجات الروسية بما فيها الغاز والبترول بما يمثّل خسارة اقتصادية ومالية لروسيا لن تستطيع تعويضها عن طريق التجارة مع الصين أو الهند أو دول العالم الأخرى.

أمّا على المستوى العسكري فقد تكبّدت روسيا خلال تقدمها العسكري البطيء في شرق أوكرانيا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، ويتم الآن تدريب القوات الأوكرانية على أسلحة غربية أحدث من أسلحتها السوفييتية التي تستعملها حالياً مما سيرفع من كفاءتها القتالية، وهذا سيجعل من المستبعد انتهاء هذه الحرب على المدى القريب باستسلام أوكرانيا كما كان يتأمّل بوتين وحلفاؤه، أي قد يتحوّل الغزو الروسي لأوكرانيا إلى حرب استنزاف طويلة الأمد وهو أمر ليس من السهل على روسيا تحمّله.

كما عقد قبل أيام في مدريد مؤتمر لحلف الناتو حضره قادة 44 دولة بينهم الدول الثلاثين الأعضاء في هذا الحلف بالإضافة إلى فنلندا والسويد المرشّحتين لعضويته، واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية وأوكرانيا والنمسا وإيرلندا، أي أن أغنى دول العالم والتي يشكّل اقتصادها أكثر من ستين في المائة من الاقتصاد العالمي قد حضرت هذا المؤتمر الذي تبنّي إستراتيجية جديدة اعتبرت روسيا أكبر تهديد للحلف بعد أن كانت في الإستراتيجية السابقة شريكة له، وللردّ على هذا المؤتمر وحتى لا يبدو بوتين كرئيس معزول عن بقية العالم فقد سافر إلى طاجيكستان وتركمانستان وهما دولتان ديكتاتوريتان فقيرتان في آسيا الوسطى بحيث بدت زيارته تلك بمنتهى البؤس عند مقارنتها مع قمة مدريد.

وهذا يدعو للتساؤل عن حقيقة الأسباب التي دعت بوتين إلى غزو أوكرانيا، ولماذا غامر بحدوث هذه المواجهة الشاملة سياسياً ومالياً واقتصادياً مع الغرب، ويبدو التفسير الوحيد لذلك أنه أراد عن عمد إحداث قطيعة بين المجتمع الروسي وأوروبا والثقافة الغربية التي تقوم على الديمقراطية وحريّة التعبير واحترام حقوق الإنسان.

وذلك لأنه كحاكم مطلق لروسيا منذ أكثر من 22 عاماً ويخطّط للبقاء في السلطة إلى ما شاء الله، وجد أن من الأفضل له أن يعمل على تصوير الغرب وكل ما يمثّله من ثقافة وقيم كعدوّ تاريخي لروسيا، مع أن معلومات التاريخ تقول إنه رغم حدوث بعض الحروب بين روسيا وعدة دول أوروبية، ولكنها كانت قصيرة المدّة ولا يمكن مقارنتها مثلاً بالحروب التي استمرت لقرون بين فرنسا وإنكلترا أو بين ألمانيا والدول المحيطة بها، ومع ذلك فقد تجاوزت الدول الأوروبية صراعات الماضي وبنت كيان سياسي وثقافي واقتصادي جمعها تحت مظلة واحدة.

والسبب الرئيسي لمخاوف بوتين من تغلغل الثقافة الغربية إلى المجتمع الروسي هو أن ولادة هذه الثقافة حدثت في أوروبا، والشعب الروسي هو شعب أوروبي أولاً وأخيراً، حيث تعود أصوله إلى شبه الجزيرة الإسكندنافية وتحديداً إلى مناطق السويد الشرقية وتولّى أسلاف الروس في القرن الثامن التجارة بين بحر البلطيق والبحر الأسود، كما تداخل هذا الشعب اجتماعيا وثقافياً مع الفنلنديين إلى أن تم تأسيس أول إمارة روسية في كييف حيث اندمج الروس مع بقية الشعوب السلافية وتوسّعوا شيئاً فشيئاً باتجاه الجنوب والشرق.

وفي عام 988 اعتنق الروس الديانة المسيحية عن طريق الإمبراطورية البيزنطية وأوجد ذلك تركيبة ثقافية جمعت بين البيزنطيين والسلاف وشكّلت الهويّة الروسية المعروفة حتى اليوم، ثم تفكّكت إمارة كييف وأصبحت موسكو المركز الرئيسي للروس في القرن الثالث عشر، وفي القرن السادس عشر تشكّلت قيصريّة روسيا وأخيرا في عام 1721 أطلق بطرس الأكبر اسم الإمبراطورية الروسية على مملكته، وجميع هذه الأحداث التي تشكّل التاريخ الروسي دارت ضمن ما يعرف جغرافياً بالقارّة الأوروبية.

