الاحتجاجات الشعبية التي شهدها العراق في أكتوبر 2019 مهدت الطريق لانتخابات 2021
الاحتجاجات الشعبية التي شهدها العراق في أكتوبر 2019 مهدت الطريق لانتخابات 2021

في طفولتي التي تزامنت مع الحرب العراقية-الإيرانية، كنت أستمع إلى سؤال يردده الكبار في جلساتهم الخاصة، محوره: متى تنهي هذه الحرب؟ وفي 1988 انتهت الحرب ولكن كثيرا من الأشخاص الذين كانوا يتمنون أن يشهدوا هذه اللحظة، قد غادروا الحياة. وبعد حماقة دخول الكويت، التي على أثرها فُرض الحصار الاقتصادي، انشغل جيلنا بأمنيات الخلاص من كابوس العقوبات الاقتصادية التي عملت على تدمير الطبقة الوسطى وتوسيع قاعدة طبقة الفقراء والمحرومين. ولذلك كان كل أمنياتنا وأحلامنا تختصر في رغبة الخلاص من نظام صدام، والذي كان يوازي الخلاص من تبعات الحصار الاقتصادي. 

وبعد سقوط رمزية نظام البعث بتمثال ساحة الفردوس في 2003، بدأت حقبةٌ جديدةٌ من أحلام انتظار النهايات، في البدء كانت أمنياتنا بالخلاص من الإرهاب الدموي الذي حوّل بغداد إلى مدينة أشباح مع بداية غروب الشمس، وانتهت تقريباً معالم الحياة فيها، وكان همّ المواطن وشغله الشاغل العودة إلى عائلته سالماً! في ظلّ الخوف مِن أن تعود أشلاء مبعثرة مِن جثّة فجّرتها سيارة ملغومة أو عملية انتحارية بحزام ناسف. 

وانتهت تلك الحقبة السوداء، وبدأت بأمنية استعادة الدولة بعد حربها ضد الجماعات الإرهابية والمليشيات، حتّى انتكست تلك الأمنيات بسقوط ثلاث محافظات بيد تنظيم داعش الإرهابي، ولنبدأ سجالاً جديداً يدور حول سؤال: متى ستكون نهاية داعش؟ 

وبعد انتهاء كل سرديات مواجهة الإرهاب والعنف، سقطت ورقة التوت التي كانت تغطّي عورةَ شرعية النظام السياسي في العراق وفشل الطبقة الحاكمة في تقديم منجز اقتصادي وخدمي يوازي التضحيات التي قدّمها المواطن في سبيل بقاء هذا النظام صامداً أمام موجات القتل والتهجير والعنف الطائفي. وبدأت ملامح الفساد والفشل السياسي تُظهر نتائجها على كلّ تفاصيل الحياة العامة، وأصبح جميع أفراد الطبقة السياسية متورطاً بالفساد والفشل والخراب. وباتت منظومة الحكم مهددة بخسارة النفوذ والسطوة على مؤسسات الدولة ومواردها بموجات احتجاجية ونوعاً ما في التنافس الانتخابي. 

وبدلا مِن أن يكون التركيز على أن الصراع السياسي الآن يدور بين جمهور يسعى إلى تغيير الأفق السياسي الذي حددته قوى السلطة، مِن جانب، ومعركة داخلية بين أقطاب منظومة السلطة وأحزابها وزعامتها، يأتي الحديث عن تغيير قادم مِن الخارج في عام 2024، ليتحوّل إلى نبوءة نتساجل بشأن مدى صحتها، وتتحول إلى ترند في وسائل التواصل الاجتماعي! 

في أيام النظام السابق، كما هو حال العيش في ظل نظام دكتاتوري، لم يكن هناك حتّى بصيص أمل في التغيير مِن الداخل، ولم تكن أي خيارات أخرى سواء التدخل الخارجي. لكننا اليوم، رغم أننا نعيش في نظام سياسي هجين، عنوانه ديمقراطي ومضمونه حكم المافيات السياسية، وتداخل السياسة والسلاح، وغياب لملامح الدولة، إلا أنّ كل الطبقة الحاكمة وجبروتها وقوتها تعيش لحظات الخوف عند سماع التحرك نحو احتجاجات أو تظاهرات مطلبية، أو أنها تستشعر الخطر مع كل انتخابات رغم أنها تسيطر على نظامها الانتخابي ومنظومة إدارتها. وهذا بحدّ ذاته يجعل خيارات الضغط نحو تغيير نظام الحكم تحت ضغط إرادة الشارع أقوى بكثير من فرضية التدخل الخارجي. 

