الموقع زعم توفر "تمويل" من دول خليجية لـ "الضغط" على واشنطن بشأن الحرس الثوري الإيراني
الحرس الثوري الإيراني على لوائح الإرهاب الأميركية.

يصل الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى المنطقة الأربعاء المقبل في أول زيارة له عنوانها طمأنة إسرائيل و"مصالحة" السعودية، والحاضر الغائب فيها سيكون الملف الإيراني على المستوى الأمني والإقليمي على وقع تصعيد الحرس الثوري.

إيران اليوم تخوض معركة داخلية في مقاربتها لعدة ملفات هامة مثل المحادثات النووية، الحوار مع الخليج ومستقبل دورها في اليمن. هذه المعركة ينقسم فيها الصف الإيراني بين الحرس الثوري الإيراني الذي اختار التصعيد أخيرا، وبين الخط السياسي التقليدي الذي لا يمانع صفقة مع الغرب مقابل رفع العقوبات.

في الأسابيع الأخيرة، سن الحرس الثوري الإيراني أسنانه وكأنه يريد زعزعة الهدوء النسبي خليجيا، وإفشال المحادثات النووية في الدوحة وهو ما نجح فيه، وإمكانية تعكير زيارة بايدن. 

فإعلان إيران يوم الأربعاء أن قوات الحرس الثوري ألقت القبض على عدد من الأجانب للتحقيق بينهم نائب السفير البريطاني، في اتهامات تجسس، يلحق خطوات تصعيدية فيها رسائل للغرب. وأشارت التقارير الإعلامية إلى أن الموقوفين "المتهمين جمعوا عينات من التربة في منطقة صحراوية محظورة كان القوات تجري فيها تجارب صاروخية".

بريطانيا عادت ونفت صحة الخبر، مؤكدة أن الدبلوماسي المعني غادر إيران في ديسمبر 2021.

التصعيد الإيراني كان أيضا في مياه الخليج بعد كشف المملكة المتحدة الخميس عن ضبط البحرية الملكية البريطانية لصواريخ إيرانية مهربة يعتقد أنها كانت في طريقها لجماعة الحوثيين "الإرهابية" في اليمن، مؤكدة على مصادرتها لعشرات الطرود التي تحتوي على أسلحة متطورة، بما في ذلك صواريخ أرض-جو ومحركات لصواريخ كروز للهجوم الأرضي.

هذا يأتي أقل من أسبوعين بعد اتهام مسؤول عسكري أميركي لإيران بإرسال 3 زوارق تابعة للحرس الثوري اقتربت من سفينتين عسكريتين أميركيتين في مياه الخليج "بسرعة خطرة".

وفي الدوحة كان الانقسام الإيراني على الملء، مع تأكيد الوفد هناك بأن المحادثات تجري بشكل متقدم مع الغرب مقابل إعلان مسؤولين من طهران أن الجولة انتهت من دون نتيجة.

كل ذلك يفيد أن الآمر والناهي في إيران هو المرشد الأعلى معه الحرس الثوري، أما الشخصيات التي تسافر إلى فيينا والدوحة وموسكو فهي استعراضية للتمويه عن الأجندة الأمنية والعسكرية التي تدير معظم جوانب الحياة السياسية في طهران. 

هذا يعني أيضا أن الحرس الثوري قد يقدم على خطأ فادح بالقيام بعملية مباشرة أو عبر وكلائه لإفشال زيارة بايدن لإسرائيل، الأراضي الفلسطينية والسعودية. إذ يرى الحرس أن الجولة شكلا ومضمونا هي بالعمق تحديا لمشروعه الداخلي والإقليمي.

ما لا يدركه الحرس الثوري الإيراني اليوم أن أميركا اقتربت من نفاذ صبرها في الملف الإيراني، وأن بايدن لا مستعجل ولا متلهف للعودة إلى اتفاق نووي ستفقد بنوده صلاحياتها بدءا من العام المقبل. 

حتى روبرت، مالي المبعوث الأميركي لدى إيران والمعروف بتبنيه الحوار مع طهران، قال للإذاعة الوطنية هذا الأسبوع أن واشنطن "سترد بالقوة" إذا قررت إيران التسلح نوويا. أما إسرائيل فهي لا تنتظر هذا القرار وحربها الاستخباراتية مفتوحة داخل إيران، فيما جسورها الإقليمية وصلت المغرب والبحرين وتغازل السعودية.

ألاعيب الحرس الثوري الإيراني هي على حالها منذ 1979 إنما بدأت تفقد فعاليتها أمام واقع إقليمي متبدل وتراجع اقتصادي جيوسياسي لإيران. زيارة بايدن في هذا المناخ بالذات تعكس الرؤية الأميركية المستقبلية للمنطقة وتبدلات غير مسبوقة منذ 1967، وهذا واقع على الأرض سواء أطلق الحرس الثوري صواريخ باليستية أو طائرة من دون طيار أو زعم توقيف ديبلوماسي هو أصلا خارج البلاد.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!