إذاً الروس شعب أوروبي وهم جزء من العائلة السلافيّة التي تنضوي أغلب دولها اليوم ضمن الإتحاد الأوروبي أو حلف الناتو مثل بولندا وتشيكيا وسلوفاكيا وسلوفينيا وكرواتيا وبلغاريا وصربيا وأوكرانيا، وتتبنّى جميع هذه الدول النظام الديمقراطي، ولذلك رأى بوتين أن عليه منع الروس من الشعور بأنهم أوروبيين حتى لا يطمحوا بالانضمام إلى الإتحاد الأوروبي الثري والمزدهر وحتى لا يقارنون حياتهم مع حياة الأوروبيين، فلجأ إلى الترويج لوجود عداء مستمرّ من قبل الأوروبيين تجاه الروس.

وقد عبّرت عن ذلك وكالة الأنباء الروسية الرسميّة "سبوتنيك" في أحد استطلاعاتها تحت عنوان: روسيا ليست أوروبا، ادعت فيه أن نسبة كبيرة من الأوروبيين يرفضون اعتبار الروس أوروبيين، وعلّق خبير روسي على ذلك بالقول: "ليست هذه النتائج مستغربة ولماذا نسعى لنكون جزءا من حضارة غربية، في آخر مرة نحن أوقفنا توسّع هذه القيم الأوروبية في أراضينا كان في الحرب العالمية الثانية، وعندما يقول السياسيون الأوروبيون أنهم يعتبرون  الروس جزءا من الحضارة الغربية فهذا ليس سوى وسيلة دعائية للاستدراج، الغرب لا يحتاج إلى غريب في منزله له حقوق متساوية معه، إنهم يريدوننا أن نركع"، واختتم حديثه بالتأكيد على أن الجغرافيا ليست مهمّة هنا، وروسيا بلد غير أوروبي!.

وهذا الرأي رغم بعده عن الحقيقة ولكن يمكن مشاهدته وسماعه في كلّ خطابات بوتين والتي كانت تركّز دائماً على تصوير الغرب كعدوّ أهان روسيا في الماضي وأنه هو "بوتين" من سيعيد لروسيا أمجادها، ومن الطبيعي أن تؤثّر مثل هذه الطروحات الشعبويّة على بعض العوام والمراهقين الروس، ولكن الغريب أن الكثير من السياسيين والخبراء الغربيين يردّدون اليوم قصة إهانة الغرب لروسيا، مع تجاهل أنّ من أنهى حلف وارسو هو ثورات شعوب أوروبا الشرقية على حكّامها الذين عينتهم موسكو، وأن الذي حلّ الإتحاد السوفييتي هو الثورة الشعبية ضدّه من قبل كل شعوبه وعلى رأسهم الشعب الروسي نفسه، وأن بوتين لا يستخدم عبارة الإهانة هذه إلّا لتبرير نظام حكمه الفردي الذي يبدو شاذّا ضمن هذه القارة الديمقراطية.

ولكن هناك عدّة مؤشرات اليوم تدلّ على أن نسبة غير قليلة من النخبة الثقافية والمالية الروسية قد أدركت هذه الحقيقة ولم تقتنع بعزل روسيا عن أوروبا ولا بالمبرّرات التي قدّمها بوتين لغزو أوكرانيا، فحسب صحيفة وول ستريت جورنال غادر روسيا خلال الأسابيع الأولى للحرب 300 ألف من المتعلّمين وأصحاب المهارات وبعضهم عبّر في الخارج عن رفضه علنيّاً لهذا الصراع المصطنع مع الأوكرانيين الذين يتداخلون اجتماعيا وثقافياً مع الروس.

وفي النهاية فإن دروس التاريخ تقول إنه كما تحوّلت أغلب الشعوب السلافية إلى النظام الديمقراطي فإن مصير الروس سيكون كذلك ضمن محيطهم الطبيعي الأوروبي، وسيبنون نظامهم الديمقراطي عاجلاً او آجلاً بعد تخلّصهم من حكم بوتين، الذي استطاع إعاقة حركة التاريخ لبعض الوقت وزيادة شعبيته عند العامّة من خلال تحقيق انتصارات عسكرية محدودة على بعض الدول الصغيرة، ولكنه لن يستطيع إيقاف حركة التاريخ إلى الأبد خصوصاً لأن حياة المواطن الروسي بائسة على جميع المقاييس عند مقارنتها مع حياة نظيره المواطن الأوروبي.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!