امرأة تسير في أحد شوارع العاصمة السودانية، الخرطوم (تعبيرية)
امرأة تسير في أحد شوارع العاصمة السودانية، الخرطوم (تعبيرية)

في تقرير صدر الأسبوع الماضي, قال "المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام" إنه، في يوم 26 يونيو 2022، أصدر القاضي، هارون آدم، رئيس محكمة جنايات كوستي بولاية النيل الأبيض السودانية، حكماً بالإعدام رجماً على السيدة، مريم السيد تيراب، البالغة من العمر 20 عاما، بعد إدانتها بانتهاك المادة 146"2" (الزنا) من قانون العقوبات السوداني لسنة 1991. 

كذلك قال المركز إن الشرطة في مدينة زالنجي بولاية وسط دارفور قامت، يوم 22 يونيو 2022، بمداهمة كنيسة تقع في حي الاستاد واعتقلت أربعة مسيحيين أثناء صلاتهم، حيث تم اتهامهم بارتكاب جريمة "الردة" في مخالفة للمادة 126 من قانون العقوبات، وقد تم إطلاق سراح المتهمين الأربعة بالضمانة في يوم 28 يونيو. 

وأشار المركز إلى أنه خلال التحقيقات "تم استجواب الرجال الأربعة حول معتقداتهم الدينية، وأجابوا أنهم مسيحيون. وقالوا أيضا إن كنيستهم بُنيت قبل سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019. ومع ذلك أصرت الشرطة على أن الرجال تحولوا من الإسلام إلى المسيحية رغم أنهم أكدوا أنهم مسيحيون". 

من المعلوم أنه لم يثبُت ثبوتا قطعيا أن الشريعة الإسلامية قد أمرت برجم الزانية أو الزاني محصنا كان أم غير ذلك، وأن عقوبة الرجم غير موجودة في القرآن بل أخذها الفقهاء من الشريعة اليهودية (التوراة). 

عقاب (أو عذاب) الزاني والزانية في القرآن هو الجلد كما ذكرت سورة النور، كما أن هناك أيضا عقوبات في الدنيا وأخرى يوم القيامة حددها القرآن لحالاتٍ مخصوصة من الزنا. 

العذاب (العقوبة) الذي قررته/ها سورة النور للزانية والزاني إذا ضُبطا متلبسين هو الجلد 100 جلدة أمام الناس كما جاء في الآية (2): "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين"، ولم تُخصص الآية عقوبة مختلفة للزانية المحصنة أو الزاني المحصن، فهي تتحدث عن الزانية والزاني بالإطلاق. 

وقررت الآية (33) من سورة النور أن الأمة إذا زنت وهي مكرهة من قبل سيدها الذي يملكها فلا عقوبة عليها لأنها غير مخيرة "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم". 

أما إذا زنت الأمة بعد زواجها ولم تعُد مكرهة على ممارسة الزنا، فإن عقوبتها الجلد خمسين جلدة، وهي نصف عقوبة الحُرة المتزوجة، وهذا ما قررته الآية (25) من سورة النساء "فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب". 

فإذا كان (عذاب) المحصنة هو الرجم حتى الموت، كما يزعم مؤيدو الرجم، فكيف يمكن أن تُعاقب الجارية المحصنة بنصف الموت؟ 

أما الذين يقولون إن الرسول رجم الزاني المحصن فإنهم يستندون إلى رواية وردت في موطئ الإمام مالك عن خطبة ألقاها عمر بن الخطاب وقال فيها إنه كان في القرآن آية تقول "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتَّة"، وأنه لولا خوفه من أن يُقال زاد عمر في كتاب الله لأمر بكتابتها. 

إن معنى كلمة "الشيخ أو الشيخة" في هذه الرواية، إن صحت، لا يفيد "الإحصان"، المراد هنا هو الزواج لأن الشيخ "وهو من استبانتْ فيه السن وظهر عليه الشيبُ" أو الشيخة قد يبلغا سن المائة دون زواج "إحصان".

ثم هم كذلك يستندون إلى رواية رجم المرأة الغامدية وماعز، وقد أوضحت في مقال سابق بعنوان "عقوبة الرجم: حول روايات اعتراف ماعز بالزنا" التضارب الكبير في الروايات الواردة حول ذلك الاعتراف. 

