لو أقدمت الحكومة البلجيكية على طرد الدبلوماسي الإيراني في فيينا، أسد الله أسدي، بدل محاكمته، لكانت جنّبت بلادها وسائر دول "الاتّحاد الأوروبي" من خلفها، ذلّ "التشريع على القياس"، كما حصل عندما صادق مجلس النواب البلجيكي، مساء الأربعاء الماضي على معاهدة تبادل السجناء بين بروكسل وطهران.
وتهدف هذه المعاهدة، ضمنياً، الى أن تفرج بروكسل عن الدبلوماسي الإيراني أسد الله أسدي، في مقابل أن تفرج طهران عن البلجيكي أوليفيه فانديكاستيل، العامل في المجال الإنساني في إيران، الذي كان قد اعتُقل في 24 فبراير الماضي.
ورفضت السلطات الإيرانية الإفراج عن المواطن البلجيكي إذا لم تسلّمها بروكسل أسدي الذي أدانته محكمة بلجيكية بالوقوف وراء مؤامرة إرهابية كانت تستهدف، في 30 يونيو 2018، محاولة تفجير مبنى في فرنسا يستضيف اجتماعاً عاماً للمعارضة الإيرانية، بحضور شخصيات عالمية.
وقد أنزلت المحكمة البلجيكية عقوبة السجن لمدة عشرين سنة بأسد الله أسدي، بعدما أدانته في الرابع من فبراير 2021، بـ"محاولات اغتيال إرهابية" بواسطة المتفجرات التي كان ينقلها عميلان بلجيكيان الى فرنسا، بطلب منه.
وسبق أن هدّد أسدي السلطات البلجيكية بأنّ مجموعات موالية لإيران في لبنان واليمن والعراق سوف تنتقم، في حال إدانته.
وكانت بلجيكا حتى اعتقال مواطنها ترفض تسليم أسدي الى طهران، لكنّها، بعد حصول ذلك توصلت إلى معاهدة لتبادل السجناء بينها وبين إيران، تمهيداً لإجراء صفقة تبادل.
وفي مطلع يوليو الجاري، حين بحثت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب البلجيكي في المعاهدة، لم ينجح وزير العدل فينسان فان كيكينبورن في فصل هذه المعاهدة عن قضية أسدي.
وأعلن أنّ مصالح بلجيكا ورعاياها المئتين في هذا البلد باتوا أهدافاً محتملة لإجراءات رد منذ توقيف من سمّاه بـ"الدبلوماسي المزعوم"، وإذا قال إنّه "منذ اليوم الأول شعرنا بضغوط من جانب إيران وقد تدهور الوضع الأمني لمصالحنا بشكل منهجي"، لفت الى أن "إيران دولة مارقة لكن لا يمكننا أن نختار إلى من نتحدث".
وبلجيكا ليست وحيدة في قضية أسدي، فهناك دولتان أخريان معنيتان بملفه: فرنسا، بصفتها الدولة التي كانت مستهدفة بالعملية الإرهابية، وألمانيا، بصفتها الدولة التي أوقفت أسدي على أراضيها.
ومن أجل ضمان موافقة فرنسا على صفقة الإفراج عن أسدي، كثّفت طهران، في الأشهر القليلة الماضية، اعتقال حملة الجنسيات الفرنسية.
وقد أثارت الصفقة التي انتهى التمهيد لها بإقرار مجلس النواب البلجيكي معاهدة تبادل السجناء، معارضة واسعة في أوروبا، إذ إنّ من شأنها أن تشجّع السلطات الإيرانية على ارتكاب عمليات إرهابية ضدّ معارضيها الموجودين في دول "الإتحاد الأوروبي".
ورسّخت هذه المعاهدة إشارة مناقضة لتلك التي كانت قد أعطتها محاكمة أسدي، إذ اعتقد كثيرون في حينها أنّ زمن السكوت عن العمليات المخابراتية الإيرانية في الأراضي الأوروبية قد ولّى إلى غير رجعة.
لكنّ الحكومة البلجيكية أظهرت، من خلال الإسراع في إنجاز معاهدة تبادل السجناء والضغط من أجل إقرارها، عجز "الإتّحاد الأوروبي" عن الصمود في وجه "استراتيجية الرهينة" التي واظبت إيران على اعتمادها، من أجل الإفراج عن رجال مخابراتها الذين يسقطون بيد الأجهزة الأمنية الأوروبية.
وانتهجت إيران، منذ قيام "الجمهورية الإسلامية"، حيال الغرب، "استراتيجية الرهينة"، فهي كلّما ضاقت أمامها سبل إقناع الغرب بالنزول عند مطالبها، عمدت إلى اعتقال مواطنين يحملون جنسيات الدول المستهدفة وتحويلهم الى رهائن، لتستفيد من ضغوط ذويهم على الحكومات، من أجل إلزام هذه الدول بالرضوخ.
وقضية أسد الله أسدي ليست سوى حبّة صغيرة في سلسلة طويلة، بدأت مع ما جرّته قضية الرهائن الأميركيين في طهران، بعيد اندلاع الثورة الإسلامية من صفقات، بما فيها "إيران كونترا"، ومرّت بالرهائن الغربيين الذين اختطفهم "حزب الله" في بيروت، في الثمانينات، وصولاً الى ملفات المعتقلين الغربيين في إيران، في العقد الأخير.
وتعتمد إيران في تعاطيها مع الغرب، حتى تأخذ حريتها في تهديد معارضيها أينما وَجَدوا ملاذاً يُمكن أن يحميهم من جلّاديها، النهج الذي تعتمده التنظيمات الإرهابية.
وعلى الرغم من قدم هذا النهج الإيراني ومعرفة تفاصيله، فإنّ الغرب لم يتمكّن حتى هذا التاريخ من التوصّل الى معادلة من شأنها صدّه.
ثمّة من يعتقد أنّ سبب مثابرة الغرب على الرضوخ ل"استراتيجية الرهينة" لا ينبع عن عجز، بقدر ما ينبع عن رغبة في تفعيل الجسور الخفية التي تربط أجهزة مخابراته بأجهزة المخابرات الإيرانية، بحيث يتم تحت ستار "الإنسانية" تمرير صفقات كبيرة.
ومهما كان عليه الأمر، فإنّ ما هو مؤكّد أنّ الثقة بقيمة العدالة، حيث تتداخل المصالح وتتقاطع، فيها الكثير من السذاجة.

