الرئيس الأميركي، جو بايدن، والوفد المرافق له التقى ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في جدة
الرئيس الأميركي، جو بايدن، والوفد المرافق له التقى ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في جدة

قبل انتخابه رئيسا، وخلال الأشهر الأولى في البيت الأبيض انتقد الرئيس جوزف بايدن سياسات سلفه  دونالد ترامب في الشرق الأوسط، وتحديدا انسحابه من الاتفاق النووي الدولي الموقع مع ايران في 2015، وعلاقاته الوثيقة مع قادة المنطقة الاوتوقراطيين، وتجاهله التام لانتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة وخاصة صلاته الحميمة مع المملكة العربية السعودية والحماية السياسية التي وفرها لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي حملته اجهزة الاستخبارات الاميركية مسؤولية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي في قنصلية المملكة في إسطنبول في 2018.  السياسة الوحيدة التي اتبعها سلفي بايدن : ترامب وباراك اوباما، والتي اراد بايدن ان يواصلها فهي تخفيض الحضور العسكري في المنطقة الممتدة من جنوب آسيا مرورا بالخليج وانتهاء بشمال أفريقيا. الانسحاب السريع والفوضوي من افغانستان كان أفضل وأوجع تعبير عن هذه السياسة. بايدن اراد ان يحقق ما أخفق اوباما في تحقيقه، أي "التحول " الى آسيا وتحديدا مواجهة النفوذ الصيني في تللك المنطقة التي اصبحت المنطقة الاهم اقتصاديا لأميركا في العالم.  

ولكن الغزو الروسي لأوكرانيا الذي أحدث بلبلة كبيرة في امدادات واسعار النفط في الاسواق العالمية، والمضاعفات الاقتصادية المستمرة لجائحة كورونا التي عطلت وخفضت من حجم التبادل التجاري والنقل البحري ومعدلات التضخم الكبيرة الناتجة عنها والتي مسّت  بأسعار المحروقات والاغذية، كلها عوامل وضعت الرئيس بايدن في موقع دفاعي بعد انحسار شعبيته في الاشهر الماضية، ودفعت بأكثرية المحللين للقول ان الديموقراطيين سيخسرون أكثريتهم البسيطة في مجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفية في نوفمبر بسبب معدلات التضخم التي يعاني منها المستهلك/الناخب الاميركي يوميا عندما يتزود بالوقود او يشتري المواد الغذائية. 

وخلال الأسابيع التي سبقت الاعلان الرسمي عن جولة بايدن في المنطقة بدأ الرئيس ومساعديه في البيت الابيض ومجلس الأمن القومي، حملة اعلامية لتبرير اللقاء المحرج بين بايدن وولي العهد السعودي، والقول بان ضرورات التحديات الملحة تقضي بعدم التوقف عند تصريحات المرشح بايدن والذي وصف فيها السعودية بالدولة "المنبوذة"، وشملت هذه الحملة الاعلامية مواقف غريبة لا بل مضحكة مثل قول بايدن بانه لن يزور السعودية للقاء الامير محمد بن سلمان، بل للمشاركة في قمة مجلس التعاون الخليجي ومصر والعراق والاردن، وان الجولة تهدف الى اعادة تأكيد "القيادة" الاميركية في المنطقة، وتوسيع رقعة السلام الاقليمي بين اسرائيل وجيرانها والبناء على "اتفاقيات ابراهام" والتصدي للنفوذ الصيني والروسي في المنطقة، وفي الوقت ذاته التقليل من أهمية الطلب من السعودية زيادة انتاجها من النفط. ومعظم "الانجازات" التي تم الاعلان عنها خلال جولة بايدن مثل فتح الاجواء السعودية امام الطيران المدني لجميع الدول ( بمن فيها اسرائيل) واعادة جزر تيران الى السعودية، ومواصلة اتفاق وقف اطلاق النار في اليمن، وتعزيز التعاون في مجالات الاتصالات وغيرها مثل زيادة المساعدات المالية للفلسطينيين، كلها لا تستدعي زيارة رئاسية. ولكن "اعادة تقويم" العلاقات مع السعودية واعادة الاعتبار الدولي لولي العهد السعودي تتطلب تراجع بايدن (عمليا وليس بالضرورة رسميا) عن انتقاداته القاسية للسعودية وولي العهد.  

أي نظرة أولية  وسريعة على الجولة وخاصة محطتها السعودية، تبين انها حققت انتصارا لولي العهد السعودي الذي تصرّف وكأنه ند لرئيس الولايات المتحدة، لان بايدن اضطر الى تجاهل انتقاداته للأمير السعودي وتراجع عن التزاماته بحقوق الانسان حين ادلى بسخاء على اداء القادة الاوتوقراطيين الذين اجتمع بهم في جدة، مثل الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي. كل تصريحات وخطب الرئيس بايدن حول طبيعة الصراع العالمي اليوم بين معسكر الدول الديموقراطية ومعسكر الدول الاوتوقراطية تبخرت فور هبوط طائرته في اسرائيل.  

