حرفياً الماضي "مستمر" في الكون، كما الحاضر والمستقبل
حرفياً الماضي "مستمر" في الكون، كما الحاضر والمستقبل

"تُظهر الصور عناصر الكون كما كانت قبل 13 مليار سنة، مما يعيد تشكيل فهمنا للكون".

 جملة شرحية مختصرة لإنجاز حققه تليسكوب "جيمس ويب" الفضائي التابع لوكالة "ناسا" بالتقاط أول صورة ملونة له منذ انطلاقه، عبارة عن لمحة تحتوي على مجموعة هائلة من المجرات والنجوم، للدقة صورة لما كانت عليه المجرات بما فيها من نجوم وكواكب قبل 13 مليار سنة، أي من الماضي. حرفياً الماضي "مستمر" في الكون، كما الحاضر والمستقبل. خطوة محتملة لإعادة "فهم" تشكيل الكون في لحظات انفجاره الأولى.  

بدأ هوسي في محاولات فهم الأساسيات المبسطة لعلم الكونيات قبل سبع سنوات من الآن، تحول من فضول لما يجري في السواد الأعظم إلى مهرب شخصي من الواقع اليومي الأرضي، ولا يزال.

حينها، قررت البحث في أمازون بهدف شراء تليسكوب متواضع الخاصيات والصناعة كهدية عيد ميلاد لشريكي الذي كان يحلم باقتناء واحداً في طفولته. لم أكن أتوقع بأن تقديم هدية لشخص أحبه تحقيقاً لحلم طفل لم ألتق به، سيجرني إلى أكثر الأماكن سلاماً وطمأنينة، تمرينات ذهنية تعادل بوح الصدمات غير المحلولة في غرفة المعالج النفسي. الفارق هنا بأن غرف الكون بلا أبواب ونوافذ، غرف بلورية شفيفة لا منتهية. الماضي لا يمضي، والحاضر كرة بلورية يتنبأ بمستقبل موجود مسبقاً. أزمنة وحيوات غير مرئية. مبهم، مثير للاهتمام والذهول. شعر من السحر الخالص والمعادلات الرياضية الفيزيائية. ونحن جزء من هذه المعادلة اللامنتهية. بسبب بداهة الوجود لا نشعر بعظمة الحدث ونذوب في الأزمات عوضاً عن الانتشاء. شخصياً على الأقل.

أزلنا الغطاء البلاستيكي عن الخمسة عشر قطعة (خردة للدقة) وجمعناها بصعوبة ليتشكل نهايةً تليسكوب أشبه بقطعة مفقودة من ألة كهربائية ما كمفصل مفكوك من غسالة أو براد معطل. لا قواسم جمالية مشتركة مع تليسكوب "هابل" أو حتى "جيمس ويب" بكل تأكيد. وسط ظلام مقبول نوعاً ما، بمحاذاة منزلي القديم، حينها كانت محطة بناء، وضعنا التليسكوب وأعيننا. كانت المرة الأولى ألمح فيها كرة بيضاء مشعة يدور حولها بسرعة ملحوظة كرتين صغيرتين. كان المشتري وقمراه. اتضح لاحقاً أن المشتري لديه حوالي 80 قمر. هكذا بكل بساطة، 80. ليست أقماراً بالشكل السائد لمفهومنا للقمر الأرضي لكن تفعل خصائصه. تحيل الفكرة إلى التساؤل عن امتلاك الأرض لقمر واحد. الجواب مهما كان غير مهم، سيبقى واحداً.

المبهر حقيقة في النظام الكوني، المفهوم اللامنتهي من النتائج والأحداث التي يرتبط فيها أصل الأشياء بالظواهر نفسها المسببة نهايةً لنتيجة حتمية، الزوال من الشكل الحالي، خاصةً فيما يرتبط بالنهايات الكونية، من نهاية الأرض إلى نهاية الكون. جميعها مسببات حتمية لنتيجة واحدة التغيير المستمر.

أعني الشكل المستقر لمجرة درب التبانية في الحقيقة مؤقت. يقال، على بعد ملايين السنوات من الآن، فإن مجرة درب التبانة كما نعرفها ستنتهي من "الوجود" أو أقلها كما نعرفها حالياً. مراحل التغيير والانهيار يبدأ بانزلاق المجرتان (درب التبانة والمجرة الأقرب لها، مجرة آندروميدا) أمام بعضهما البعض وتتباعدان بعد هذا الاصطدام الذي يوازي بتأثيره انفجار ملايين من القنابل النووية. بعدها تضرب الجاذبية المكابح وتعيدهما معًا. عندما تندمج "أندروميدا" مع مجرة درب التبانة، ستفقد كلاهما هيكلهما الشبيه بالقرص، مما يشكل لاحقاً مجرة إهليجية واحدة أطلق عليها بعض علماء الفلك اسم "ميلكوميدا". ماذا سيحصل للأرض؟ مبهم. لكن بكل تأكيد الشكل المستقر الحالي سيختفي إلى الأبد، تخيل مخيف وجميل. على جميع الأحوال لن أكون ولن يكون جميع من أعرف الآن، أعني سنة 2022.

مع الاحتمالات الواسعة والتنبؤات غير المنتهية، وجود بما يسمى بالسايبورغس أو البشر الأليين في المستقبل كجزء من المجتمع "البشري" أصبح بديهياً. وجودهم يعني سهولة اكتشاف الكون أسرع.

 بكل تأكيد هي طرق لا اخلاقية، تصنيع محاكاة بشرية لاستخدامها في أكثر المهمات خطورة، استغلال يشابه في وقتنا الحالي استخدام الأجساد البشرية الأقل حظاً من حيث الوضع السلطوي والمادي في أكثر المهمات التي تعتبر في المفهوم الأرضي "لاأخلاقية". 

الجميل في مفهوم تصنيع آلات بشرية هو مفهوم خلق محاكاة لجسد أقوى وأصلب من خالقه، المعادلة المعاكسة لمفهوم الخلق الشائعة. في جميع السرديات، الخالق جبار، لا يُرى، مجهول، قواه تتخطى المعقولات البشرية. جسده أعلى شأناً من أن يتخيل. لكن هنا، نحاول صناعة روبوتات للقيام بأشياء لا يستطيع البشر القيام بها. يمكن لأجسادها الحديدية أو المطاطية أن تتحمل ظروف مهولة من القسوة، كالبحث عن علامات الحياة داخل الكتل الجليدية في أماكن معينة ومختلفة من النظام الشمسي، كالمحيطات الجوفية لقمر المشتري "يوروبا" أو قمر زحل "إنسيلادوس" أو حتى سفرها ضمن درجات حرارة قصوى أو مستويات عالية من الإشعاع. على مستوى التجارب الكونية إمكانية تصميم روبوتات للقيام بأشياء تنطوي على مخاطرة كبيرة أو مستحيلة بالنسبة لرواد الفضاء بدأت وإن لم يكن الشكل حرفياً يحاكي الجسد البشري لكن في المستقبل سيفعل.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.