بايدن ينهي جولته في الشرق الأوسط
بايدن وقع إعلان القدس خلال زيارته لإسرائيل

يمكن القول من دون الوقوع في مغبة المبالغة بأن زيارة الرئيس بايدن لإسرائيل والأراضي الفلسطينية والسعودية قد حركت بعض المياه الراكدة وقدمت تأكيدات ضرورية في منطقة كانت ولا تزال تعاني من عدم اليقين.

لذلك لست أشك في أن معظم من التقوا بالرئيس الأميركي قد خرجوا بشيء من الارتياح سواء تعلق الأمر بالعلاقات الثنائية أو بالوضع العام في الإقليم.

كان ثمة تصور بأن إدارة بايدن ليس لديها نفس الحماس الذي تمتعت به إدارة ترامب في تشجيعها لإقامة علاقات طبيعية بين الاسرائيليين والعرب، وقد غذى بعض الضجيج والمواقف الصادرة من جانب من يطلقون على أنفسهم بالجناح التقدمي أو اليساري في الحزب الديمقراطي الوهم بأن هذه الإدارة سوف تدير ظهرها لما تحقق حتى الآن، وسوف تستمع إلى الأصوات المشككة وتعيد العربة إلى السكة الخاطئة! 

لكن توقيع الرئيس بايدن على إعلان القدس قد بدد جميع تلك الأوهام، حيث تضمّن التأكيد على دعم واشنطن المستمر والواسع لتعميق العلاقات الإسرائيلية العربية وتوسيعها، واعتبارها اتفاقيات مهمة لمستقبل منطقة الشرق الأوسط ولقضية الأمن الإقليمي والازدهار والسلام.

أكثر من ذلك فان قرار الرئيس بايدن بالسفر جوا مباشرة من تل أبيب الى مدينة جدة السعودية والذي تزامن أيضا مع إعلان الرياض سماحها لجميع الرحلات المدنية التي تستوفي الشروط والمعايير بعبور أجواءها، قد أعطى دفعة رمزية هامة للتوجهات الجديدة في المنطقة والقائمة على التعاون والتنسيق بين الدول ذات المصالح المشتركة والاستفادة المادية والسياسية من جميع الإمكانيات المتاحة في هذا الجانب. 

هذه التطورات أصابت في الواقع محور "الممانعة" بصدمة عجز من خلالها عن الكلام وأسقط في يديه. فلم يعرف كيف يرد أو يهاجم أو يتصرف حيث اتسع الخرق على الراقع.

والواقع أن كل مبادرة أو عمل يصب في صالح الاستقرار والسلام في المنطقة وكل مشروع يدعم التعاون الاقتصادي والازدهار فيها يعتبر تحديا لمحور الممانعة الذي تسيطر أحزابه وميليشياته على مناطق ودول فاشلة ومنكوبة سواء في لبنان، أو غزة، أو اليمن، أو العراق، أو إيران وغيرها.

أما التأكيد الآخر الضروري الذي قدمه الرئيس بايدن للحلفاء والشركاء الذين التقاهم فقد كان بشأن التزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة.

هنا أيضا كان ثمة تصور أن الإدارة الأميركية التي أجرت تعديلات على استراتيجيتها في الشرق الأوسط بصدد إخلاء مواقعها كي تملئها روسيا والصين وغيرها. لكن بايدن أعاد التأكيد بأن الولايات المتحدة لن تذهب إلى أي مكان، وأن إعادة تموضع القوات الأميركية والسعي لإنشاء هيكل إقليمي قوي لا يعني أن الالتزام الأميركي بحماية السلم والأمن في المنطقة قد تغير. 

وقد نص إعلان القدس بوضوح على أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران يوما بامتلاك سلاح نووي وهي مستعدة لاستخدام كافة عناصر قوتها الوطنية لضمان هذه النتيجة. كما أكدت واشنطن أيضا على التزامها بالعمل مع الشركاء الآخرين لمواجهة عدوان إيران وأنشطتها المزعزعة للاستقرار، سواء كانت مدفوعة بشكل مباشر أو من خلال وكلاء ومنظمات إرهابية مثل حزب الله وحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

بعبارة أخرى فقد أعادت زيارة بايدن بعض الطمأنينة وشيئا من البوصلة لحكومات المنطقة التي تدرك جيدا، رغم كل الادعاءات، أنه من دون الولايات المتحدة ومن دون العلاقات الجيدة مع الغرب فإنه يستحيل الحفاظ على استقرار اقتصادي وأمني ومستوى حياة لائق بالبشر في هذه المنطقة من العالم.

أما التعويل على الصينيين أو الروس أو غيرهم كبديل عن الولايات المتحدة فهو من باب التهويش ليس إلا، والتلويح به هنا وهناك هو من أجل الاستهلاك المحلي أولا، وثانيا للضغط على الإدارة الأميركية كي لا تتخلى عن المنطقة. لكن الحقيقة هي أنه لا أحد يريد أن يربط مصيره بالصين أو روسيا. 

ومن باب أولى أنه لا يوجد شخص عاقل يريد أن يترك مصيره كي يقرره محور الممانعة أو جماعات الإسلام السياسي التي تفتك بالمجتمعات وتقتل إنسانها وتدمر استقرارها واقتصادها وتشيد أنظمة القهر والاستبداد والتسلط الديني والسياسي، تحت يافطات وعناوين مراوغة ومضللة.

إن محور الممانعة وجماعات الإسلامي السياسي هي الجانب المظلم من الشرق الأوسط والقادمة إلينا من الماضي وهي تسعى بكل ما أوتيت من قوة للقضاء على أي أمل في الحاضر أو المستقبل. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام مجتمعات المنطقة.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!