لم تكن أوكرانيا تحت نار الجار الروسي بعد حين أنجز المخرج الأميركي الشهير أوليفر ستون فيلمه الوثائقي الذي أطلق عليه اسم(Ukraine Under Fire) سنة 2016. بل كانت لاتزال في مرحلة الانتقال والتعافي السياسي اللذين أعقبا ماعرف بثورة "الميدان" 2014، التي يفتتح المخرج فيلمه بأحداثها ويستند إليها كركيزة ليعبر من خلالها لاحقاً عن رؤاه ورسالته العامة لهذا الفيلم.
وهي ثورة ابتدأت بتظاهرات شعبية احتجاجاً على تلكؤ ومماطلة الرئيس الأوكراني السابق يانوكوفيتش توقيع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي التي يؤيدها الشعب بقوة خشية تأثيرها على اتفاقياته التجارية مع روسيا. كماعرفت أيضاً بثورة " الكرامة الأوكرانية وشارك بها مختلف أطياف الشعب بمن فيهم "السيئون" بحسب المخرج، قبل أن تندس بين جموعها العناصر المشبوهة الذين غيروا مسارها إلى ثورة دموية.
إذ أدت(والكلام دوماً للفيلم) أعمال الشغب والعنف "الممنهجين" إلى فوضى عارمة، وسقط حينها أكثر من 100 قتيل بين مدنيين ورجال مكافحة الشغب، سييتم اعتبارهم لاحقاً بحسب رؤية المخرج بمثابة "الأضاحي" الذين خططت تلك العناصر المشبوهة والمدربة والممولة "غربياً" لقتلهم عمداً، لأجل تغيير النظام والإطاحة بالرئيس فيكتور يانوكوفيتيش الذي طلب اللجوء إلى روسيا ولايزال هناك.
يعرف المخرج الأميركي أوليفر ستون صاحب الأفلام المتفوقة والأوسكارات الثلاث، بانتقاداته الحادة لسياسة الحكومة الأميركية وإعجابه بعدد من الزعماء وقادة الدول ذات الحكم الشمولي. في هذا الفيلم، لايخرج ستون عن ميوله السياسية هذه، لكنه وإن وفق مهنياً كصانع أفلام مخضرم في نسج فيلم متماسك وثري بالمعلومة التاريخية. إلا أنه فيلم يجافي نسبياً الموضوعية المفترضة في بدهيات وأسس صناعة أي فيلم وثائقي.
في لقطات سريعة وغنية بالوثيقة البصرية والتعليق الصوتي الأنيق واللماح، يستعرض ستون تاريخ أوكرانيا كبلد عريق اشتهر بالجمال والتضحية والارث التاريخي، معتبراً "أن مأساة الأوكرانيين تكمن في الموقع الجيوسياسي لبلدهم كطريق مهدت لطموحات الشرق والغرب العسكرية خلال كل الأزمان وخلال الحربين العالميتين بشكل خاص، بوصف أوكرانيا بالمكان "القدري" الذين يلتقي فيه الشرق والغرب استراتيجياً.
أوكرانيا "الجائزة" التي سعت العديد من الدول لامتلاكها، وأريقت لأجل هذا الغرض الكثير من الدماء. ولأن الشعب الأوكراني كان عليه أن يدفع ثمن صراع القوى العظمى التي تحيط به في كل مرة، يرى المخرج أن الأوكرانيين باتوا بحاجة إلى "المكر" للبقاء على قيد الحياة، وبالتالي صار فن تغيير المواقف" أكثر فن يتقنونه.
سيترجم المخرج لاحقاً رؤيته لهذه التجاذبات السياسية الحادة التي مرت بها البلاد بالتركيز بشكل مكثف على "النقاط السوداء" التي حفل بها التاريخ الأوكراني الحديث، مثل نشوء حركة القوميين الأوكرانيين المتطرفة في غرب البلاد الموالي لألمانيا النازية في تلك الحقبة الزمنية وأبرز زعمائها، والتي كانت تعادي "السامية والشيوعيين معاً" وأبادت بحسب المؤرخين مابين 100-200 ألف يهودي، يسترجع المخرج بعض صورهم القاسية في المجزرة الأكثر شهرة وفظاعة في منطقة بابي يار نهاية 1941.
وهي "نقاط سوداء" يكاد لايخلو منها تاريخ أي بلد في العالم. وهو "عار" يتعمد المخرج الاضاءة عليه رغم أن الأوكرانيون اليوم يخجلون منه ولاينكرونه في تاريخهم. أضف أن منح مساحة كبيرة من وقت الفيلم لتلك الانتهاكات والفظائع التي ارتكبها القوميون الأوكرانيون المتطرفون تاريخياً، بدا أشبه بهدية إعلامية قدمت إلى النظام الروسي الذي ظل يركز عليها ويرددها لوقت طويل، وساقها كواحدة من الذرائع لتبرير غزوه لأوكرانيا في 24 فبراير الفائت، أو ماأسماه ذريعة ـ"اجتثاث النازية".
