يائير لابيد توجه لفرنسا في أول زيارة خارجية له
يائير لابيد توجه لفرنسا في أول زيارة خارجية له

لم يكن الدافع وراء توجّه يائير لابيد، فور استلامه رئاسة الحكومة الإسرائيلية الى باريس، في أوّل زيارة خارجية "محجوزة" تقليدياً لواشنطن، "عاطفياً" بالنظر الى الصداقة التي تربطه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ولم يكن هذا الدافع "استراتيجياً" بالنظر الى تأثير الرئيس الفرنسي القوي في الإتحاد الأوروبي الذي يحمل ملفات تُعنى بمصالح إسرائيل، بل كان، إلى حدّ كبير، انتخابياً. 

لابيد الذي وصل الى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، الأسبوع الماضي، لن يبقى فيها، مبدئياً، سوى أربعة أشهر، إذ إنّه بعدما حلّ الكنيست الإسرائيلي نفسه، تقرّر أن تجري الانتخابات النيابية المبكرة، في الأوّل من نوفمبر المقبل، الأمر الذي يُمكن أن يُطيح به. 

ويعرف لابيد أنّه لن يجد، في هذه المرحلة الانتخابية المملوءة بالتحدّيات الداخليّة والإقليميّة والدوليّة، أفضل من صديقه ماكرون ليمنحه ما يحتاج إليه: المديح الدولي. 

ورهان لابيد كان في مكانه، إذ لم يتجلّ "المديح الدولي" في استقبال احتفائي جرى ترتيبه له في باريس فحسب، بل أيضاً في الصفات التي أضفاها ماكرون على "ضيفه المميّز"، على الرغم من الإختلافات في النظرة الى عدد من المسائل التي تمّت إثارتها تتقدّمها العودة الى الاتفاق النووي مع إيران، إذ اعتبر الرئيس الفرنسي أنّ "حظ الحكومة الإسرائيلية ودولة إسرائيل وجميع الإسرائيليين كبير جدّاً بوجودك في المقدّمة"، قائلاً له:" لا تنسَ أبداً أنّ لديك هنا في باريس صديقاً وفيّاً(...) وأنا لديّ القناعة العميقة بأنّ لديك كلّ الموارد لقيادة إسرائيل الى الأمن والنجاح في المنطقة بأكملها". 

ولكن "الدعاية الانتخابية" للابيد التي تولّاها الرئيس الفرنسي ليست مجّانية. 

أوساط فرنسية تحدّثت عن أنّ ماكرون يرد، من موقعه في قصر الإليزيه، الجميل لرئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد، لأنّه، وقف إلى جانبه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة. 

أوساط أخرى لا تنفي ذلك، ولكنّها لا تحصر المسألة بحدود "ردّ الجميل"، إذ إنّ لدى ماكرون أهدافاً كبيرة يحاول أن يجد حلفاء يعينونه على تحقيقها، وهو، من أجل ذلك، يرى في يائير لابيد الذي تجمعه به قناعات "وسطية" و"علمانية" شريكاً ممتازاً. 

ويسعى ماكرون، منذ مجيئه الى قصر الإليزيه، إلى أن يُعيد لفرنسا موقعها المؤثّر في العالم عموماً، وفي الشرق الأوسط، خصوصاً، في محاولة منه للعب دور كبير، في ضوء نقل الولايات المتحدة الأميركية لمجهودها الأكبر نحو المنافسة مع الصين. 

وفي هذا السياق، يندرج دخول ماكرون القوي إلى الملف اللبناني، لكنّه على الرغم من "التنازلات" التي قدّمها ل"حزب الله" صُدِم بالنتائج "الهزيلة" التي حقّقها.  

والصدمة نفسها حصلت، عندما راهن على إيران، إذ إنّ طهران كانت تأخذ من باريس على أمل صرف الرصيد الذي تجمّعه، في واشنطن. 

ولم يتمكّن ماكرون من أن يلعب أيّ دور رائد في الملف الإسرائيلي-الفلسطيني، لأنّ علاقاته مع القيادات الإسرائيلية المتعاقبة شابها الحذر، هنا وإعطاء الأولوية القصوى للولايات المتحدة الأميركية، هناك. 

