صبي يقرأ القرآن في مدرسة دينية بأفغانستان (تعبيرية)
صبي يقرأ القرآن في مدرسة دينية بأفغانستان (تعبيرية)

في سباق محموم لإثبات أن القرآن يحتوي على إعجازات علمية سبقت ما توصل إليه العلم الحديث، يسعى كثير من رجال الدين للزج بالقرآن في موضوعات وقضايا مرتبطة في الأساس بفشلهم الذريع في الاجتهاد العقلاني لتفسير الآيات وفقا لمقتضيات العصر والاستعاضة عن ذلك بخلق أوهام حول كشوف علمية في كتاب الله.

ومن جانب آخر، فقد وقف عدد من العلماء والأئمة في وجه هذا التوجه واعتبروه قصورا في فهم القرآن الذي هو من وجهة نظرهم كتاب هداية تنزل على البشر ليخرجهم من ظلمات الشرك والهوى إلى أنوار التوحيد والاستقامة ويهديهم لأحسن الهدى الذي به سعادتهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة، وهو ليس كتابا في الطب أو الفلك أو الفيزياء أو علوم البحار.

ويقف على رأس هؤلاء العلماء الإمام أبو اسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد المشهور بالشاطبي (توفي عام 1388م) الذي تناول قضية الإعجاز العلمي في القرآن في كتابه "الموافقات في أصول الفقه" وقال عنها: "إن كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين: من علوم الطبيعيات والتعاليم والمنطق وعلم الحروف وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح، وإلى هذا فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى، سوى ما تقدم وما ثبت فيه من أحكام التكاليف وأحكام الآخرة، وما يلي ذلك".

وأضاف "ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر، لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلا أن ذلك لم يكن، فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا نعم، تضمن علوما هي من جنس علوم العرب، أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه، والاستنارة بنوره، أما أن فيه ما ليس من ذلك فلا".

وإذ يستند رجال الدين الذين يقولون بالإعجاز العلمي في القرآن على آيات مثل "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء"، أو "ما فرطنا في الكتاب من شيء"، وكذلك بفواتح بعض السور فإن الإمام الشاطبي يفند إستخدام هذه الآيات للتدليل على الإعجاز المزعوم ويقول: "فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد، أو المراد بالكتاب في قوله تعالى: 'ما فرطنا في الكتاب من شيء' اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية".

ويضيف "وأما فواتح السور فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدا، كعدد الجمل الذي تعرفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصحاب السير، أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى، وغير ذلك، وأما تفسيرها بما لا عهد به فلا يكون، ولم يدّعه أحد ممن تقدم، فلا دليل فيها على ما ادعوا".

ثم يصل إلى خلاصة قوله في قضية الإعجاز العلمي ويقول: "فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن ينكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة، فبه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضلّ عن فهمه، وتقوّل على الله ورسوله فيه، والله أعلم، وبه التوفيق".  

ثم يجيء بعد الشاطبي بستة قرون شيخ الأزهر الشريف الإمام محمود شلتوت (توفي عام 1963)  ليؤكد نفس المعاني التي ذهب إليها صاحب الموافقات في قضية الإعجاز العلمي في القرآن، فهو ينتقد في مقدمة تفسيره للقرآن اتجاه بعض الذين تأثروا بالعلوم الحديثة.

ويقول إن هؤلاء "أخذوا يستندون إلى ثقافتهم الحديثة، ويفسرون آيات القرآن على مقتضاها، نظروا في القرآن فوجدوا الله سبحانه وتعالى يقول: 'وما من دالة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون'، فتأولوها على نحو زين لهم أن يفتحوا في القرآن فتحا جديدا، ففسروه على أساس من النظريات العلمية المستحدثة وطبقوا آياته على ما وقعوا عليه من قواعد العلوم الكونية وظنوا أنهم بذلك يخدمون القرآن، ويرفعون من شأن الإسلام، ويدعون له أبلغ دعاية في الأوساط العلمية والثقافية".

ويمضي الإمام شلتوت ليبين أن النظر في القرآن على الأساس المذكور أعلاه أفسد على أصحابه أمر علاقتهم بكتاب الله، وذهب بهم إلى تفسيره بشكل خاطئ يتنافى مع الغرض الذي من أجله أنزل القرآن. 

ويقول: "فإذا مرت آية فيها ذكر للمطر أو وصف للسحاب أو حديث عن الرعد أو البرق تهللوا واستبشروا وقالوا: هذا هو القرآن يتحدث إلى العلماء الكونيين، ويصف لهم أحدث النظريات العلمية عن المطر والسحاب وكيف ينشأ وكيف تسوقه الرياح، وإذا رؤوا القرآن يذكر الجبال أو يتحدث عن النبات أو الحيوان وما خلق الله من شيء قالوا: هذا حديث القرآن عن علوم الطبيعة وأسرار الطبيعة، وإذا رؤوه يتحدث عن الشمس والقمر والكواكب والنجوم، قالوا: هذا حديث يثبت لعلماء الهيئة والفلكيين أن القرآن كتاب علمي دقيق".  

ويخلص الإمام شلتوت إلى خطأ منهج البحث عن إعجاز علمي في القرآن: "لأن الله لم ينزل القرآن ليكون كتابا يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف"، كما أن ذلك المنهج يحمل أصحابه على تأويل القرآن تأويلا متكلفا يتنافى مع الإعجاز ولا يسيغه الذوق السليم، والأهم من ذلك أنه يُعرٍّض القرآن (للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان، والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الأخير، فقد يصح اليوم في نظر العلم ما يصبح غدا من الخرافات فلو طبقنا القرآن على هذه المسائل العلمية المتقلبة، لعرضناه للتقلب معها، وتحمل تبعات الخطأ فيها، ولأوقفنا أنفسنا بذلك موقفا حرجا في الدفاع عنه".

إن هدف القرآن قد أوضحته الكثير من الآيات، منها قوله تعالى: "الر كتاب أَنزلناه إِلَيك لتُخرِج الناس من الظلمات إلَى النور بإذن ربهم إِلَى صراط العزيز الحميد"، وكذلك قوله: "قد جاءكم من اللَّه نورٌ وكتاب مُبين يهدي به اللَّه من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إِلى النور بإذنه ويهديهم إِلى صراط مستقيم".

كما أن هناك اختلافا بائنا بين الدين والعلم، فالأول مناطه الإيمان والتصديق والتسليم، وهو دائم لا يتغير، بينما الثاني مجاله التجربة والاختبار والبرهان، وهو قابل للتغير باستمرار، ولكل واحد منهما طريقه المختلف، ولذلك فإن أي محاولة للخلط بينهما ستؤدي لا محالة إلى نتائج تضر بالدين، كما أشار إليه الإمام شلتوت.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!