لم يكن إفلاس سريلانكا مفاجئاً
لم يكن إفلاس سريلانكا مفاجئاً

شاهد العالم عشرات آلاف المتظاهرين السريلانكيين وهم يملؤون شوارع كولومبو وبضعة مئات منهم وهم يقتحمون القصر الرئاسي بعد هروب الرئيس نتيجة الاحتجاجات الشعبية المتواصلة ضدّه منذ عدّة أشهر، والتي كان سببها أزمة اقتصادية خانقة تعرّض لها هذا البلد بعد نضوب احتياطات العملة الصعبة وبعد عجز الحكومة عن سداد ديونها الخارجية وعن استيراد الوقود والغذاء والدواء، وكانت سريلانكا قد وقَعت قبل عقدين تحت حكم عائلة راجاباكسا التي حمّلتها المعارضة مسؤولية هذه الأزمة الاقتصادية لاستشراء الفساد والمحسوبيّة وتبنّي سياسات اقتصادية خاطئة.

ولم يكن إفلاس سريلانكا مفاجئاً فقد تجاوزت ديونها الخارجية خمسين مليار دولار وهو رقم كبير جداً مقارنةً مع ناتجها القومي، كما فاقت مصاريفها مداخيلها منذ عدّة سنوات حتى وصلت إلى حد الاقتراض لشراء حاجاتها الغذائية، وكان عليها في العام الحالي "2022" تسديد أقساط بسبعة مليارات دولار.

وتعدّ الصين الدائن الأول لسريلانكا بنسبة تتراوح بين 10 و17 في المائة من مجمل ديونها الخارجية، ولكن يُعتقد على نطاق واسع أن هناك ديون أخرى للصين ممنوحة من بنوك وشركات صينية إلى مؤسّسات في سريلانكا، فقد قالت دراسة أجرتها "إيد داتا" وهي هيئة تنمية دوليّة إن نصف القروض التي تقدّمها الصين لا يتمّ الإبلاغ عنها وتبقى خارج الميزانيات الحكومية ويتم توجيهها مباشرةً إلى شركات ومؤسّسات مملوكة للدول أو في تنفيذ مشاريع مشترَكة، بدَل أن تكون عملية شفّافة تجري بين حكومة وأخرى، وقالت الدراسة إن أربعين دولة تتبع هذا النوع من الدين المخفي.

وهناك مثال يُساعد في فهم الأسلوب الذي تتّبعه الصين مع الدول الفقيرة، فقد موّلت الصين عام 2007 بناء ميناء هامبانتوتا جنوبي سريلانكا والذي يُشرف على الممرّ البحري الإستراتيجي المزدحم في المحيط الهندي بفائدة ثابتة 6.3 في المائة سنويا، وفي عام 2012 أخذت سريلانكا قرضاً آخر من بنك صيني بقيمة 757 مليون دولار لجعل هذا الميناء صالحاً لنقل الحاويات ولكن المشروع بقي خاسراً فتمّ مَنح استثماره وإدارته إلى شركتين صينيتين دون نتيجة، فقامت سريلانكا بتأجير بين 70 و80 في المائة منه للصين لمدة 99 عاماً.

وقال كليو باسكال من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إن "النمط الذي تتّبعه الصين هو تقديم القروض بشروط مُرهقة ودَعم الحكومات السلطويّة خاصة التي تعاني من أزمات مالية ثم تستولي على كل شيء تجده، فالميناء السريلانكي الذي وضعت الصين يدها عليه يتيح للبحرية الصينية قطع الممرّات المائية في المحيط الهندي، وليس من قبيل المصادفة أن جيبوتي الواقعة في القرن الإفريقي المُثقلة أيضا بالديون لصالح الصين هي الآن مركز لقاعدة بحرية صينية".  

وضمن نفس السياسة قدّمت الصين قروضاً لسريلانكا لبناء مركز مؤتمرات كان من النادر استخدامه ولإنشاء مطار لم يغطّي دخله فاتورة استهلاكه للكهرباء، وكذلك لشق طرق وبناء جسور ومشاريع عقارية لا تدرّ دخلاً، بما أسماه نائب الرئيس الأميركي السابق مايك بنس إستراتيجية فخّ الديون، التي انتهت بإفلاس سريلانكا.

ولذلك استنجدت سريلانكا بالصين في شهر إبريل الماضي طالبةً منها إعادة جدولة ديونها وتأجيل دفعة من 2 مليار دولار كان عليها تسديدها لها خلال العام الحالي، وقال المتحدث باسم الحكومة السريلانكية إن الصين رفضت هذا الطلب لأنها لا ترغب بالقيام بمثل هذه السابقة، فطلبت سريلانكا قرضاً إضافياً وكذلك لم تتجاوب الصين، بما يؤكّد ما قاله المدّعي العام الأميركي السابق وليم بار "بكين تُثقل كاهل البلدان الفقيرة بالديون وترفض إعادة التفاوض من أجل جدوَلة الديون بما يسمح لها بالسيطرة على البنية التحتية التي ساهمت في بنائها"، لأن سريلانكا مثل الكثير من الدول المتعثّرة تلجأ إلى بَيع بعض الأصول عندما تعجز عن تسديد أحد الأقساط.