بايدن كرر التزامه اللفظي بحل الدولتين، ولكنه اوضح للفلسطينيين ان حصولهم على دولتهم المستقلة "لن يحدث في المستقبل القريب" .عمليا، بايدن كان يعلن عن نهاية "عملية السلام" بين الفلسطينيين واسرائيل. حل الدولتين، او محاولة احياء المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية غابت عن جدول اعمال بايدن، كما كانت غائبة عن جدول اعمال دونالد ترامب حين زار اسرائيل والسعودية في بداية ولايته. اعلان بايدن عن توفير مساعدات مالية الى الفلسطينيين، يعيدنا الى السجال العقيم حول وضع الفلسطينيين تحت الاحتلال قبل اربعة عقود حين حاول الاسرائيليون استبدال الحديث عن الحقوق الوطنية للفلسطينيين بعبارة "تحسين نوعية الحياة" للفلسطينيين في ظل الهيمنة الاسرائيلية. موقف بايدن غير مفاجئ. ومنذ انتخابه وهو يسعى مع وزير خارجيته أنطوني بلينكن الى تكرار الالتزامات الرسمية حول حل الدولتين وحق الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي بالعيش في أمان والتمتع بحقوق متساوية، ولكن مع رفض القيام بأي مبادرة  لتحقيق هذه الاهداف.  

حتى القرارات التي الزم بايدن نفسه باتخاذها مثل اعادة فتح القنصلية الاميركية في القدس (للإشراف على العلاقات مع الفلسطينيين) او اعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وهي التزامات عارضتها اسرائيل بشدة، تراجع عنها عمليا ولم يتطرق اليها خلال زيارته.  جميع تصرفات بايدن تقول بوضوح انه لا يريد ان يتحمل اعباء  إحياء مفاوضات السلام بين اسرائيل والفلسطينيين. ولذلك لم يكن من المفاجئ ان لا يصدر عن لقاء الرئيس بايدن بالرئيس الفلسطيني محمود عباس بيان مشترك. في اسرائيل مشى بايدن على خطى سلفه ترامب في دعمه غير المشروط لإسرائيل، لا بل تخطاه بطريقة غير معهودة لم يعتمدها أي رئيس أميركي من قبل. وخلال كلمته الترحيبية مع رئيس وزراء اسرائيل ياثير لابيد قال بايدن " يجب ان تبقى اسرائيل دولة مستقلة، ديموقراطية ويهودية- يجب ان تبقى الضمانة المطلقة، والضامن لأمن الشعب اليهودي ليس فقط في اسرائيل بل في جميع انحاء العالم. أنا أؤمن بذلك في صميمي". ما الذي يعنيه هذا الكلام لليهود الاميركيين، الذين يعيشون في دولة ديموقراطية تفصل بين الدين والدولة وتضمن لهم جميع حقوقهم المدنية والسياسية كما تضمنها لجميع مواطنيها؟ 

قيل الكثير من الكلام السخيف  في التعليقات حول الفرق بين تبادل القبضات بين بايدن وولي العهد السعودي بدلا من المصافحة التقليدية، ما يعني ان شكل اللقاء طغى على حقيقة حدوثه. زيارة بايدن الى السعودية ولقائه بالامير محمد بن سلمان وّفر لولي العهد السعودي الفرصة لان يدعي انه أصبح ندا للرئيس الأميركي الذي "تنازل" وزاره في المملكة، واعاد الاعتبار السياسي له، بعد ان سبقه الى ذلك الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في ديسمبر الماضي، وبعده رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون في مارس. فور تبادل القبضات بين بايدن والامير محمد وسيرهما معا الى مقر الاجتماعات سارعت وسائل الاعلام السعودية الى بث الصور، ووصل تشدق بعض المعلقين السعوديين للحديث عن مجيء بايدن الى السعودية لطلب "الغفران" بعد اساءته للمملكة. مجرد زيارة بايدن للمملكة هي انتصار للحاكم الفعلي للسعودية والذي يبدو انه خرج من مستنقع جريمة اغتيال جمال خاشقجي دون أي خدوش تقريبا.    

