رئيس الوزراء المغربي
رئيس الوزراء المغربي

في الأعوام الأخيرة عرضت القناة الأولى المغربية سلسلة تراجيكوميدية مقتبسة من التلفزيون الأميركي، تحت عنوان: "ساعة في الجحيم". وهي من إنتاج إحدى الشركات المحسوبة على فيصل العرايشي، الذي يرأس منذ 23 عاما الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون. وتلك قصة أخرى.

وما جرى لرئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، يوم السبت 16 يوليوز 2022 ، في مدينة أغادير الساحلية، حدثٌ قابل لتحويله حلقة ناجحة من حلقات "ساعة في الجحيم". وملخص السيناريو المنتمي لبرامج "تلفزيون الواقع"، هو عندما يفاجأ رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، بعاصفة من الاحتجاجات، رفعت في وجهه أشهر شعار صدحت به الجماهير خلال انتفاضات الربيع العربي: "أخنوش ارحل".

لم يوفق المنظمون في السيطرة على الغضب الجماهيري، ولا كان بإمكان رفع أبواق الموسيقى الزاعقة التغطية على الهتافات المتعالية ضد "نهب وسرقة جيوب المواطنين".

كانت مفاجأة مفزعة ولا شك، لواحد من أثرى أثرياء أفريقيا، يعد ثاني أغنى رجل في المغرب بعد الملك محمد السادس، وقد ترك أعماله المهمة ووصل لافتتاح أكبر مهرجان فني بجهة "سوس ماسة درعة"، الجهة التي طالما أخبر أنه يعتز بالانتساب إليها، فهو إضافة لرئاسته الحكومة، عمدة لبلدية أغادير عاصمة الجهة. لذلك لم يصدق ما رأته عيناه وما سمعته أذناه.

وربما فكر في التريث وفي الصمود قليلا بانتظار مرور العاصفة، حتى يتمكن من إعطاء إشارة انطلاق فعاليات المهرجان، الذي يحمل اسم "تيمتار"، ومعناها بالأمازيغية: "علامات".

لكنه سيتلقى علامة مختلفة وإشارة بالانسحاب السريع، فنزل من فوق المنصة مهزوما. وليست هناك عبارات أوضح تعكس حقيقة ما حصل، سوى ما سجلته كاميرات الهواتف من مشاهد تم تقاسمها بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.

غضب جماهير "تيمتار" لم يقتصر على الاحتجاج ضدارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، ولكن لأنه في تلك الساعة التي توجه فيها أخنوش لحضور مهرجان، كان مواطنون يكتوون بالحرائق في شمال البلاد، وقد أودت النيران بحياة عدد منهم، والتهمت مساحات غابوية ومزارع، وتسببت في نفوق قطعان مواشي. 

حسب أغلب التعليقات، فإن "عين العقل، كان أن يتوجه رئيس الحكومة إلى المنطقة المنكوبة، للتعبير عن تضامن حكومته مع الضحايا، والوقوف إلى جانبهم ومواساتهم، والإعلان عن اتخاذ جملة من التدابير الفورية والقرارات الحازمة من أجل التخفيف عنهم". وهذا ما قام به مسؤولون في عدد من الحكومات الديمقراطية في إسبانيا وفرنسا والبرتغال وبريطانيا، وغيرها من البلدان التي تضررت من "حرائق الصيف"، وليس الذهاب إلى تجمع للرقص والغناء". 

واعتبر نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، أن ما قام به أخنوش بمثابة سلوك استفزاي متهور يوضح إصرار حكومته على المضي نحو مزيد من الاستهتار بمطلب عقلنة أثمنة المحروقات، ليصبح ثمن الغازوال 7 دراهم، والبنزين 8 دراهم، وهو الثمن الذي كان عليه قبل تعيين أخنوش رئيسا للحكومة.

إلا أن الحكومة تمادت في التزامها صمت القبور، ولم تتخذ أي تدابير عملية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل وضع اجتماعي يتدهور بوتيرة متزايدة منذ انتشار وباء كورونا.

وبحلول تاريخ اليوم، يكون قد انقضى أسبوع كامل على (واقعة طرد أخنوش)، ولم يصدر عن الحكومة رد فعل مقنع يشرح حقيقة ما حصل، ويدفع اتهامات فاعلين سياسيين واقتصاديين واجتماعيين، يعتبرون الحكومة الحالية "حكومة تضارب المصالح، تخدم اللوبيات وليس المواطن".

كان طبيعيا أن يكبر حجم صرخة المواطنين ضد حكومة أخنوش، بعدما انتشرت بشكل واسع تصريحات مصورة أدلى بها الخبير الاقتصادي د. نجيب أقصبي، أوضح فيها أن سعر البرميل من البترول على الصعيد الدولي، عاد إلى المستوى الذي كان عليه قبل اندلاع حرب أوكرانيا. وهو ما يجب أن يرجع سعر المحروقات في المغرب إلى سعره القديم. وأن زيادة أربعة أو خمسة دراهم في سعر الليتر الواحد غير مبررة، ويمكن اعتبارها أرباحا فاحشة.

كما شدّد الخبير الاقتصادي على أن مطلب إعادة تنشيط مصفاة (الشركة المغربية المجهولة الاسم للصناعة والتكرير) "سامير"، ليس لأنها "معلمة تاريخية أو شركة وطنية، بل لقيمتها المضافة، وكونها أداة وجزء مهم من الحل لخفض الأسعار".

