Ukrainian service members fire a shell from a towed howitzer FH-70 at a front line, as Russia's attack on Ukraine continues, in…
"على الشعوب العربية التعامل بحكمة مع الحرب الدائرة في أوكرانيا".

في الحرب الروسية الغربية الدائرة الآن، من الحكمة أن ترى الشعوب والنخب العربية الخيار الأنسب لها، بين قوى تسعى لاستعباد البشر أجمعهم وأخرى بالرغم من ماضيها الاستعماري وشركاتها الرأسمالية الجشعة التي لا هم لها سوى جمع الأموال، إلا أنها تحتوي آلافا، أن لم يكن ملايين الأفراد الذين يعملون جاهدين ليل نهار وبأشكال عدة؛ كالعمل بمنظمات حقوقية ومدنية وبحثية، إلخ، لخلق عالم أكثر عدالة. 

يجب أن تدرك شعوبنا أن غرب الأمس ليس هو نفسه غرب اليوم، أو ربما الأجدر أن نقول أن هناك غربين يتقاسمان نفس البقعة الجغرافية. إن شعوبنا التي يتم قهرها يوما بعد آخر ستكون الخاسر الأكبر في عالم يُروج بأنه سيكون "متعدد الأقطاب" لو فازت روسيا والصين على أرض الواقع، ولكننا نعي أن عالما تكون الصين وروسيا فيه ذات قوة تهدد العالم الديموقراطي الغربي هو عالم ستسوده انتهاكات أكبر لحقوق الإنسان، وعالم أقل قدرة على مساندة قوى اللاعنف حول العالم.

إذا أردنا حلولا عادلة لمشاكل العالم المتفاقمة، فالعالم الغربي، بكل مساوئه، هو وحده على المسرح الدولي الذي يستطيع نشطاء حقوق الإنسان واللاعنف والديموقراطية وحماية البيئة من داخل أراضيه أن يساهموا في حل هذه المشاكل للبشر جميعا. فهم وحدهم من يضغطون لخلق منظومة دولية أكثر إنسانية. وبسبب عمل هؤلاء، تكاد تكون الدول الغربية الوحيدة التي تصرف مليارات الدولارات على اللاجئين من دولنا وعلى مشاريع التنمية حول العالم، نادرا ما يتم ذكرها في أخبارنا إلا عندما تُذكر في إطار التكفير والتخوين، رغم انعدام وجود دولة مسلمة غنية واحدة توازي هذا الاستثمار.

في جميع انحاء هذا الغرب الذي لا تريد حكومتنا العربية أن نرى فيه غير الماضي الاستعماري، تستطيع الأقليات أن تكون جزءا من السياسات الداخلية والخارجية لدرجة لا يحلم بها مواطن عربي في بلاده، فما بالك في بلاد "شقيقة." الدول الغربية وحدها تحوي أقلية فاعلة من ملايين البشر من أرجاء المعمورة وفي دول كثيرة في مقدمتها أميركا، سوف تكون هذه الأقليات خلال عقود قليلة هي الأغلبية، مما سينعكس على السياسات الخارجية والداخلية.

