قد يتعجب البعض من هذا العنوان ويتساءل وهل غادرت الولايات المتحدة الشرق الأوسط؟
جنوب شرق آسيا ما إذا كانت منطقتهم ستمثل الآن أولوية في الوقت الذي تعيد فيه واشنطن ترتيب أهداف سياستها الخارجية.
والإجابة على هذا السؤال هي أن الولايات المتحدة لم تغادر الشرق الأوسط، ولكن نستطيع أن نقول إن منطقة جنوب شرق آسيا باتت على رأس سلم الأولويات الأميركية في الفترة السابقة، لطمأنة الحلفاء وسط تفاقم الخطر الصيني.
وتحركت الولايات المتحدة للانسحاب التدريج من الانخراط في منطقة الشرق الأوسط، إلى أن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن إثر تفشي جائحة كورونا والتداعيات الاقتصادية والمالية التي خلفتها.
ثم جاءت بعد ذلك الحرب الأوكرانية التي أظهرت اعتماد أوروبا الشديد على النفط والغاز الروسي، مما جعل الغرب يفكر جدياً في التحرر من الاعتماد على الدب الروسي على الأقل في مجال الطاقة.
وأظهرت هذه التداعيات أن الولايات المتحدة عليها أن تعيد تقييم استراتيجياتها وأولوياتها في العديد من مناطق العالم، ومنها منطقة الشرق الأوسط. فقد تبين لواشنطن، ومعها دول أوروبا، أن انسحابها من أي منطقة في العالم يساوي فتح المجال أمام المارد الصيني ومعه روسيا لأن يحل محلهما في هذه الدول.
وقد يكون هذا الأمر مقبولاً في بعض المناطق، ولكن للشرق الأوسط وضع خاص يجعل من الصعب تركه على الأقل في هذه المرحلة. وقد يفسر ذلك الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي، جو بايدن، للقاء العديد من قيادات الشرق الأوسط.
ولإدراك أهمية الشرق الأوسط للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في هذه المرحلة علينا أن ندرك هذه النقاط.
أولاً: تستطيع دول الشرق الأوسط زيادة إنتاج النفط والغاز ومن ثم مد أوروبا باحتياجاتها من الطاقة، مما بجعل الأخيرة قادرة على التحرر من التبعية للنفط الروسي.
ثانياً: موقع الشرق الأوسط الاستراتيجي قد يعطي روسيا والصين أفضلية عسكرية إذا حلو محل الولايات المتحدة. ولنا أن نتصور كيف سيكون الحال لو رأينا قواعد عسكرية روسية عوضا عن القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.
ثالثاُ: قبول دول الشرق الأوسط للتعامل المالي بالنظام المالي الروسي "إس.بي.إف.سي" عوضا عن نظام "سويفت كود" قد يعطي أفضلية كبيرة لروسيا ومعها الصين في الصراع الحالي.
رابعاً: وجود قناة السويس ومدخل البحر الأحمر في منطقة الشرق الأوسط يعطي الأخير درجة من التحكم في التجارة العالمية وبالتالي أسعار السلع. ويزداد أهمية هذا الأمر خاصة في حالة التضخم التي يمر بها العالم حالياً. ولذا فإن ترك هذه المنطقة للنفوذ الصيني أو الروسي سيضعف من موقف أميركا عالمياً.
خامساً: مع ظهور الدب الروسي كلاعب قوي في تصنيع السلاح ومحاولة إظهار القدرات العسكرية الروسية في أوكرانيا، يكون من الأفضل للولايات المتحدة الاحتفاظ بحلفائها الرئيسيين في الشرق الأوسط في مجال شراء السلاح، لأن فقدان هؤلاء الحلفاء حالياً أو إضعاف العلاقات معهم سيصب فقط في مصلحة روسيا في الوقت الحالي.
سادساً: بالرغم من صعود قوة الدولار الأميركي في الآونة الأخيرة كنتيجة لزيادة الأرباح، فإن الروبل الروسي، الذي زادت أيضاً أرباحه وأصبح مدعوما لدرجة ما بغطاء ذهبي، أصبح منافساً شديداً للدولار الأميركي وتسبب ذلك في زيادة قوة الروبل بشدة أمام الدولار في الآونة الأخيرة. ولذا فإن اتجاه دول الشرق الأوسط للتعامل بالروبل بدلاً من الدولار الأميركي (إن حدث) - على الأقل في بعض الأمور - قد يعطي دفعة قوية لروسيا في المرحلة المقبلة.
وللأسباب السابقة وغيرها يتضح أن عودة العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية ودول الشرق الأوسط لمرحلة الدفء بدلا من حالة التوتر الحالي قد يكون ضرورة حتمة أو اختيار لا بديل عنه لأميركا، خاصة في المرحلة الحرجة الحالية في العالم ومنافسة روسيا والصين لنفوذ الولايات المتحدة.
وباختصار شديد، فإن واشنطن تحتاج حالاً لمزيد من الأصدقاء بدلاً من خلق أعداء! فهل ياترى ستنجح زيارة الرئيس بايدن المرتقبة لمنطقة الشرق الأوسط في إعادة الدفء للعلاقات الأميركية الشرق أوسطية! لنر ماذا سيحدث!
وللحديث بقية!

