التطرف
التطرف

"وأنت تتحدث عن تطرف بعض الإسلاميين، لا تنس الحديث عن تطرف العلمانيين والملحدين أيضا". هذه العبارة، وإن كانت في ظاهرها متوازنة تسعى لتحقيق العدل في مقاربة مختلف أشكال التطرف، إلا أنها، في الحقيقة، تحمل بين طياتها مغالطة كبيرة (وربما أيضا بعض سوء النية)، حيث تساوي بين تطرف الإسلامي وتطرف العلماني أو الملحد؛ وهما شكلان من التطرف لا وجه للمقارنة بينهما؛ وإن كان التطرف، على العموم، أمرا غير مرغوب فيه. 

بداية، نحتاج ربما أن نؤكد، مرة أخرى، الفرق بين العلماني والملحد؛ حيث يخلط الكثيرون بين الاثنين ويتحدثون عن العلمانيين بوصفهم ملحدين أو أعداءً للدين؛ بينما العلماني قد يكون شخصا متدينا مؤمنا، لكنه مقتنع بضرورة الفصل بين الدين كقناعة وممارسة شخصية، وبين القوانين والسياسيات والحياة العامة. كما أن الملحد ليس عدوا للدين بقدر ما هو شخص يأخذ مسافة من التصورات والقناعات الدينية التي لا يؤمن بها. 

بعد هذا التوضيح الأساسي، لنعد الآن لحكاية التطرف الإسلامي والتطرف العلماني أو الملحد، ووضعهما، من طرف البعض، على نفس الكفة. الحقيقة أن الفرق بين الاثنين هو كالفرق بين انتقاد فاعل معين أو.. قتله!

التطرف الإسلامي هو، في معظم تجلياته، تطرف عنيف. إن لم يؤدِّ للقتل والإرهاب، فهو يتسبب في الإقصاء وممارسة الاضطهاد على من يختلف عن تصوراته: فرض دفع الجزية على غير المسلمين، السبي، إجبارية الصيام على كل من عرف بانتمائه للإسلام حتى لو كان غير راغب في ذلك (كيف يعرف الشخص بانتمائه للإسلام؟ هل يكفي كونه وُلد لأبوين مسلمين لكي يكون كذلك؟)، فرض الصلاة في بعض المجتمعات، فرض الحجاب أو إساءة معاملة النساء غير المحجبات، فرض بعض القوانين التي تستلهم تفاصيلها من الشريعة، بغض النظر عن قناعات المواطنين في البلدان التي تتبنى تلك القوانين؛ وغير ذلك من الممارسات التي تنتهك اختيارات الأفراد الراشدين و/أو تمارس العنف الجسدي أو النفسي ضدهم. 

بالمقابل، فالمتطرف العلماني أو المتطرف الملحد، وهو تطرف مرفوض على أية حال، قد يمارس النقد الحاد أو السخرية اللاذعة، لكنه لا يفرض على غير الملحد أو غير العلماني أن يفطر في رمضان مثلا، أو أن يتوقف عن الصلاة أو الإيمان. لا يفرض ضريبة على المسلمين، لا يفرض شرب المواد الكحولية على غير الراغبين فيها، لا يقتل غير الملحدين وغير العلمانيين..

لذلك، فالمساواة بين تطرف يقتل ويمارس الاضطهاد في حق المختلفين، وبين تطرف يمارس النقد الحاد والسخرية اللاذعة أو القاسية، هي مغالطة عظيمة لا موقع لها من المنطق. 

تجليات هذه المقارنات قد نتابعها في الكثير من النقاشات. على سبيل المثال، دار مؤخرا نقاش حول الهوس بالجنس في بعض المؤلفات الإسلامية التي تتطرق للحور العين ووصف أجسادهن ومفاتنهن وأثدائهن، وكيف أن هناك هوسا حقيقيا، لدى عدد من المتبنين للطروحات الإسلامية، بأجساد النساء (حيث يبرر البعض، مثلا، تعدد الزوجات، بكون الرجال لديهم رغبات جنسية أقوى مما لدى النساء، رغم أن هذا الأمر غير صحيح)، وبالحور العين وتفاصيلهن الجسدية. 

خلال النقاش، قال البعض إن العلمانيين والإسلاميين يتساوون في هوسهم بأجساد النساء. الحقيقة أن تصريحا كهذا لا يخلو من بعض سوء النية. ببساطة لأن العلماني، حين يكون مهووسا بجسد المرأة، فهو مهووس به كشخص مريض لا يتحكم في غرائزه. لكن، بالمقابل، فليس هناك تنظير "علماني" للهوس الجنسي. ليست هناك مؤلفات وكتب وبرامج تلفزية تشرعن للعلماني هوسه الجنسي وتبرره وتَعِدُه بأجساد جميلة وبِكْر وبأعداد لا متناهية من النساء في حياة أخرى أو في حياته هذه. على النقيض، هناك تنظير إسلامي كثيف للهوس الجنسي لدى الرجال حصريا: كتب بالعشرات عن الجنس في الجنة وعن الحور العين، فتاوى عن الجنس ومضاجعة مِلك اليمين، تفسيرات الفقهاء الجنسية لعدد من الآيات و/أو الأحاديث، شرعنة فقهية للاغتصاب الزوجي باعتبار الجنس حقا تاما للزوج على زوجته، برامج تلفزية و"نقاشات" عن الجنس وتعدد الزوجات، إلخ.

لذلك، فمن الموضوعية ومن الأخلاقيات أن ننتقد التطرف عموما، لأنه ليس شكلا سويا في التعبير عن الاختلاف. لكنه من غير الموضوعي بتاتا ولا من الأخلاقي أن نساوي بين من يقتل ويقصي ويضطهد باسم قناعة دينية ووحي إلهي... وبين من يسخر وينتقد، وإن فعل بشكل قاسي! 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!