قمة جدة انعقدت بمشاركة بايدن وقادة ست دول خليجية بالإضافة إلى العراق ومصر والأردن
قمة جدة انعقدت بمشاركة بايدن وقادة ست دول خليجية بالإضافة إلى العراق ومصر والأردن

أحيانا تحمل النكتة جملة من المعاني التي تكثف واقعا معقدا ومتشابكا فتأتي الجملة الساخرة لتعكس حجم الالتباسات وليس بالضرورة أن تفسرها.

من طرائف ما قرأت على خلفية زيارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، لمنطقة الشرق الأوسط والتي بدأها بإسرائيل، ما كتبه أستاذنا الكبير الدكتور خيري جانبك من باريس حيث قال بسخرية لاذعة: (زار الرئيس أوباما مصر، وقال "السلام عليكم" وزار الرئيس بايدن إسرائيل وقال "أنا صهيوني"، ولن أستغرب أن أرى الرئيس الأميركي القادم يزور طهران ويعلن من هناك أنه الإمام الغائب شخصيا).

المشاهد تتوالى من شرق المتوسط "الشرق الأوسط سابقا"، والحيرة تتكثف مع متواليات المشهد "السوريالي فعلا منذ إدارة أوباما" والقراءات كما التحليلات تعكس تلك السوريالية وتتخندق حسب زاوية الرؤية لمن يقرأ ويشاهد.

فعليا، كان المشاهد العربي أمام مشهدين وفاصل دعائي في زيارة بايدن، والتي كانت "جعجعتها" السريعة لا تتناسب مع طحنها المتأني والبطيء.

المشهد الأول في إسرائيل التي تحدث فيها سيد البيت الأبيض "الديمقراطي الليبرالي" بتصريحات تناسب مزاج اليمين الإسرائيلي الحاكم، والمشهد الثاني في السعودية، تحديدا "جدة" التي كانت فعلا غير، حيث سمع سيد البيت الأبيض القادم من إسرائيل الأجوبة التي كانت مختلفة عما تأمله، ولكنها بكل تأكيد كانت ضمن توقعات "العمق السياسي" في واشنطن، الفاصل الدعائي بين المشهدين كان في بيت لحم، التي صيغت زيارة الرئيس الأميركي فيها على استعجال يعكس بمجمل الأحوال حال "القضية الفلسطينية" في أجندة البيت الأبيض.

علينا أن نستوعب هنا أنه وفي واشنطن تحديدا، هناك "إدارة عميقة" تضبط بوصلات المتحمسين النازلين في البيت الأبيض بمظلات التصريحات الانتخابية المتحمسة. وفي "جدة" كان صدى تلك الإدارة "البيروقراطية والعميقة" متناغما مع "تآلف عربي" ولو بالحد الأدنى اجتمع ولملم ملفاته وتجاوز "مؤقتا" خلافاته ليخرج بموقف واضح مبني على "التعاون التنموي" والتكامل الاقتصادي متجاوبا مع الأزمة العالمية لا مع الأجندة "الانتخابية" للرئيس الديمقراطي وحزبه. وفي واشنطن منذ أيام إدارة أوباما حتى إدارة جون بايدن، كانت الاستدارات لا تكتمل وغير محسومة، وأحيانا تأخذ منعطفات حادة تعكس التردد.

في العاصمة الأردنية "عمّان"، حيث شاءت الصدف الموسمية أن أتواجد حاليا، كنت دوما أجيب من يسألني بأن الأجوبة على كل تساؤلات الحراك السياسي على مستوى القمم والتصريحات المتبادلة يمكن العثور عليها بهدوء في الأخبار الداخلية للصحف وفي أقسام الأخبار الاقتصادية غالبا. فقبل أقل من شهر مثلا، كانت الإمارات تقود شراكة ثلاثية مدموغة باتفاقية محكمة بينها وبين مصر والأردن، معنية بأربع عناصر أساسية محددة: الأمن الغذائي "الزراعة"، الصناعات الدوائية، التعدين (بوتاس وفوسفات وسيليكا)، وصناعات الأسمدة، كل تلك المشاريع قيد التنفيذ وقد تجاوزت التخطيط بمراحل تمولها الإمارات من خلال عقلية إدارة الشركات وتحت مظلة الصندوق السيادي الذي أسسته وضخت به ١٥ مليار دولار، وهو ما سيضع تلك الشراكة الثلاثية "القابلة للتوسع لكن بتحفظات مدروسة" بديلا أكثر براغماتية من مشروع "الشام الجديد" المعلن سابقا وكان عرابه رئيس الوزراء العراقي شخصيا، تلك الشراكة الثلاثية المنتجة على الأقل وجدت سوقها في القارة الأوروبية، الخاسر الأكبر في كل التحولات بعد حرب أوكرانيا، أو فلنقل بعد ورطتها في حرب أوكرانيا.

هذا خبر لا يثير شهية الباحثين عن مانشيت سياسي مثير، لكنها وقائع تعكس رؤية "إقليمية" جديدة تكاد تنهي عملية تبلورها النهائي بين دول الإقليم عموما.