فقط في العلاقة مع الدول الخليجية، وجد ماكرون نفسه يُحدث تقدّماً، لكنّه لم يكن بالنوعية التي يتطلّع إليها، إذ إنّ العلاقات الشخصية التي أحسن نسجها مع القيادتين الإماراتية والسعودية، لم تُثمر أكثر من تصليب العلاقات الثنائية، فالمملكة العربية السعودية، بما يختص بالملف اللبناني، لم تُعط ماكرون أكثر من "شراكة إنسانية"، في وقت أبقت أبوابها موصدة أمام رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي تبنّاه الرئيس الفرنسي، في حين أنّ دولة الإمارات العربية، وفي الملف اللبناني أيضاً، أبقت على هدوء أدبياتها، لكنّها، حتى بعدما أعادت الرياض سفيرها الى لبنان، رفضت هي أن تفعل ذلك. 

وفي التقدير الفرنسي، تكمن نقطة ضعف باريس في تل أبيب تحديداً، إذ إنّ وجود قيادة يمكنها أن تتناغم معها يعطيها دوراً كبيراً في الشرق الأوسط، إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، إذا كانت مهتمة، وبالنيابة عنها، إذا كانت أولويتها في مكان آخر. 

وهنا، تكمن أهمية وصول يائير لابيد الى رئاسة الحكومة الإسرائيلية وبذل أقصى جهد ليبقى فيها، خصوصاً وأنّ البديل، وفق ما تُظهره استطلاعات الرأي، هو بنيامين نتنياهو الذي لا يُعقّد الأمور على فرنسا فقط، بل على إدارة الرئيس جو بايدن، أيضاً. 

إنّ التدقيق في كلمة ماكرون لدى استقباله الحار والإحتفالي للابيد، يُظهر رهانات باريس الحقيقية، فهي تريد أن تلعب دور الوساطة لإعادة إحياء مسار السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وهي تطمح إلى الإستفادة من صداقاتها مع تل أبيب و"أبو ظبي" والرياض والرباط وعمّان والدوحة والقاهرة ورام الله وغيرها، لتُنسّق مساراً تكون لاعباً أساسياً فيه، وهي تتطلّع من موقعها في لبنان والدور المنوط بشركة "توتال" في أعمال التنقيب، لتكون لها كلمتها في الدفع نحو اتفاق مضمون ودائم بخصوص ترسيم الحدود البحرية الذي يتولّاه، في هذه المرحلة، الوسيط الأميركي، وثمّة من لا يستبعد دخولاً فرنسياً على خط الرئيس نجيب ميقاتي لإصداره ووزير الخارجية عبد الله بو حبيب، بيان إدانة لعملية "حزب الله"، بعد مرور يومين على توجيهه ثلاث مسيّرات إستطلاع نحو حقل "كاريش" الغازي، خصوصاً وأنّ هذا البيان، صدر قبل ساعات من وصول لابيد الى باريس. 

وقد حظي لبنان، في كلمة ماكرون بلفتة خاصة جدّاً، تضمّنت موقفاً شبيهاً بالموقف الذي كان قد تضمّنه بيان ميقاتي وبو حبيب، إذ قال الرئيس الفرنسي لضيفه الإسرائيلي الذي وجّه تهديداً للبنان "في حال عجز عن ضبط حزب الله":" تعرفون تعلّقي بلبنان. إنّ استقراره ضروري لما فيه مصلحة المنطقة. سوف نواصل بذل الجهود الرامية الى نهضته. وأريد، بمناسبة زيارتك، أن أثير موضوع المفاوضات الحدودية البحرية، إذ يجب تجنّب القيام بأيّ عمل، من أيّ طبيعة كان، من شأنه أن يعرّض للخطر العملية الجارية. للبلدين مصلحة في التوصل الى اتفاق يتيح استغلال موارد الطاقة لخير الشعبين. فرنسا تساهم في ذلك، وهي على استعداد للمساهمة أكثر". 

يعرف قادة العالم أنّ طموحات ماكرون كبيرة، فهو يؤمن بأنّ لديه الخامة التي تؤهّله ليلعب أدواراً أساسية في أزمات العالم، ولكنّه، كلّما فشل في تحقيق ما يصبو إليه، ألقى المسؤولية إما على النقص في الإمكانات الذي يتسبّب بضحالة النتائج، وإمّا على كذب الطرف الآخر، تماماً كما حصل بعد فشله في منع الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ سمح، في وثائقي قطع "شعرة معاوية" التي كانت لا تزال تربط العلاقات الروسية-الفرنسية، ببث مكالمة هاتفية بينه وبين نظيره الروسي، تُظهر فلاديمير بوتين...كذّاباً! 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.