بايدن يحتاج إلى مساعدة السعودية في وقت ترتفع فيه أسعار النفط الخام ومشاكل أخرى تتعلق بالصراع الروسي الأوكراني
بايدن يحتاج إلى مساعدة السعودية في وقت ترتفع فيه أسعار النفط الخام ومشاكل أخرى تتعلق بالصراع الروسي الأوكراني

لم يعد جو بايدن من أول رحلة شرق أوسطية له كرئيس للولايات المتحدة، بما كان يطمح إليه ويتطلع لتحقيقه، بيد أنه لم يعد خالي الوفاض كذلك. نتائج هذه الجولة الرئاسية جاءت أدنى بكثير، من سقف التوقعات الأميركية، والمؤكد أنها أغضبت الفلسطينيين وأسعدت السعوديين، ولم ترض إسرائيل تماما. 

حصل بايدن على التزامات خليجية بضخ مزيد من النفط والغاز في السوق الدولية العطشى، وهذا هدف جولته الرئيس. لا نعرف بدقة كم من الكميات الإضافية ستضخ في الأسواق، بيد أن دولاً خليجية وازنة (السعودية والإمارات)، لم تفوت الفرصة للتذكير بالتزاماتها بموجب "أوبك +"، وأنها تكاد تستنفذ طاقتها القصوى على الإنتاج والتصدير، والمؤكد أن حجم المعروض من هاتين السلعتين، لن يطفئ ظمأ الأسواق، ولن يستحدث فرقا جوهريا، والأهم أن أثر أية زيادة محتملة في إنتاج وتصدير "الهيدروكربون"، لن يكون فورياً ولا مباشرا. لكن مع ذلك، يمكن القول إن بايدن لم يعد بسلة فارغة تماما، وربما يجد في ذلك بعض العزاء عن تكبده عناء السفر. 

جاء بايدن للمنطقة، حاملا على كاهله مشروع "إدماج" إسرائيل في المنطقة، من ضمن منظومة إقليمية للأمن والتعاون، تجمعها مع عدد من الدول العربية "المعتدلة". اللافت هنا، أن مصطلح التطبيع الذي اشتهر في زمن سلفه دونالد ترامب، استُبدل بمصطلح "الدمج" أو "الإدماج" في مسعى أميركي للارتقاء بسقف العلاقات العربية – الإسرائيلية إلى مستوى أعلى من التعاون والتحالف، وبالذات في الميادين الأمنية والدفاعية. لكن ما شهدناه على الهواء مباشرة، من وقائع لقمة (9 +1) في جدة، أظهر أن أحدا من القادة العرب، لم يُعر الأمر اهتماما يذكر أو أتى على ذكره، حتى أن الناطقين بألسنتهم، تسابقوا في إطلاق التأكيدات، بأن أحدا لم يحدثهم بالأمر أو يفاتحهم بمشروع من هذا النوع. انتهت جولة بايدن الشرق أوسطية، ولم ير "الناتو الشرق أوسطي" النور، حتى بعد أن أعطي اسما جديدا، أكثر تواضعاً وأقل استفزازاً، في البيان الأميركي – الإسرائيلي المشترك: "هيكل إقليمي". 

لكن ذلك، لا يعني أن بايدن عاد من المنطقة، صفر اليدين. فإدارة بايدن أنجزت ملف تيران وصنافير بين السعودية وإسرائيل، والأولى فتحت أجواءها للطيران المدني التابع للثانية، المتجه ذهاباً وإياباً إلى جميع وجهاته نحو آسيا والشرق الأقصى. ثمة خطوة، يختلف "الرواة" في تقدير أهميتها، قد قُطعت على درب التطبيع بين السعودية وإسرائيل. الأولى، لا تعتبرها تطبيعاً أو مؤشراً عليه، والثانية احتفت بها، كما لو كانت فتحاً مبيناً، وبصورة تطغى عليها المبالغة والرغبة في "مراكمة الانتصارات"، وإن كانت وهمية، عشية انتخابات الأول من نوفمبر للكنيست الخامس والعشرين. 

لا يعني ذلك أننا نعرف كل ما جرى إنجازه أو تم التداول به في هذا الموضوع الحساس، ونفترض (قُل لا نستبعد) أن يكون الجزء الأكبر من "جبل الجليد"، ما زال غاطساً تحت سطح الماء، لكن ما كانت إدارة بايدن وحكومة لبيد تشتهيان تحقيقه، هو ألا تظل علاقة المملكة بإسرائيل كعلاقة الرجل بعشيقته السرية، بل بزوجته الشرعية، فتكون الرياض "الجائزة الكبرى" التي انتظرتها إسرائيل، بيد أنها لم تتحصل عليها. 