في الوقت ذاته، يبرز المخرج الجانب الروسي وكأنه حمامة سلام، وديعاً، لاشائبة تشوب تاريخه، فيما كل الآثام والخطايا والانتهاكات والفظائع التاريخية وكل مصائب الكون وكوارثه ارتكبها الغرب وأوكرانيا وأميركا وأوروبا فقط دون سواهم. وأيضاً كل الوثائق التي يختارها المخرج لفيلمه بعناية مدروسة، توحي للمشاهد أحقية الروس بالأرض الأوكرانية ومشروعية امتلاك شعبها وتاريخها ومواردها الاقتصادية، وأهمية تصحيح التاريخ وأخطاء بعض الزعماء السوفييت، ونقض تلك المعاهدات التاريخية المجحفة التي أُجبرت فيها موسكو على التخلي عن أوكرانيا وأهمية استعادتها.
ألم يتحدث الرئيس بوتين مراراً عن تصحيح أخطاء التاريخ في تبرير غزوه الأخير لأوكرانيا؟؟
وفي الوقت الذي يظهر فيه الرئيس بوتين في فيلم أوليفر ستون أكثر من مرة، ثاقب النظر، يعبر عن آرائه السياسية الحكيمة والموقف الرسمي الروسي في كل مايتعلق بالشأن الأوكراني. كما يظهر الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش ووزير داخليته بصفتهما "بريئين" تماماً من أية أخطاء. يتعمد المخرج إبراز كل الوثائق التي تدين الغرب والأميركيين بشكل خاص وتدخلهم "السافر" وتمويلهم للمنظمات غير الحكومية في أوكرانيا المسؤولة عن "الفوضى السياسية"، ودون أية إدانة تذكر للنظام الروسي في دعمه وتمويله للانفصاليين الأوكرانيين.
بعض المنظمات غير الحكومية التي تنتشر عبر العالم، مهمتها –بحسب الفيلم- تدريب عناصر محلية وإشعال "الثورات الملونة" في تلميح لما سمي بثورات "الربيع العربي"، التي يعتبرها المخرج بحسب رؤيته أنها تحققت بسبب تحريض وتمويل وتدريب هذه المنظمات لعناصر محلية ونشطاء اختيروا بعناية، وبوصفها "واجهة" للحكومة الأميركية التي تهدف في النهاية إلى إشعال الاحتجاجات والفوضى المتعمدة بغرض قلب الأنظمة.
لتدعيم رأيه، يستضيف أوليفر ستون في فيلمه الطويل والحافل، الصحافي الاستقصائي الأميركي الراحل روبرت باري Robert Parry الذي اشتهر بدوره في تغطية قضية فضيحة "إيران-كونترا" في الثمانينات. والذي سيستفيض بدوره في السياق ذاته، محملاً الأميركيين وزر كل مايحدث في العالم من اضطرابات أو ثورات احتجاج شعبية، يصنفها باري مع المخرج -وإن بشكل غير مباشر- ضمن "نظرية المؤامرة".
وهي ثورات -يعتبر ستون وباري- أنها لم تكن أبداً عفوية، مثل مصر واليمن وليبيا وسوريا ولبنان. ومن الواضح أن ستون أخطأ في قراءة المشهد السياسي اللبناني، حيث يعتبر أن رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري قدم كـ" أضحية" خدمة لإشعال ثورة "الأرز". فيما لو انتظر المخرج بضع سنوات، لاكتشف عكس ذك بما أثبتته لاحقاً المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري الأب.
يقتبس المخرج في فيلمه أكثر من مرة عبارات "لمارك توين"، تقول إحداها": إذا كنت لاتقرأ الصحف فأنت جاهل، وإذا كنت تقرؤها فأنت مُضلَّل". وانطلاقاً من رأي مارك توين، يصنف الفيلم أياً كان جنسه درامياً أو وثائقياً أو دعائياً، ضمن الوسائل الاعلامية التي تهدف إلى التأثير على الجمهور.
وفي فيلمه هذا، كانت رسالة أوليفر ستون شديدة الوضوح، بشيطنة كل مايتعلق بالغرب فقط ونمط الحياة الغربية التي بدا –بحسب وثائق الفيلم أيضاً- أن الشعب الأوكراني يتوق إليها. أي أن ستون أراد عمداً أن يقود جمهوره المشاهد بحسب مايهواه هو، وليس وفقاً للموضوعية التي تفترضها الوثائقيات التاريخية.
لكن ستون عاد وأعطى رأياً مقتضباً عقب الغزو الروسي لأوكرانيا بقوله" في ضمير أميركا اعتداءات وحروب عديدة، لكن هذا لايبرر غلطة روسيا". وربما يعلم أوليفر ستون، المبدع والقدير، أنه لو لم يكن يعيش في الغرب الذي منحه حرية التعبير، لن يتمكن من تحقيق فيلمه هذا الذي ينتقد بلاده، وريما يعلم في قرارة ذاته أنه لو كان مواطناً ينتمي لتلك الدول -المعجب بها وبزعمائها- لاختلف الأمر في المطلق.

