تجمع انتخابي في الولايات المتحدة في فبراير عام 2020  (تعبيرية)
تجمع انتخابي في الولايات المتحدة في فبراير عام 2020  (تعبيرية)

في كل تفصيل من كلمته التي ألقاها في "قمة جدة للأمن والتنمية"، كان الرئيس الأميركي، جو بايدن، يؤكد على أن الاستراتيجية الحديثة للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، صارت قائمة على قطيعة مع ما كانت عليه "استراتيجية ما بعد الحادي عشر من أيلول"، حتى أنه صار يوحي بأن هذه الاستراتيجية الجديدة ستكون مناقضة تماماً لتلك التي كانت. 

قبل عقدين من الزمن، وتحت تأثير عوامل ضاغطة متعددة ومتراكبة: من أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى صعود طبقة المحافظين الجدد في السياسة الأميركية، مروراً بالشخصية الخاصة التي كانت للرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، وليس انتهاء بفورة الاقتصاد الأميركي، اتخذت الولايات المتحدة رؤية وبرنامجاً سياسياً استراتيجياً ضخماً خاصاً بالشرق الأوسط، قام أساساً على تشجيع ودعم الديمقراطية: تحويلها إلى قيمة معيارية للعلاقات الأميركية مع قوى المنطقة، وخلق مظلة سياسية كبرى للدفع وحماية القوى المحلية والإقليمية ذات النزعة والمطالبات الديمقراطية. 

راهناً، تم التخلي التام عن كل ذلك.

إذ في المبادئ الخمسة التي حددها بايدن خلال كلمته، كإطار وقيمة وأداة قياسية للاستراتيجية الأميركية الجديدة، ثمة تأكيد على "سيادة دول المنطقة". الأمر الذي يعني فعلياً إلغاء أي فروض أو تدخلات أميركية، أو حتى ملاحظات، فيما خص الأوضاع الداخلية لبلدان المنطقة، ليس فقط في مسائل الديمقراطية والحريات السياسية والعامة، بل حتى فيما يخص قضايا حقوق الإنسان. التي أشار إليها الرئيس الأميركي بشكل عارض، في البند الخامس والأخير من كلمته، وبجملة واحدة فحسب، مستدركاً مباشرة " الحريات مهمة جداً وضرورية لنا كأميركيين". 

هذا التحول أو الانقلاب في الاستراتيجية الأميركية للشرق الأوسط، من دعم الخطابات والتطلعات والنزعات الديمقراطية، نحو التأكيد على سيادة الدول والأنظمة واستقرارها وهيمنتها على مجالها الداخل، حدث لطَيف من الأسباب، المحلية والإقليمية والدولية، ساهمت جميعاً في خلق التموضع الحالي، حيث من المتوقع أن تتحول إلى بنية تحتية للاستراتيجية الأميركية خلال العقود القادمة، حسب هذه المُعطيات. 

فشل المشروع الأميركي في العراق كان على رأس تلك العوامل الدافعة لذلك. الوحل العراقي الذي كان خلال الأعوام (2003-2008) قد خنق كل التطلعات والرؤى الأميركية للعراق، ولكامل الشرق الأوسط. 

فالولايات المتحدة كانت تعتقد وقتئذ أن العراق سيكون النموذج أو المثال لما سيحدث ويُنجز في البلدان الأخرى، سيتحول نظامها السياسي القائم على القيم والآليات الديمقراطية إلى منارة تستهدي بها القوى والمجتمعات والتنظيمات الطامحة لتحقيق نماذج موازية في البلدان الأخرى، "نظرية الدومينو" الأميركية الشهيرة وقتئذ. 

لم يحدث ذلك قط. فمن جهة أظهرت النُخب السياسية والثقافية، ومعها المجتمعات المحلية العراقية، فشلاً ذريعاً في التبني السريع للآليات الديمقراطية، إذ لم نقل عطباً في ذلك المجال. بدلاً عن ذلك، غرقت في مذبحة طائفية ومناطقية وطبقية كبرى، وأظهرت جاهزية تامة للانسياق في الولاءات وأشكال الاستقطاب والصراعات لصالح هذا الفاعل الإقليمي أو ذاك، مما أحبط التفاؤل الأميركي، داخل العراق أو إمكانية تكراره في البلدانٍ الأخرى.

أعمق ما فعلته التجربة العراقية بالاستراتيجية الأميركية كان خلق إحساس باستحالة أن تكون "الدمقرطة" مشروعاً سياسياً وعسكرياً مفروضاً من الخارج، غير منبعث من طبيعة التحولات داخل هذه الدول والمجتمعات، ونتيجة لصراعاتها وتجربتها الذاتية. 

كذلك كانت تجربة العراق درساً لصانع القرار الأميركي في قدرة القوى أو الأنظمة الإقليمية على التعاون الموضوعي فيما بينها، لإفشال أي مشروع أو تطلع لخلق دمقرطة ما، في أي بلد إقليمي آخر كان. 