المسألة العراقية باتت أكبر من تغيير النظام، كوننا فشلنا، لحد الآن، في الاستجابة إلى تحدي ما بعد تغيير النظام، الذي ظل يفرض السؤال الأكثر تعقيدا: هل التغيير هو عملية نقل لِلسلطة من جماعة إلى جماعة أخرى، بحيث تتغير النخبة لكن الآليات تبقى نفسها؟ أم أنه عملية تغيير جذري يجب أن تشمل الآليات وعلاقة الدولة بالمجتمع، هدفها توسيع نطاق المشاركة لتشمل المواطنين كلّهم، بغض النظر عن انتماءاتهم وهوياتهم الدينية والإثنية واللغوية والطائفية؟ 

ودائما ما أميل إلى توصيف علاقتنا مع الطبقة الحاكمة باعتبارها معركة، لأننا نعيش في مخاض التحول نحو نظام ديمقراطي، وبين رغبتنا بأن يكتمل نموّ الجنين الديمقراطي في رحم جسدٍ مشوّه، وبين طبقة سياسية أنتجت لنا بيئة سياسية ملوّثة بجراثيم الفساد والفشل والفوضى. لذلك عملت الطبقة الحاكمة على توظيف كل أسلحتها حتّى ترسخ قناعات لدى كثير من العراقيين، بأن بديلَهم الفوضى، وأن خسارتهم الحكم يعني خسارة المكوّن الطائفي. ومن ثمّ قتلوا الأمل في أن تكون الانتخابات فرصة لتغييرهم، ونجحوا في تشتيت أي قوة ترفع شعارَ معارضة منظومة الحكم، ونجحوا ببراعة في تسويق دعاية المؤامرة التي تستهدف منظومتهم السلطوية. 

وعندما تلجأ جميع حكوماتنا وطبقتنا السياسية إلى مواجهة الاحتجاجات الشعبية أو خسارتها في الانتخابات، بالحديث عن مؤامرة خارجية، فهذا الحديث دليل على أنها اقتنعت تماما بنهاية علاقتها مع الجمهور، ويعني أنَّ النظام الذي أسست بنيانه قد أصبح ميّتاً سريرياً، وأن تفكيرها وخطابها عاجز عن الاستجابة لمتطلبات الأجيال الصاعدة، وأنّ شعارات الثناء والمديح التي تسمعها مِن الحاشية وجوق المطبلين مِن الجيوش الإلكترونية "والنخبويين" الانتهازيين، لا علاقة لها بمعادلة سياسية جديدة تحدد الاحتجاجات والانتخابات وحملات السخرية السياسية على وسائل التواصل الاجتماعي،والتي باتت تعكّر صفوَ زعامات تعتقد أنَّ بقاءها في الحكم يعتمد على رمزياتها الدينية أو السياسية أو العائلية، حتّى وإن فشلت في خدمة مجتمعها التي تدّعي تمثيله. 

إذن، علينا ألّا ننتظر (قوّة هائلة، ضاربة، قاضية، مدمّرة، عنيفة، لا يوجد لديها رحمة على الأطلاق!)، وأن نمتلك القدرة على نقد تاريخنا والوقوف بقوّة عند اللحظات الكبرى ونسائل أنفسنا عن مدى تواطؤ كلّ منا في صنع رمزية لزعامات فشلت في إثبات أنها تستحقّ وصف (الزعيم السياسي)، وأن نعترف بأنَّ من يحكموننا ليسوا ظاهرة منسلخة عن مجتمعنا وبيئتنا الثقافية والاجتماعية، بل هو نتيجة لنمط مِن التفكير والتربية والتثقيف. وعلينا أيضا، أن نتوقف عن الانتظار وأن لا نتخلّى مجددا عن حريتنا لمنقذ موهوم يصنع مِن بؤسنا مَجدا مزيفا قد يطول الوقت قبل أن نكشف زيفه، وقبل أن يأتي منقذ آخر يساعدنا على الإطاحة به. 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!