رَغِبت واشنطن في تحشيد أصدقائها وحلفائها خلفها في حربها الكونية متعددة المسارات على روسيا على خلفية غزو الأخيرة لأوكرانيا، لكن ذلك لم يحصل، وبيان قمة جدة، كما البيان الأميركي السعودي، جاء حذراً ومتحفظاً وتفادى أي ذكر بالسوء لروسيا، "ونظرية عدم ترك الشرق الأوسط لفراغ تملأه إيران أو روسيا والصين"، لم تجد من يتلقفها من بين القادة العرب، وليس منظوراً بحال الذهاب أبعد من تكرار بعض العبارات المُستلّة من ميثاق الأمم المتحدة، عن احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة أو التلويح بها ومراعاة قواعد حسن. لا شيء أكثر من ذلك، وليس منظوراً أن تقدم الدول العربية بعد قمة جدة، على استحداث استدارة عمّا أنجزته على طريق تطوير علاقات متعددة المجالات مع كل من بكين وموسكو. 

قضية فلسطين ربما كانت مفاجأة الرحلة. بايدن لم يأت إلى المنطقة متأبطاً ملف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. ففي الوقت الذي احتشدت فيه جعبته بالمبادرات والمواقف المؤيدة من دون تحفظ لإسرائيل، وبدا ودياً للغاية لدى مخاطبته قادتها، مُتبعاً أقواله بالأفعال، جاءت زيارته الخاطفة لبيت لحم، مخيبة لآمال الفلسطينيين، إذ لولا بعض المساعدات الإغاثية والإنسانية لمستشفيات القدس ووكالة غوث اللاجئين-أونروا، لقلنا أن الرجل لم يحمل معه سوى الوعود الفضفاضة، والكلام "المُعفى" من الضريبة، حتى أنه لم يتردد عن القول، بأن "رؤية حل الدولتين" ليست في متناول اليد، وعاد وكرر في جدة القول ذاته، طالباً تركيز الاهتمام على "القضايا التي يمكن حلّها" أما تلك المستعصية على الحل، فلا يتعين الوقوف عندها طويلاً ووضعها في أساس العلاقات الإقليمية البينية، أو العربية – الأميركية. 

المفاجأة جاءت من جدة، عندما أجمع القادة العرب على إبراز المكانة المحورية لقضية فلسطين، وإجماعهم على المطالبة بحلها من دون إبطاء، بل وذهابهم للقول بأنها أساس السلم الإقليمي، وأن لا أمن ولا استقرار من دون حلها، ودائماً بالاستناد إلى الشرعية الدولية ومرجعيات عملية السلام ومبادرة السلام العربية، وحل الدولتين وفقاً لخطوط الرابع من حزيران 57 والقدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة. لقد غابت هذه المفردات عن قواميس عدد من العواصم لسنوات، لكنها عادت للظهور بقوة في جدة، وتلكم قضية بحاجة للتفكير والتفسير اللذين لا مجال لهما في هذه المقالة. 

لقد بعثت قمة جدة ببيانها الختامي وخطاباتها، رسالة "إنعاش" للفلسطينيين في رام الله وبيت لحم، بعد أن سادت في أوساطهم أجواء الخيبة والإحباط، وهم يرون كل هذا الدعم المتحمس لإسرائيل، وكل هذا الفتور في استقبال مطالبهم المشروعة بفتح أفق سياسي، وصولاً لإنهاء الاحتلال وترجمة حل الدولتين. 

خلاصة القول، فإن جولة بايدن جاءت بنتائج دون مستوى التوقعات، والأرجح أن بايدن العائد إلى الشرق الأوسط، قد وجد تغييراً كبيراً في أولويات دوله، وطرق صياغة قادتها لشبكة علاقتهم الإقليمية والدولية، والمؤكد أولاً؛ أنه يحتاج إلى ما هو أبعد من هذه الزيارة، لكي تستعيد دول المنطقة وحكوماتها الثقة مجدداً بالولايات المتحدة، والمؤكد ثانياً؛ أن الإدارة الأميركية بحاجة للنظر إلى المنطقة بعينين اثنتين، لا بعين إسرائيلية واحدة، والمطلوب ثالثاً؛ ألا تتخلى واشنطن عن مسؤولياتها في تناول "القضايا المستعصية"، حتى وأن كانت حلولها "بعيدة المنال"، لا أن تكفتي بإيلاء الاهتمام للقضايا الأسهل تناولاً، وهنا بالذات، تجسد إجماع قادة الدول التسع العربية المشاركة في القمة، أما المطلوب رابعاً؛ فيقتضي أن يعكف الرئيس وفريقه على إجراء جولة مراجعة أكثر عمقاً وشمولاً للاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وأن يتوقف عن النظر لهذا الاستراتيجية من بوابة ما تحتاجه إسرائيل فقط، أو وفقاً لحسابات الحملة الانتخابية.  

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.