متظاهرة في فرنسا تحمل يافطة كتب عليها "الليبرالية أو العنصرية. يا له من مستقبل" (تعبيرية)
متظاهرة في فرنسا تحمل يافطة كتب عليها "الليبرالية أو العنصرية. يا له من مستقبل" (تعبيرية)

في الأخبار: "ألغت جامعة هومبولت في برلين محاضرة كانت ستلقيها عالمة الأحياء، ماري فولبرخت، التي خططت للحديث عن وجود نوعين فقط من الجنس البيولوجي، بسبب مخاوف أمنية، حسبما ذكرته صحيفة فيلت.

ووفقا للصحيفة، سعت عالمة الأحياء للتحدث عن "سبب وجود جنسين فقط في علم الأحياء بشكل علمي". إلا أن نشطاء يساريين احتجوا في هذا الصدد، ووصفت أطروحة فولبرخت بأنها "غير علمية وغير إنسانية ومعادية للأشخاص المثليين والمتحولين جنسيا".

هذا خبر توارد " مترجما" على كثير من المواقع والوكالات العالمية مطلع هذا الشهر، وتوارده ونقله أمر لافت حقا في زمن الصوابية السياسية الجارف!

لا أفهم بالضبط أين ذهب حق تلك السيدة المتخصصة علميا في مجالها البيولوجي بالتعبير عن رأيها العلمي البحت، وهو الذي يتيح المجال لمن يخالفها بدحض فكرتها بالعلم البيولوجي ذاته أو فليسكُت، لكنها هي التي تم إسكاتها "وعلومها" في النهاية.

إحدى زوايا الحرب الأوكرانية منذ اشتعالها في أيامها الأولى كان من مواضيعه "المثلية الجنسية"، ومجتمع الميم الذي أصبح في السنوات الماضية قوة لا يستهان بها وبدأ يتحول من جماعات ضغط مشروعة إلى حركات متطرفة تقصي كل من يجادلها أو يتحفظ على سعيها لفرض قواعدها في المجتمعات البشرية وعلى كل الأصعدة.

في الحرب البشعة التي تشنها روسيا على أوكرانيا، كان هذا المحور"الأخلاقي- الاجتماعي" الخاصرة الأضعف للموقف الأوكراني العادل، فمنه تسلل الكرملين "البوتيني" في حرب دعائية استطاع خلالها أن يكسب بعضا من الأصوات الأوروبية المحافظة والتي سئمت من التطرف "النيوليبرالي" الاجتماعي وتيار الصوابية السياسية الذي بدأ يجتاح العالم منذ منتصف التسعينيات بقواعد لم تترك شيئا إلا وتدخلت به، حتى السينما والفنون والتي وصلت إلى حد المساس بالنستولوجيا السينمائية وقد ظهرت موجة "صوابية سياسية" تطالب بشطب كنوز من الأفلام لأنها لا تتماشى مع معايير التيار الجديد.

ونحن برأيي وبصراحة أمام إرهاب فكري وثقافي هائل القدرة والمقدرة يستهدف بشرا كثيرين مثلي على هذا الكوكب، وهذا الإرهاب بدأ ربما في مطلع التسعينيات بما تم التعارف عليه بالتصحيح السياسي (Political correctness)، والذي عصف بالكثير من حريتنا الفكرية والاجتماعية تحت مسمى الحرية نفسها، وفي خلطة عجيبة جمعت مزيجا من جماعات بشرية تعرضت للإضطهاد فتحالفت "بلا انسجام موضوعي" ضد فكرة الاضطهاد نفسه، لنجد مجتمع الملونين المضطهدين من البيض مع المثليين مع المتحولين جنسيا، ليتوسع التحالف ويشمل جماعات البيئة ثم الملحدين وآخر الماركات المسجلة كانوا "من لا يعرفون جنسهم بعد"!

وهو ما رسّخ عندي قناعة ما بأن البشرية تسعى، وقد بلغت ذروة مدنيتها، إلى تفتيت تلك المدنية وتجزيئها إلى هويات إنسانية ضيقة جدا، باسم القيم الأخلاقية التطهرية ضمن منظومة مفاهيم نيوليبرالية.

نعم، بلا شك هناك مفاهيم بشرية كان لا بد من تصحيحها، وهذا جزء من صيرورة التاريخ كتعاقب أيديولوجي للأحداث حسب التعريف الهيغلي للتاريخ، لا باعتباره تتابعا اعتباطيا للأحداث، لكن "التصحيح السياسي" صار يتدخل في مجرى سير التاريخ باعتباطية متتابعة ومتسارعة لفرض منظومة أخلاقيات وأدبيات خاصة به تؤثر على كل ما نريد سماعه أو مشاهدته أو قراءته وحتى كل ما نرغب التفكير به.