الطاقة، والتحولات الجذرية فيها وفي استخداماتها أيضا كانت عنوانا من عناوين التغيير في الرؤية، فالنفط لم يعد سلعة تبادلية مع خدمة الأمن التي تقدمها الأساطيل الأميركية، تلك نظرية عفا عليها الزمن وهذا ما قالته بالنص السفيرة السعودية ريم بنت بندر بن سلطان في مقال منشور لها في إصدار مجلة "بوليتيكو" الأخير بعد انفضاض القمة في جدة.

(حسنا، حتى أن شخص الأميرة نفسه كسيدة متعلمة ودبلوماسية تقود فريق بلادها في العاصمة الأميركية هو أحد أوجه التحول الذي على الجميع أن يستوعبه).

في عالم الإشارات الدبلوماسية والذي يحب الجمهور العربي التفاصيل فيه، وربما أحيانا البناء عليه بتحليلات قد تكون بعيدة عن الواقع غالبا، فإن كل زيارة بايدن لجدة كانت محسوبة مسبقا عبر فرق البروتوكول والتشريفات بين الرياض وواشنطن، والمصافحة بدق قبضات اليد المغلقة كانت طلبا من البيت الأبيض لبته الرياض، وكل دوافع الطلب هي انتخابية محضة، أمام استحقاقات انتخابية وشيكة تعتبر الصور فيها سلاحا لا يستهان به، وينتهي مفعولها بنهاية الانتخابات تماما مثل التصريحات النارية التي يطلقها المرشحون.

بالنسبة للسعودية، فالنجاح في القمة كان صداه في الداخل السعودي – حسب قراءة الإعلام المحلي السعودي ووسائل التواصل" بترسيخ فكرة الحكم القوي والدولة القوية التي يقودها "فعليا" ولي العهد الشاب، مع ترويج رسالة الاستقلالية لعهده وعدم التبعية بل ذهبت بعض وسائل الإعلام السعودية إلى قدرة المملكة على تغيير وتعديل موازين القوى حسب مصلحة الرياض فقط، وهو رأي قد يراه البعض مبالغة لكن لا ينفي ذلك الرأي ان الرياض قوة مؤثرة "على الأقل راهنا" في تعديل التغييرات الجارية أساسا في كل الإقليم، والعالم.

السعودية، مثلها مثل باقي دول الإقليم وعلى رأسها دولة الإمارات، باتت تعرف قواعد اللعبة الجديدة في منظومة العلاقات الدولية، وتلمست بهدوء وتروي الحضور الصيني التنافسي مع الولايات المتحدة، لا على مصادر الطاقة بل على البعد الجيوسياسي لمنطقة شرق المتوسط، خصوصا في الممرات المائية والبحرية وقطاعات النقل وتوظيف الجغرافيا لبناء بنية تحتية جديدة كليا كان التنبيه إليها حاجة ماسة تجلت بعد أزمة كورونا بداية ثم مع المخاطر التي تعرضت لها سلاسل التزويد في العالم بعد حرب أوكرانيا، وسلاسل التزويد مصطلح بات منتشرا بقوة و فجأة في معظم الأخبار العالمية، واشنطن "العميقة طبعا" أدركت حجم التنافس وخطورته مع الصين في تلك الزاوية الحرجة من العالم، وهو إدراك كان أبكر بكثير عند دول الإقليم وتجلى في "جدة" وبيانها النهائي.

الممرات المائية لن تجد أخبارها في المانشيتات، لكن ستجدها في الأخبار الاقتصادية عبر اتفاقيات ثنائية او متعددة تبرز بين حين وآخر، مثل قطاع النقل البري الذي يمكن أن تتلمسه في أخبار راشحة مثلا عن مشروع سكة حديد طولية في الأردن بتمويل سعودي أو في الطرف الآخر عبر إعلان إيران عن سكة حديد طولها ٣٠ كم بين البصرة العراقية والشلامجة الإيرانية، لكن تعلن إيران أن تلك السكة القصيرة ستضعها في المجال الحيوي للبحر المتوسط، عبر الموانيء السورية، وهذا حسب تصريح مسؤول في قطاع النقل الإيراني.

في جدة، تجتمع دول الخليج مع الأردن ومصر والعراق بسيد البيت الأبيض وقد جاءها قادما من إسرائيل، ومن بين العناوين مواجهة طهران، الفرق أن تل أبيب بمزاجها اليميني "المتزحزح بين القومي والديني" ترى في إيران عدوا للجميع، بينما المجتمعون في جدة بما فيهم السعودية باتوا يرون في إيران خصما لا عدوا، والخصومة يمكن حلها بأدوات سياسية كما يحدث الآن في محادثات ترعاها بغداد، وتتوسط فيها الدوحة، والتي أخذت دور فيينا في محادثات النووي التي لا يمكن التكهن بمآلاتها لكن يمكن تلمس رغبة جميع الأطراف بحلها.

التداعيات والأخبار مستمرة، الجديد أنه لم يعد هناك مفاجآت من النوع الثقيل في عملية التغيير الإقليمي بكل بنيته التحتية، هناك فقط انعطافات واستدارات كاملة حسب المصالح ضمن رؤية تدرك أن التكامل التنموي سيمنع الكوارث، وهي كوارث إقتصادية وشيكة جدا، تداعياتها قد تفضي إلى انفجارات ثورية تحت وطأة القهر والفقر وشح المواد، والاستدارات تتسارع.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.