الآن في زمن كتابة هذا المقال، يجلس عدة أشخاص من أصول عربية في الكونغرس، بما فيهم رشيدة طليب ذات الأصول الفلسطينية وإلهان عمر ذات الأصول الصومالية. فهل توجد دولة أخرى غير غربية تستطيع فيه امرأتان مهاجرتان من العالم الإسلامي المساهمة في وضع قوانين أقوى دولة في العالم؟ ناهيك عن النخب الغربية التي تعمل لصالح شعوبنا من داخل أروقة الجامعات ومنابر السياسة. خذ على سبيل المثال الأستاذة الأوروبية كاليبسو نيكيليدس ذات الأصول الفرنسية واليونانية، والتي حصلت على الدكتوراة من جامعة هارفرد الأميركية وتعمل منذ أكثر من عقدين من الزمن في جامعة أوكسفورد في كلية سانت انتونيز، حيث قامت بعدة برامج لتوعية طلابها بالماضي الاستعماري لأوروبا، ولكن الأهم هو جهودها المضنية للتأثير على قوانين الاتحاد الأوربي ليصبح أكثر ترحيبا بالمهاجرين واللاجئين. هذا التعاطف ظاهر أيضا في حياتها الخاصة بفتحتها الدائم بيتها للاجئين من حول العالم، وتسعى الآن لإيجاد طريقة للمساهمة شخصيا وبشكل تطوعي في تعليم العديد منهم مجالها المهم وهو العلاقات الدولية. في نفس الكلية، ينشر الكاتب الإسرائيلي من أصول عراقية، آفي شليم، كتباَ ومقالات مدافعا عن حق الفلسطينيين ومهاجما دولة إسرائيل. ولا يفوتني أن أشير هنا بأنه قد تم مؤخرا حجب مقالات البروفيسور شليم في دولة عربية خليجية بسبب نقده لمعاهدة السلام الإبراهيمية والتي يرى فيها خيانة للفلسطينيين. هل يمكن لأمثال هؤلاء أن يكون لهم نفس الحريات أو التأثير لتحدي القمع الدولي والتأثير على أجيال من الطلاب لو كانوا في الصين أو روسيا؟ نحن بحاجة لمساحات أكبر تحوي أمثال هؤلاء وليس تقليص هذه المساحات لصالح مزيد من القمع. 

لطالما كانت شعوبنا مطلعة على الأجندة الحقيقية للحكام العرب مما يفسر سرعة نزوح الملايين للشوارع أثناء الربيع العربي. يجب على الشعوب والنخب الآن ألا تسمح لهذه الأنظمة أن تتلاعب بها مجددا، هذه المرة بمساعدة قوى خارجية. ولذا فلا يمكن أن نراهن على قوى تقوم أصلا على قمع شعوبها (فروسيا تحكم بالسجن خمسة عشر عاما على من يصف حربها على أوكرانيا بـ "الحرب " أو من تراهم لا يتمتعون بالولاء الكافي لبوتين بينما تقوم الصين بسجن وتعذيب الملايين من سكانها المسلمين) ولذا فأي رهان على هكذا دول إنما هو رهان لنشر نوع جديد من القهر والاستعباد.

نقر دون شك بأن الماضي الاستعماري حقيقي وذو ضريبة عالية على شعوبنا، لكننا نعيش الآن تحديات من نوع جديد لا سابق لها مما يجعل التركيز الحصري على الماضي الاستعماري من قبل جهات مختلفة حق يراد به باطل، بالإضافة لكونه قراءة مغلوطة لأحداث الساعة لأن غرب اليوم يختلف عن غرب الأمس. الملايين من العرب والمسلمين يعيشون بل يساهمون في سياسات تلك البقعة الجغرافية الوحيدة التي يُسمح فيها لهذا الكم الهائل من المهاجرين بمساهمة فعالة في شؤون العالم. إن روسيا التي تقوم بحملات هائلة من الدعاية ضد الغرب هي نفسها بلد توسعت حدوده بالعنف. لكن بعض الحكومات العربية بمساعدة قوى القهر العالمية المتمثلة بالصين وروسيا تريد إبقاء الحوار مسلطا على الماضي الاستعماري للغرب فقط، لا لأنها ضد إخضاع الآخرين قسرا، بل لأن التركيز على ذلك يخدم مصالحها.

في العقود القليلة الماضية، رأت روسيا في الأفكار الديمقراطية تهديدا يكاد يكون هيستيريا مما دفعها لرؤية كل من يحاول نشر الأفكار الليبرالية والديموقراطية سواء كان بين مواطنيها مثل الكسي نوفلني أو بين مواطني دول العالم، بما فيه عالمنا العربي، كخطر يجب إزالته وأحيانا تنجح فعلا بإقناع البعض أن الديمقراطية وحقوق الإنسان تؤدي للتدهور وعواقب اقتصادية سيئة. 