الموضوع ليس جديدا على الطرح، وقد قلت مرارا إنني لا أفهم أين يمكن أن نذهب بكل قصائد الغزل والحب إذا تمادت مرحلة النيوليبرالية الاجتماعية إلى حد اعتبار الغزل بكل أدبياته الشعرية والروائية تحرشا جنسيا؟

ولا أتصور أن نحرق "كما فعلت السلفية الإسلامية ومحاكم التفتيش الإسبانية بالكتب مثلا" مئات بل آلاف الأفلام السينمائية الجميلة والخالدة لأن سكارليت أوهارا في "ذهب مع الريح" لم تقع في حب شخصية من أصل أفريقي يؤديها العظيم الخالد سيدني بواتييه مثلا، أو لاتيني مثل المدهش أنتونيو بانديراس! أو أن نحاكم دستويفسكي وماركيز وهمنغواي، لأن قصصهم العظيمة كانت تخلو من إشارات تنصف المثليين جنسيا.

فهل يعقل أن نصل إلى مرحلة إعادة لكتابة "الشيخ والبحر" الأسطورية ليكون الصياد العنيد "سانتياغو" يرفع شراعا بألوان قوس قزح على سفينته أو مرتادا لمقهى مثليين على الشاطئ فتصبح الرواية مقبولة؟

ودوما أكرر لمن هم حولي، أنني رجل ليبرالي سياسيا، ومحافظ اجتماعيا، وهذا حقي ضمن تركيبتي الشخصية كما هو حق لكل من هو نقيضي في تركيبته الشخصية، ولأنني أعيش وأعمل في بلجيكا حيث هناك مجتمع ديمقراطي ودولة مؤسسية، فإن توجهي السياسي كناخب في أي انتخابات بلجيكية أو أوروبية قادمة،  لن تكون مرتبطة بالتوجه التقليدي للمهاجرين العرب في "دول الرفاه الاجتماعي" عموما، بل ستكون ضمن إطار توجهي السياسي الشخصي القائم على ما أؤمن أنا به.

وهو ما يجعلني أتوجه لأحزاب يمين الوسط غالبا، إذا كانت برامجها تحقق ما أريده في مجتمعي الذي أعيش فيه وأتعايش معه، علما أن جاري "كوفي" الذي تجمعني به بلجيكا وهو من أصول أفريقية، من غانا تحديدا،  يتفق معي كثيرا في التوجه الاجتماعي المحافظ، وهو الوحيد في عمارتي حيث أسكن من يؤتمن من طرفي وأسرتي على كل ما في بيتنا حين السفر، فالقصة ليست إلا موقفا إنسانيا يقبل بأي آخر، أضع نفسي مكانه دوما، وأحكم من خلاله على سلوكي لضبطه وتقويمه.

وحتى لا يفرح "متطرفو وإقصائيو الطرف الآخر" كثيرا بتأويل ما أقول، فإنني شخصيا أحترم خيارات أيا كان في حياته الشخصية، ولا أدعو بأي شكل إلى أي حالة إقصاء لأي إنسان لأنه مختلف عني، وأتوقع المعاملة بالمثل من أي إنسان على نفس المعيار ، وما أريد قوله هنا إن القصة ليست إلا في المغالاة بالدفاع حد إقصاء المختلف أيا كان، وتذكر أن هذا الآخر دوما هو أنت في عيون الآخرين.

وهذا يعني ضمن ما يعنيه كله، أنني أبحث عن التعددية في الجوهر، لا فرض اللون الواحد وتنميط أفكاري ضمن منظومة تحاول القضاء على ذائقتي الفنية أو توجهاتي الفكرية التي تؤمن بالإنسان، والإنسان هنا لا يمكن أن يكون برأيي حالة تكرار بقدر ما هو حالة تعدد وتنويع ليس فيها أي نوع من أنواع الإقصاء.

إننا فعليا أمام "مكارثية" الطرف الآخر الذي اضطهدته المكارثية "الأصولية" المتطرفة ذات يوم، لتتحول الضحية إلى جلاد، مكارثية تطهيرية إقصائية نوعية وقوية تجاوزت حقوق الفرد وكرامته إلى التعدي على حقوق الآخرين بالاختلاف، وهذا لا يختلف كثيرا عن نمطية تفكير الظواهري والبغدادي ومحمد عبدالوهاب، ولا رجال الدين في عصور الظلمة الأوروبية الذين كانوا يدينون من يخالفهم ويحكمون عليهم بالحرق أحياء أمام العامة.

كنت قد كتبت في مقال سابق عن ذات الموضوع وفيه قلت محذرا ، وأعيد التنبيه:
إن ما يحدث اليوم وبتسارع مرعب، صار بحد ذاته أيدولوجيا متطرفة بحيث تماهت مع السلفيات الدينية المتطرفة ليصبح مخالفتها كفرا، وانتقاد تماديها بالتسلط ليس رأيا آخر، وكل ما حدث قبلها هو بالضبط جاهلية متخلفة ومعتمة، ومن لا يتفق معها هو متخلف رجعي وذكوري وعنصري أو يحمل رهاب المثلية، وهذه كلها هي أدوات التكفير الليبرالي المشابهة لأدوات التكفير السلفي المعروفة (جاهلي وكافر بالدين وخارج عن الملة ومشرك بالله وصاحب فتنة وآثم).

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!