هذا اللبنان الرهيب لا تصلح معه كل أدوات القياس
هذا اللبنان الرهيب لا تصلح معه كل أدوات القياس

أشار أمين عام حزب الله حسن نصرالله على اللبنانيين بأن يستعدوا للحرب، وبأن هذه الحرب ستكون حلاً لكل مشكلاتهم! قال لهم "الحرب ستأتي بمليارات الدولارات، وبدل أن يموت اللبناني أثناء بحثه عن الخبز سيموت أثناء خوضه الحرب". ثمة فارق كبير بين موت وموت إذاً، وثمة مخرج لحل الأزمة يتمثل في الحرب وبقبول الموت.

لكن التلويح بالحرب شيء وخوضها شيء آخر. من المرجح أن نكون هنا حيال استعراض داخلي على ما دأب الحزب فعله عندما تلوح الاستحقاقات الداخلية. أما على الحدود، وفي الحسابات الواقعية، فإن الحرب احتمال ضعيف. موازين القوى مختلة على نحو كبير لغير مصلحة حزب الله، ولا أحد في لبنان لديه القدرة على استيعاب نتائجها. لا أحد أيضاً في المنطقة لديه الرغبة في نجدة لبنان. مليارات الدولارات التي تحدث عنها السيد نصرالله، لا أثر لها في مخيلة أحدٍ. الاحتمال الضيق في حصولها يتمثل في أننا في أسفل الحسابات الإيرانية إذا ما شعرت طهران بالحاجة إليها.

هذا لا ينفي الحاجة لخطاب الحرب، ذاك أنه الوسيلة الوحيدة لتعليق طلب اللبنانيين مخرجاً للكارثة، لا بل أنه مدخل نموذجي لتجميد الانهيار عند حدود الكارثة. فالاستحقاقات المتلاحقة التي ننتظرها لا يمكن تعليقها من دون خطاب الحرب.

لن تتشكل الحكومة في لبنان. ليس فقط لأن جبران باسيل يريد وزارة الطاقة، ونجيب ميقاتي لا يريد أن يمنحه إياها، فقبل ذلك لن تتشكل الحكومة في لبنان لأن أي نصاب سياسي سينعقد لن يكون مناسباً لحزب الله. بالإضافة إلى ذلك، لن يكون في لبنان رئيس جديد للجمهورية، ليس فقط لأن جبران باسيل لن يتمكن من وراثة عمه، إنما قبل ذلك، لأن الرئيس الجديد، ومهما كان لصيقاً بحزب الله، لن يكون بمستطاعه مجاراة ميشال عون في التصاقه بالحزب. لا أحد يمكن أن يؤمن لحزب الله ما أمنه له ميشال عون. سليمان فرنجية الأكثر عراقة في التحاقه بخيارات حزب الله، هو أقل قدرة على التخفف من الشروط الأخرى التي يمليها على الرئيس الحد الأدنى من ماء الوجه.

اذاً لا حكومة ولا رئيس للجمهورية، ولبنان في عمق الهاوية على كل المستويات! "لن نبلغ الجوع" على ما يردد أهل الفراغ، ولنا بسوريا وبالعراق نموذجان عن الفراغ، ولنا بإيران نموذجاً عن الفقر. أما حقيقة أن الانهيار في لبنان يشتغل بوتيرة فاقت بسرعتها دول هلال البؤس والعتمة، فهذا ما لا يتوقف عنده حزب الله في مسيرته نحو الاستعصاء. طائرة مسيرة واحدة نحو حقل كاريش حيث باشرت إسرائيل تنقيبها عن الغاز، يجب أن تغنينا عن الكهرباء والماء، والخبز الذي انضم مؤخراً إلى دائرة أمنياتنا الصعبة التحقق. ونحن هنا لسنا حيال حرب، انما حيال خطاب الحرب.

لكن حزب الله لم يسقط علينا من الخارج، على ما يردد خصومه، فهو استعان في دفعنا نحو هذا الاستعصاء بما أجادت عليه طوائفنا. فللسنة في لبنان خرافتهم عن نفسهم الجماعية وعن أنفس غيرهم من الجماعات. لديهم شهيدهم الذي "لا يُمس"، ودار فتواهم التي تعتقد أن بيدها وجدان الأمة وضميرها وعِرضُها. والموارنة أيضاً يشعرون أنهم أصحاب الدار، وانبثق عن "إحباط" أهل الدار تيار الذمية والانتقام الذي أوصله حزب الله إلى الرئاسة، فكان علينا أن ننتظر ست سنوات لنستعيد الفراغ.

هذا اللبنان الرهيب لا تصلح معه كل أدوات القياس. تجاور الجوع والتخمة فيه ليس مدعاة تأمل وتفكير، انما هو مجرد خيبة. الجوع بما يمثله من عوز، والتخمة بما تمثله من شراهة، بينهما تقيم السياسة وتنعقد المعادلة التي لا يمكن أن تستقيم من دون خطاب الحرب.

نحن لا نعيش استعصاء واحداً، انما بالحد الأدنى ثلاثة استعصاءات. استعصاء الشيعة وسلاحهم ومقاوتهم، والسنة وشهيدهم وأمتهم، والموارنة وتاريخهم وخيبتهم. ولبنان لكي يكون له رئيس وحكومة، عليه أن ينجبهما من هذا الخراب.

وبينما كنا نعتقد أن سلاح حزب الله هو مشكلتنا التي لن تقوم لبلدنا قائمة في ظله، اكتشفنا أيضاً أن مشكلتنا مع ميشال عون لا تقل ثقلاً، فالرجل الذي كان يعيش في ظل حقيقة "أنا أو أحرق البلد"، ها هو اليوم يقول "صهري أو أحرق البلد"، لا بل أن هذه المعادلة راحت تتكرر في مناسبات أخرى، فتمسكه بوزارة الطاقة ناجم أيضاً عن مخاوفه من وصول أحد إليها يُنجز خطوة على صعيد تأمين الطاقة، فينفضح في حينها الصهر الذي مكث في الوزارة ما يزيد عن عشر سنوات من الفشل والفساد.

ووسط هذا الاستعصاء يلوح خطاب الحرب علاجاً لتطلب اللبنانيين حلولاً. الاستعاضة عن الموت جوعاً، بأن ننتظر حلاً يأتينا من حرب من المرجح ان لا تقع. وإذا كانت الحرب كارثة فإن انتظارها فعل مأساوي. الحل لن يكون حرباً، انما انتظارها سيكون مخرجاً للسوء القادم إلينا لا محالة. 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!