لروسيا حلفاء حتى في الغرب أمثال جوليان أسانج والذي عمل لمحطة الدعاية الروسية "روسيا اليوم" والذي يبرر أفعاله بتسريب معلومات خاصة بأنها "دعم للشفافية." المثير للشبهة أن المستفيد الأكبر من تسريبات أسانج هي الجهات السلطوية، فيما ركزت تسريباته على التلاعب بمعلومات أحيانا بريئة لتجريم نشطاء المجتمع المدني وحقوق الإنسان في العالم العربي. أي شفافية هذه التي يكون المستفيد الأكبر فيها دولة قمعية كروسيا وداعمي القمع السياسي المحلي؟! إذا كان أسانج حقا مهتما بالشفافية، أما كان الأجدر به أن يحارب من أجل هذه الشفافية من داخل الاتحاد الأوروبي حيث يتمتع المواطنون بأكبر قدر من الحريات لتحدي شركات التواصل الاجتماعي على مستوى العالم؟

يظهر للعيان الأن أن روسيا لم تستهدف العالم العربي فحسب، بل دولا عظمى أيضا مثل أميركا وبريطانيا حيث ساهمت فعليا بانتخاب دونالد ترامب، الذي كرر أحيانا كثيرة أكاذيب موسكو مثلما فعل عندما ادعى أن أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون هما من اخترع داعش. وفي حالة بريطانيا، كما فصلت الكاتبة المشهورة آن أبلبوم في كتابها "غروب الديموقراطية" Twilight of Democracy، فإن الحملات الروسية ساهمت مساهمة كبرى في عزل بريطانيا عن الاتحاد الأوربي بنشر أكاذيب تشمل أن بريطانيا سوف تحصل على مليارات الدولارات عند تركها الاتحاد الأوروبي، والعكس تماما هو الصحيح. فمنذ تركها للاتحاد ترك ملايين المهاجريين الأوروبيين بريطانيا واقتصاد هذه الأخيرة يعاني بشكل غير مسبوق حيث يخسر التريليونات من الجنيهات الإسترلينية كل سنة كما تقلص الاقتصاد بنسبة أربعة بالمائة، هذا بالإضافة لأزمة ندرة الأيدي العاملة والتي لا تزال بريطانيا غير قادة على حلها مما تسبب بتعثر نمو الأعمال وتعطيل الرحلات ومشاكل أخرى لا حصر لها. لماذا تريد روسيا أن تعزل الدول عن بعضها البعض؟ ببساطة لأن العزلة هي من أهم ركائز دمار اقتصادات الدول وتخلف انتاجها مع مرور الوقت.

في يومنا هذا، وباستثناءات مهمة جدا أبرزها القضية الفلسطينية، معظم العرب والمسلمين ليسوا ضحايا استعمار خارجي، بل الخطر الأعظم عليهم هو فوز قوى القهر، سواء كانت محلية أو دولية. منذ عقود وإلى حدود اليوم يتموضع العالم الإسلامي فوق إرث شاسع من الثروات كان يمكن استثمارها في الغرب لنصرة قضايا العالم العربي ولدعم حملات انتخابية لمرشحين مثل رشيدة طالبي. وكان يمكن أن تترجم هذه الثروات إلى مستوى حياة نزيهة لجميع أفراد العالم العربي على غرار مستوى المعيشة في الدول المتقدمة، ولكن الذي يحول دون ذلك ليس هو الاستعمار وإنما الحكام العرب والمسلمين أنفسهم الذين يستثمرون ثروات أوطانهم لتكريس القهر والفساد ومنع الديموقراطية. تنافس اليوم أفعال الحكام العرب المسلمون مستعمري الأمس؛ فهم من يسحقون رئات أطفالنا بالغازات السامة ويقومون بإبادة جماعية لمواطني دولهم أو مواطني دول مجاورة بكل استهتار لحرمة الروح الإنسانية.

لهذا كله وفي غمار هذه الحرب الدائرة الآن، ينبغي على الشعوب العربية أن تكون أذكى من أن تنساق مجددا وراء شعارات رنانة مكررة لن تعود علينا الا بالمزيد من التدهور والقمع.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.