العراق يعلن نتائج الانتخابات العراقية النهائية
9 أشهر مرت على الانتخابات دون تشكيل حكومة

إذا كانت الشعبوية تغزو الديمقراطيات الناضجة، فإن بلادنا التي يفترض فيها بأنها تشهد تحولاً نحو النظام الديمقراطي، أبتُليَت بطبقة سياسية تفضّل العبث والفوضى، وترفض مغادرة سلوكيات المراهقة السياسية! إذ، ونحن على أعتاب نهاية العقد الثاني من تغيير شكل النظام، واختفاء وبروز وجوه جديدة في العملية السياسية إلا أن المهاترات والعنتريات والدوران في فلك نظرية المؤامرة، لا تزال طاغية على مخيّلة وخطابات الطبقة السياسية. 

يُفترض بالبلدان التي تنتقل من نظام سياسي شمولي إلى نظام ديمقراطي بأنها تحتاج إلى أجيال سياسية تسهم في تحول الديمقراطية من هشّة وهجينة إلى ديمقراطية ناضجة، لكن يفترض أن تكون النخب السياسية  التي تقود التحول ناضجة أيضاً وليس مراهقة. والمنظومة السلطوية لا تزال لحد الآن عاجزة عن إنتاج هذه النخب.  

من دلائل المراهقة السياسية في العراق، عدم الاعتراف بمبدأ التسويات السياسية التي يستوجب حضورها في الأزمات، والشخصنة التي تطغي على خطابات وسلوكيات الكثير من الزعامات السياسية، فضلاً عن التناقض بين المواقف والخطاب. والإصرار على تكرار نفس الأخطاء، لا بل المكابرة وعدم الاعتراف أصلاً بالخطأ. ولا نحتاج إلى إثبات ذلك بالأمثلة والشواهد، إذ يكفي التجول في محركات البحث ومتابعة الخطابات السياسية وتناقضاتها بين فترة وأخرى.  

ويبدو أن المنظومة السلطوية التي رسّخت الأعراف الخاصة بممارسة العمل السياسي، لا يمكن لها أن تُسهم بالانتقال من المراهقة إلى النضج السياسي. إذ يمكن أن تتخيل أن تجربة تشكيل الحكومة في خمس دورات ماضية لم تكن كفيلة في انضاج التفكير بالآليات القادرة على احتواء التناقضات والخلافات داخل التحالفات السياسية. 

تسعة أشهر على آخر انتخابات في العراق، ولا يزال موضوع تشكيل الحكومة يدور في حلقة مفرغة بسبب مزاجيات الزعامات السياسية والانتقال من كسر إرادة الخصوم إلى حرب باردة بين قيادات تحالف الإطار التنسيقي. إذ يبدو أن الموقف الذي كان يوحدهم هو الرغبة في تعطيل حكومة الأغلبية التي كان ينادي بها مقتدى الصدر وحلفاؤه في تحالف إنقاذ وطن، وبعد استقالة النواب الصدريين من البرلمان، لا تزال مفاوضات تشكيل الحكومة تراوح مكانها، وعاجزة عن التقدم خطوة نحو الأمام! 

وإلى الآن، لا تزال الأولويات لدى زعامات قوى الإطار التنسيقي غير واضحة، فعدم حسم الخلافات المعلنة والخفية بشأن ترشيح رئيس الوزراء يجعل جميع الملفات اللاحقة غير مطروحة للنقاش. ومن ثمّ، التأخر في إعلان مرشحهم لرئاسة الحكومة يعطي مؤشراً على عدم إدراك زعامات قوى الإطار التنسيقي لحجم التحديات القادمة.  

والانشغال بأولوية (من يحكم؟) وليس (كيف يحكم؟)، هو مؤشر على أن الشخصنة والصراع على المغانم أكبر من التفكير بمتطلبات إصلاح العلاقة مع الجمهور وتصحيح الأخطاء السابقة. لذلك لم يتفقوا على الآلية التي يتمّ من خلالها ترشيح رئيس مجلس الوزراء. ولذلك بقيت مواقفهم تعبر عن تشتّت في الرؤى والتوجه وبعيدة كل البعد عن النضج السياسي وإدراك خطورة خسارة فرصة تشكيل حكومة ينتظرها الشارع لتقديم الخدمات ويتربص لها خصومهم السياسيون.  

تجاهل التحديات وغضّ الطرف عن مطالب الجمهور، هو تعبير عن البقاء ضمن دائرة المراهقة السياسية التي تعتقد أن الزمن لا يتغير، ويمكن مواجهة التحديات بخطابات الاستذكاء والمرور البارد على آلام الناس ومعاناتهم وتقديم الوعود الفارغة. المواطن العراقي يتطلع إلى حكومة تعطيه الأمل بأنّ الوفرة المالية التي تحققت بفضل صعود أسعار النفط يتم توظيفها في قطاع الخدمات ومعالجة البطالة، وليس حكومة مهمتها إرضاء صفقات ومزاجيات الزعامات السياسية.  

 العراقي يريد حياة آمنة ومستقرة، ولا يريد أن يدخل في رهانات تعبّر عن مراهقة سياسية تحاول الانتقال من الصفقات والتوافقات في تقاسم مغانم السلطة، إلى صدام مسلح هدفه فرض السيطرة على الدولة وثروات البلد. أما محاولة ترويض المواطن بعنوان الحفاظ على حق المكون، أو استحقاقه في المناصب الوزارية أو في منصب رئاسة الجمهورية، فهي تعبر عن فجوة كبيرة بين ما يريده الجمهور وما تسعى إليه زعمات الطبقة السياسية.  

العراق بحاجة الى مشروع سياسي تقوده طبقة سياسية ناضجة، تبدأ أولاً بالشروع نحو نقاش جديد لا يقوم على استغفال الناس ومداعبة غرائزهم الوجدانية، نقاش يتواضع فيه السياسيون الذين يحاولون تقديم أنفسهم باعتبارهم وصايا على الطائفة أو المكون القومي. وأن يبتعدوا عن المتاجرة بالقضايا الكبرى التي يقدمون أنفسهم مدافعين عنها ومتصدين لمشاريع المؤامرة التي تقف ضدها.  

لقد آن الأوان، لمغادرة المراهقة السياسية القائمة على أساس عدم الثقة والتآمر والرهان على حماسة الخطابات والتعالي على الدولة، وتقزيمها أمام قوى اللادولة. وآن الأوان لوضع معايير عملية يمكن من خلالها تقدير قيمة الإنجاز من عدمه، كفاءة الأداء من فشله، فتلك التي تبدو تفاصيل تقنية صغيرة هي مصدر آلام ومعاناة الكثير من العراقيين، اكثر من تلك التي تبدو قضايا كبرى مصيرية في تفكير الزعامات السياسية وحاشيتها: مثل الحصول على رئاسة الوزراء لاستعادة أمجاد المنصب وتصفية أو إخضاع الخصوم والشركاء لسطوته. أو قضية الحصول على وزارات لتنمية الموارد المالية للحزب أو التكتل السياسي، أو  الحصول  على رئاسة الجمهورية لكسر إرادة حلفاء الأمس وخصوم اليوم. 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!