تعاضدت الدول الإقليمية في ذلك، بالرغم من الشروخ السياسية والصراعات الأمنية والمزاحمة الاقتصادية فيما بينها، وأظهرت سلوكاً سياسياً غريزياً معادياً لتلك الدمقرطة، متجاوزاً لأي طبائع أو خصائص أخرى في بنيتها.

لسوء طالع بالغ، تلاقت ذروة الإخفاق الأميركي في العراق مع تحول دراماتيكي في طبيعة النخبة والنزعة "القائدة" للولايات المتحدة: من الحزب الجمهوري المتبني لأيديولوجيات ورؤى المحافظين الجدد التدخلية، إلى عهد باراك أوباما المحافظ سياسياً، الراغب بشدة للانسحاب من "المغامرات" الخارجية، والنازع نحو تحويل الاقتصاد ومنطقة شرق آسيا إلى بؤرتي تركيز رئيسيتين للاستراتيجية الأميركية تجاه العالم، وتالياً التخلي الثنائي المقابل للأمرين: الأيديولوجيا التبشيرية ومنطقة الشرق الأوسط. 

جشع الإسلاميين واندثار الآمال التي كانت معلقة على موجة الربيع العربي كانت العامل الثالث والأكثر حيوية فيما طرأت على الاستراتيجية الأميركية من تحولات. 

فالربيع العربي أظهر ترابطاً عضوياً بين أي تغيير جذري قد يحدث في أي دولة إقليمية ما، وبين اندلاع الفوضى العمومية. هذه الفوضى التي غدت تؤثر على الأمن القومي للعديد من حلفاء الولايات المتحدة، بالذات دول المنظومة الأوروبية، وغدت تهدد بتفجير سيول المهاجرين والمحبطين، الذين غالباً ما يكونون حطباً لنزعات التطرف، ودون أية معطيات حول إمكانية تجاوزه في الأفق المنظور. 

كذلك أثبتت هبّة الربيع العربي أن الإسلاميين هُم البديل الجاهز، وشبه الوحيد، لأنظمة الشمولية السياسية. هؤلاء الإسلاميون الذين أثبتوا في كل مثال فظاعة نزوعهم لنيل السلطة وفرض الأيديولوجيات القمعية على مجتمعات هذه الدول، وتالياً تهيئة الأرضية المناسبة لتراكم التطرف الأيديولوجي والحروب الأهلية المستدامة في مختلف تلك البلدان. 

الإسلاميون كان قوة الإعاقة المركزية لإمكانية دمقرطة المنطقة، لأنهم منحوا طرفي الصراع أداتين تحطيميتين لذلك التطلع. فعبرهم صارت الأنظمة الشمولية الحاكمة تملك عصاها السحرية: "إما نحنُ أو المتطرفون والفوضى". كذلك دفعوا المجتمعات لأن تُكدس مرارات وشعوراً دفيناً بالقرف من أي خطابات أو دعوات لتغيير الأنظمة الشمولية وتشييد البنى الديمقراطية.  

في ظلال ذلك، لم تجد الولايات المتحدة أي مكانة لها أو إمكانية لاجتراح ما هو ذو قيمة مضافة من خلال دعم النزعات والقوى الديناميكيات المتبنية للديمقراطية في هذه البلدان. 

أخيراً، فإن التحول النوعي في الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط ترافق مع زيادة دور ونفوذ وقدرات قوى "إعاقة الديمقراطية"، في المستويين الإقليمي والدولي على حدٍ سواء.

خلال العقدين الماضيين، صعدت روسيا والصين كقوتي مزاحمة للولايات المتحدة، بنظامين قادرين على جذب وحماية الأنظمة والتوجهات المناهضة للولايات المتحدة وخياراتها السياسية، تلك الأنظمة التي، لغير صدفة، هي عكس كل خيار أو خاصية ديمقراطية. 

كذلك صعدت القوى الإقليمية ذات نفس النزعة المعادية تلك السياقات الديمقراطية. بعضها راكم ثروات مالية وقدرات اقتصادية هائلة، قادرة على تحويل تلك الأموال إلى فاعل ذو تأثير على مختلف أحداث ودول العالم، فكيف بالأحوال الإقليمية. وبعضها الآخر راكم عدداً هائلاً من الفصائل المسلحة وتنظيمات الشغب، وصارت تتصرف في منطقة الشرق الأوسط كـ"دبٍ في محل لبيع الخزف". 

كل تلك العوامل دفعت الولايات المتحدة لأن تكون أكثر حذراً وأقل أملاً في إمكانية تحقيق قيمة ومنجز ديمقراطي في الأفق المنظور، وصارت تتطلع لأن تكون شديدة الواقعية، وتؤمن في باطن وعيها بأن هذه الأنظمة التي تكرست طوال قرابة قرنٍ كامل، وفي الكثير من الأحيان بدعم من الولايات المتحدة، ليست مجرد بيادق ودُمى، في الرقعة الإقليمية، التي كانت الولايات المتحدة تعتبرها يوماً "مجرد دومينو". 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.