ومن جانب آخر، فإن القول بحساب المرتد عن الإسلام في الدنيا يعكس وجهة النظر الفقهية التي يتبناها تيار الإسلام السياسي، وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين وهي الجماعة المسؤولة عن صياغة القانون الجنائي السوداني، الذي صدر في العام 1991 في أعقاب وقوع الانقلاب العسكري الذي نفذته الجماعة في العام 1989 وسيطرت من خلاله على الحكم لمدة 30 عاما. 

 وهناك العديد من الآراء الفقهية التي تقول إن حساب المرتد عن الإسلام يكون عند الله في الآخرة وليس من حق أي جهة محاسبته آنيا في الدنيا. فالقاعدة التشريعية الكلية في القرآن الكريم التي قررتها الآية (256) من سورة البقرة تقول: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". 

وقد أكد القرآن على حرية البشر في الاختيار بين الإيمان أو الكفر, وفى مقابل هذا فإن مسئوليتهم تجاه هذه الحرية تتبين يوم الحساب حيث سيحاسبهم الله على اختيارهم، وهذا ما قررته الآية (29) من سورة الكهف: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". 

ولم يذكر القرآن عقوبة دنيوية تطبق على المرتد من الدين. ولم يثبت أن الرسول محمد أمر بقتل أحد لارتداده عن الإسلام. والذين يسوقون أمثلة تدل على أن الرسول عاقب الردة يخلطون بين هذا وبين ارتكاب الشخص جريمة تستحق القتل. 

ومن تلك الأمثلة التي تدل على ذلك الخلط ما ورد عن عبد الله بن خطل الذي أسلم وهاجر إلى المدينة فبعثه النبي ساعيا على الصدقة وبعث معه رجلا من خزاعة يخدمه، فلما كان في أحد أسفاره طلب من خادمه أن يصنع له طعاما ثم استيقظ من نومه ليجد الخادم لم يصنع شيئا فضربه بالسيف فقتله وعلم أنه لو رجع المدينة سيقتل بالرجل قصاصا فهرب إلى مكة وساق معه الصدقة وجاء لأهل مكة وقال لهم: "لم أجد دينا خيرا من دينكم"، وأخذ يهجو النبي ويسبه ويعرض به ويسوق لذلك جاريتين عنده لتغنيا هجاء النبي في طرقات مكة. 

ويستند الذين يقولون إن هناك حدا للردة في الشريعة إلى حديثي "آحاد" روى أحدهما البخاري ومسلم، وورد الثاني في صحيح البخاري. الحديث الأول هو حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه البخاري ومسلم والذي يقول فيه: "لا يحل دم المسلم إلا بثلاث: قتل النفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة". والحديث الثاني هو الذي أورده البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس: "من بدل دينه فاقتلوه". 

وهناك إجماع على أن أحاديث الآحاد مشكوك في ثبوتها، ولذا فهي لا تؤخذ إلا على سبيل الظن وليس اليقين، ومن ثم فهي لا تفيد علما ولا توجب عملا. 

غير أن الأمر المهم فيما يتعلق بتوجيه تهمة الردة للأشخاص الأربعة بموجب قانون العقوبات لعام 1991 هو أن الحكومة الانتقالية قد أجازت، في يوليو 2020، تعديلات متنوعة على ذلك القانون تضمنت إلغاء مادة الردة. 

وفي ذلك الحين أدلى وزير العدل السابق، نصر الدين عبد الباري، بتصريحات حول إلغاء مادة الردة في القانون، قال فيها إن "موضوع عقوبة الردة عن الاسلام محل خلاف حتى بين علماء المسلمين، وأن إلغاء النص حول الردة الوارد في القانون الجنائي، جاء متسقا مع الوثيقة الدستورية التي تمنح كل مواطن حرية الاعتقاد والتدين"، وأوضح أن مادة الردة تم استبدالها بمادة أخرى "تمنع تكفير المواطنين". 

وفي هذا الخصوص، يطرح السؤال حول مدى قانونية توجيه تهمة الردة للأشخاص الأربعة بموجب المادة 126 التي لم يعد لها وجود في قانون العقوبات.  

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.