الرئيس بايدن الذي اراد في بداية ولايته ان يواصل تخفيض "البروفيل" الاميركي والسياسي في المنطقة، أكد للقادة الذين التقى بهم في جولته ان الولايات المتحدة باقية في المنطقة ولن تنسحب منها، وانها لن تترك أي فراغ أمني او سياسي او حتى تقني لكي تملأه الصين أو روسيا. اليد الاميركية الممدودة للأوتوقراطيين في المنطقة، هي تراجع آخر من رئيس اميركي حول تعهدات سابقة بالضغط من اجل اقامة الحكم الصالح واحترام الحقوق الاساسية المدنية والسياسية لشعوب المنطقة. الرؤساء الاميركيين منذ الرئيس جيمي كارتر في سبعينات القرن الماضي يتحدثون عن ضرورة احترام حقوق الانسان في العالم. الرئيس الاسبق جورج بوش الابن حاول الدفع بأجاندة الحرية في الشرق الاوسط، لكي يتراجع لاحقا عنها بعد ان جاءت الانتخابات التشريعية بالحركات الاسلامية الى بعض البرلمانات العربية. باراك اوباما القى خطابا تاريخيا في القاهرة حول فتح صفحة جديدة مع العالم الاسلامي ودافع عن حقوق الانسان وسعى الى تحقيق حل عادل للقضية الفلسطينية. ولكن اوباما تراجع عن طموحاته في وجه الردة الاوتوقراطية العربية ضد الانتفاضات الشعبية، وبعد بروز الحركات الاسلامية المتطرفة والارهابية.  

ما حققه بايدن من "انجازات" محدودة خلال زيارته لن يغير كثيرا من حقيقة ان المنطقة قد تغيرت كثيرا منذ آخر زيارة له كنائب للرئيس قبل 6 سنوات. حكام المنطقة لن يأخذوا تعهداته الجديدة وكأنها منقوشة على حجر. ونظرة معظمهم له مماثلة لنظرتهم السلبية لسلفه باراك اوباما. هناك تحالفات جديدة، وربما الافضل وصفها ائتلافات جديدة بين بعض دول المنطقة، لا أحد يعلم ما اذا كانت ثابتة او دائمة او مرحلية، لانها قائمة بين دول يحكمها رجال اقوياء يجمعهم الخوف والقلق من قوة اقليمية هي ايران، تراها اسرائيل كعدو بينما تراها دول خليجية مثل السعودية ودولة الامارات كخصم لا تريد بالضرورة التورط في حرب معه، بينما هناك دول اخرى مثل قطر والكويت وعمان والعراق تريد الحفاظ على علاقات طبيعية او شبه طبيعية مع ايران. وهناك مباحثات بين دولة الامارات وايران بهدف استئناف العلاقات الديبلوماسية، وهناك اتصالات سعودية-ايرانية تجري بوساطة عراقية. دول المنطقة تدرك ايضا ان المناخ السياسي السائد في الولايات المتحدة في الكونغرس وفي المجتمع لا يريد ان تتورط الولايات المتحدة في أي حرب جديدة في المنطقة، حتى ضد دولة متطرفة مثل ايران. هذا التقويم، دفع ببعض الدول في المنطقة لبناء علاقات عسكرية وتقنية متطورة مع الصين، وعلاقات اقتصادية وتنسيق نفطي مع روسيا. زيارة بايدن وتطميناته العلنية لن تغير من مواقف وشكوك قادة هذه الدول في قدرة او رغبة الولايات المتحدة على البقاء في الشرق الاوسط في المدى البعيد. 

عاد بايدن الى واشنطن دون الحصول على التزام واضح من ولي العهد السعودي بزيادة ضخ النفط بما يمكن ان يؤثر ايجابا على اسواق النفط واسعاره. ولكن الواقع هو انه حتى ولو ارادت السعودية ودولة الامارات زيادة انتاجهما من النفط الى اقصى مستوياته فان المشهد النفطي لن يتغير جذريا، لانه وفقا لما كتبه الخبير المعروف بشؤون الطاقة دانيال ييرغن " لا يبدو ان هناك مخزون كبير من النفط الفائض في السعودية او في دولة الامارات الذي يمكن انتاجه بسرعة". في المقابل تواجه دول اخرى منتجة للنفط وفقا للخبير ييرغن عقبات في الحفاظ على معدلات انتاجها الحالية بسبب نقص المعدات وانحسار الاستثمارات في قطاع النفط في اعقاب جائحة كورونا. لكل هذه الاسباب يجب ان لا يتوقع المستهلك الاميركي والاوروبي أي تغيير نوعي في اسعار المحروقات في المستقبل القريب. وهذا يعني ان الرئيس بايدن لن ينجح في ترجمة زيارته للسعودية الى انتصار انتخابي في نوفمبر المقبل. 

زار بايدن الشرق الاوسط لا لينقض، بل ليكمل. لم يأت الى المنطقة ليمحو الآثار السلبية لأسلافه، وخاصة دونالد ترامب في الوقوف  الى جانب الحكام الاوتوقراطيين، ودعمهم سياسيا وعسكريا، ولم يأت ليبشر بحقوق الانسان، وان غرّد بعض الشيء في هذا المجال، ولكن بطريقة لم تزعج أي من مستمعيه. بايدن جاء الى الشرق الاوسط ليقول لقادته العرب بالتحديد، ان مستقبل العلاقات الاميركية-العربية هو في استعادة ماضيها، وان مستقبل الشرق الاوسط الذي سينظر اليه وهو في البيت الابيض هو بالفعل ماضي الايام الآتية.   

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!