ويبدو أن هذه السياسة الصينية مقصودة لأنّ ديون الصين للدول الفقيرة ومتوسطة الدخل قد ارتفعت ثلاثة أضعاف خلال العقد الماضي لتبلغ 170 مليار دولار عام 2020، ومن الصعب تبرير إقراض هذا المبلغ الكبير للدول الفقيرة من الناحية الاقتصادية لأنها استثمارات عالية الخطورة، بينما يمكن فهمها من ناحية الرغبة في توسيع النفوذ والهيمنة السياسية، وقال غوردون جي تشانغ وهو أستاذ جامعي ومؤرّخ أميركي إن "سريلانكا هي مجرّد الفصل الافتتاحي في العالم، فهناك دول ضعيفة أخرى ستتعرّض لنفس السيناريو إذ تقوم الصين بإفساد قادة بعض الدول وإغراقهم بالديون"، وسمّى تشانغ الصين بالدولة المُقرضة المفترسة.

ويفضّل حكّام الكثير من دول العالم الثالث التعامل مع الصين لأنها كنظام شمولي لا تهتم بطبيعة النظام السياسي للدول المدينة، بينما يطلب البنك الدولي وبقية المؤسسات المالية العالمية توفير مناخ من الحرية واحترام حقوق الإنسان والشفافية وسيادة القانون ومكافحة الفساد، لأن هذه هي الوصفة التي تفتح الباب أمام القطّاع الخاص للاستثمار، وتجارب العقود الأخيرة أثبتت أن دول الاقتصاد الحرّ المعتمد على القطّاع الخاص كانت الأنجح اقتصاديا مقارنة مع الدول التي اعتمدت على القطّاع العام لأن المستثمرين يهربون من ضخّ أموالهم فيها.
وفي شهر إبريل الماضي قال البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية وبرنامج الغذاء العالمي في بيان مشترك إن تداعيات الأزمات الراهنة قد تدفع بعض الدول متوسطة الدخل والفقيرة إلى حافّة الإفلاس وقد يعجز بعضها عن سَداد ديونه وعن الاستيراد، وذكرَ من بينها لبنان والسودان وتونس، ولكنّ مصر تبدو الأكثر أهمية نتيجة موقعها الإستراتيجي وحجمها الكبير ودورها المحوري، وكذلك نتيجة وجود العديد من نقاط التشابه بين وضعها الاقتصادي الحالي ووضع سريلانكا، مثل حجم الديون الكبير وبناء مشاريع ليس لها عائد مالي عبر الاقتراض، بالإضافة إلى علاقتها القويّة مع الصين التي يزورها الرئيس السيسي كل سنة تقريباً.

وأكّدت على ذلك دراسة لمركز الأهرام تحدّثت عن "المُشتركات الحضارية والثقافية بين مصر والصين، والذي أسّس لاتفاق شراكة دائم بين البلدين عمّقتها مبادرة الحزام والطريق لأنها تضمّنت أذرع مالية مهمّة تشترك فيها بنوك صينية لتمويل البنية التحتية في مصر من طرق وجسور وسكك حديدية، وأن الحضور الصيني في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس قد ساعد في تحويلها إلى منطقة صناعية".

وقالت برلمانية مصرية إن هناك شراكة إستراتيجية شاملة بين مصر والصين، وتحدثت عن مشاريع عملاقة تنفذها شركات صينية مثل بناء منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية ومحطّات الطاقة ومشروعات النقل والتجارة والصناعة والبنية التحتية، وفي نفس السياق تحدثت الأهرام عن "أنابيب نفط وغاز وخطوط طاقة كهربائية وإنترنت تبنيها الصين في مصر، وعن ضخّ الصين أموال في كل محطّة تمرّ فيها مبادرة الحزام والطريق وبشكل خاص المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لأنها الجسر الرابط بين طريقي الحرير البرّي والبحري، والتي تمثّلت بإنشاء المنطقة الصينية في عين السخنة بتكلفة استثمارية بلغت 350 مليون دولار".

بما يؤكّد على الأهمية الاستثنائية التي توليها الصين لمنطقة قناة السويس إحدى أهم الممرّات المائيّة في العالم ولذلك تحرص على إيجاد موطئ قدم دائم لها فيها، وما حدث في سريلانكا يدعو أولاً إلى ضرورة أن يعرف المواطن المصري حجم ومكان وطبيعة كافة الاستثمارات الصينية في مصر، وثانياً التعامل بحذر مع القروض والمشاريع الصينية فأحداث السنوات الأخيرة أكّدت على أن الصين ليست كما يقول إعلامها جمعية خيرية ليس لها من هدف سوى مساعدة الدول المتعثّرة.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.