الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصل لطريق مسدود في الحرب على أوكرانيا
بوتين يراهن على تحويل علاقته مع إيران إلى تحالف ثنائي.

يأتي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طهران مع نظيره التركي طيب رجب أردوغان في قمة يمكن وصفها بالمتعددة الزوايا، كونها في مكان ما ثنائية بين موسكو وطهران، الطرفان الأكثر حاجة إلى بعضهما في المرحلة المقبلة. 

بوتين يراهن على تحويل علاقته مع إيران إلى تحالف ثنائي يعزز الموقف الروسي في مواجهة واشنطن في منطقة الشرق الأوسط، ويعتمد على توازن جغرافي وديمغرافي إضافة للثورات حيث تمثل طهران توازنا كميّا ونوعيا، ما يساعد موسكو على تخفيف قلقها من التفاهمات العربية الأميركية بعد قمة جدة. 

لذلك تحاول موسكو استثمار المخاوف الإيرانية من فكرة عزلها إقليميًا وتدفعها إلى التموضع أكثر إلى جانبها خصوصا بعدما برزت الحاجة الروسية الملحة إليها في سوريا، وفي التحايل على العقوبات وفي التوازن مع دول الخليج وأخيرا في موضوع المسيّرات، حيث هناك حديث جدي عما يمكن تسميته صفقة الطائرات المسيرة مقابل مساعدة إيران على التخفيف من حدة أزمتها الغذائية.

أما القمة في بعدها الثلاثي فهي تأتي ضمن الحاجة الإيرانية الروسية المشتركة في محاولة احتواء الموقف التركي وإرضائه حتى لا يندمج أكثر في علاقاته الغربية وخصوصا الناتو، ويأتي هذا الإصرار على احتواء أنقرة باعتبار أنها شريك جغرافي وممر إلزامي بين القوقاز وشرق المتوسط والخليج العربي. 

وهذا يفرض ضرورة تفهم حساباتها وموقعها كونها من ضمن الناتو من جهة وشريكا في إعلان إستانا بخصوص سوريا من جهة أخرى، وتتحكم  بجزء أساسي من الصراع الأذري الأرمني، الأمر الذي يدفعهما إلى عدم ابتزازها أو دفعها إلى الانحياز الكامل للجهة الأوروبية الأميركية، لأن ذلك سيؤدي إلى خسارتهما لكثير من المنافع الإستراتيجية والاقتصادية. 

وذلك يحتم على موسكو وطهران التعامل بليونة مع أي موقف يرتبط بأنقرة في سوريا، بالرغم من انحيازها ضد النظام وضد الفصائل الكردية، وعدم التصعيد بوجهها حتى وهي تلوح بعملية عسكرية تجبر الأكراد على التراجع 30 كلم عن الحدود مع تركيا، إذ من المتوقع أن تتفهم طهران وموسكو المطالب التركية، وتخضعان لبعض شروطها بالرغم من الموقف التركي الملتبس في أوكرانيا، وهذا ما تنبهت إليه أنقرة ومارست انتهازية سياسية لتعزيز مكاسبها من الجهتين الروسية والأميركية في سوريا وفي أوكرانيا، حيث يطبق عليها المثل الشعبي "يأكل على الفكين".

من الواضح أن قمة بوتين المستعجلة في طهران تشير إلى أن موسكو مستعدة للتعامل بمرونة مع حسابات طهران وأنقرة المختلفة في قضايا استراتيجية والمتقاطعة في مواضع تكتيكية تحكمهما الجغرافيا والثروة. 

ولكن حسابات موسكو الأساسية هي في انتزاع موقف أكثر وضوحا من طهران مستغلة التوتر الإيراني من زيارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، لإسرائيل أولا وما صدر من تصريحات أميركية إسرائيلية مشتركة تجاه إيران، وخصوصا موضوع إمكانية امتلاكها للقنبلة النووية والتي دفعت واشنطن إلى القول إن الخيار العسكري لم يزل قائما بحال فشلت الدبلوماسية، وهذا ما تعاملت معه طهران كتهديد حقيقي. 

ثانيا، ما صدر عن قمة جدة التي أكد بيانها الختامي على ضرورة احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها وعدم تهديد مصادر إنتاج الطاقة والتوقف عن دعم الميليشيات والجماعات المسلحة والإرهاب، وهذا ما يطال مباشرة مشروع النفوذ الاقليمي لإيران.

بانتظار ما ستسفر عنه القمة من نتائج وإذا كانت خيارات أنقرة محدودة ومعروفة وهي تستخدم الجغرافيا البرية والبحرية في لعبة ترويض موسكو وكسب طهران، إلا أن الأخيرة باتت خياراتها ضيقة بعد التموضع الأميركي الخليجي في جدة وفشل التوصل إلى اتفاق نووي في هذه المرحلة، حيث إنها ستكون معرضة للعزل أكثر إذا قررت عزل نفسها شرقا.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!