في نفس السياق يرى الخبير الاقتصادي فؤاد عبد المومني مسؤول "ترانسبارنسي- المغرب"، أن ما أثار التذمر والاستنكار أكثر، هو خصخصة مصفاة "سامير" في 2015، ووضعها في حالة إفلاس بعد سنة، رغم كونها المصفاة الوحيدة، وبذلك تم تحرير الأسعار في محطات البنزين، واغتنام 15 شركة مختصة في استيراد وتوزيع المنتجات البترولية الفرصة لرفع الأسعار كلما ارتفع سعر برميل النفط، مع حرصها الشديد على عدم خفض الأسعار عندما تتجه في الاتجاه المعاكس على المستوى الدولي".

في الوقت الذي تحرص فيه الحكومة على عدم نشر بنية أسعار المحروقات، من الشراء إلى البيع، فإن ذلك يدل"على عدم الشفافية، بل إنه يدل على وجود تجاوزات فظيعة"، كما يؤكد أقصبي، هي "التجاوزات الفظيعة" ذاتها التي تكلم عنها المندوب السامي للتخطيط أحمد لحليمي، وإن لم يسمِّها، لكنه عبّر عن أسفه لتراجع المغرب بحوالي "تسعة عشر عامًا في الكفاح ضد التفاوتات الاجتماعية".

وباستثناء بعض من "تطوعوا" لمهمة الدفاع عن شخص أخنوش وحكومته، أو من تلقوا الإشارة، من جماعات"كَارِي حَنْكُو"، أي مؤجري ألسنتهم الطويلة، كما يوصفون بالدراجة، وهم ثلة من ممتهني التطبيل والتزمير (بالمقابل طبعا)، يصنفون ضمن "الذباب الإليكتروني"،حين تفتق خيالهم على الادعاء بأن "الأشباح"والحسابات المزيفة وراء انتشار "الهاشتاغ" المشار إليه والذي تصدر "الترند" المغربي. متناسين أن حملة الغضب العام، لم تكن فقط ضد من يرأس السلطة التنفيذية اليوم، بل أيضا باعتباره المحتكر رقم واحد في عموم البلاد لقطاعات البترول والغاز والكيماويات، وهو من يتحكم في أسعارها. ومتناسين المسيرات الشعبية الحاشدة التي نظمتها الجبهة الاجتماعية المغربية، وقد عمّت مختلف جهات ومدن البلاد، وبلغت أربع مسيرات كبرى منذ وصول أخنوش لرئاسة الحكومة في سبتمبر الماضي، وقد رفعت لافتات وشعارات تندد بالغلاء الفاحش وبسياسة تكميم الأفواه وإصدار أحكام قاسية بالسجن ضد صحفيين وحقوقيين ومدونين، وطالبت بإسقاط اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل".

موظف من الرباط لخص ما يحدث بالبلاد في "عدم الرفع من مستوى القدرة الشرائية للمواطنين". لذلك تطرح التساؤلات: كيف تنخفض نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى نطاق 1.5 - 1.7 بالمئة، خلافا للتوقعات التي وعد بها أخنوش، أي 3.2 بالمئة بموازنة العام الحالي، في الوقت الذي ارتفعت فيه أرباحه الخاصة وأرباح زوجته سلوى أخنوش، خلال توليه رئاسة الحكومة؟ إذ رصدت مؤسسة "فوربس الشرق الأوسط" أسباب زيادة ثروة خنوش، إلى جانب تغير الوضع الاقتصادي في المغرب منذ توليه زمام الأمور كرئيس للحكومة، وأن ثروته وزوجته زادت بقيمة 100 مليون دولار خلال هذا العام. في الوقت الذي يعاني فيه المغرب من أزمة وتحديات اقتصادية كبيرة.

بهذا الصدد يؤكد حقوقيون "إن الأمر يتجاوز تداعيات الجفاف وأزمة كورونا والحرب في أوكرانيا، التي تبرر بها الحكومة الأزمة، ليتبين أن الحقائق لها صلة وثيقة بزواج المال والسلطة، على حساب المجتمع والمواطنين، وبتضارب المصالح لدى من يتولون مراكز القرار".

***

في 2020، دشن رئيس التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش حملة انتخابية سابقة لأوانها، بإشرفه على توزيع إعانات غذائية خلال شهر رمضان، بواسطة جمعية باسم "جود"، وحرص على زرع بطاقة الانتساب إلى "حزب الحمامة" داخل كل قفة مساعدة. 

وفي الحملة الانتخابية النيابية لسبتمبر 2021، أطلق شعاره المثير والملتبس: "تَتْسَاهْلُو أكثر/تستحقون أكثر...!". ثم مضىعلى وتر غضب الناس واتجاههم لمعاقبة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي رأس الحكومة فترة ولايتين متتاليتين.

وعمل أخنوش على الظهور بقبعة الليبرالي، الحريص على تحقيق "الدولة الاجتماعية الراعية". ولم ينس الاستفادة من المرشحين الأعيان، باستقطاب بعضهم واستعارة آخرين من أحزاب مختلفة.

وبعد تعيينه رئيسا للحكومة، استفاق المواطنون بأن وعود صاحب "الحمامة" (رمزه الانتخابي)، كانت فقاعات هواء فارغة. أحدهم عبر بمرارة تنزف سخرية "إن الرجل لم يكن كاذبا، ألم يقل لنا "إنكم تستحقون أكثر"، وهو بهذا كان يؤول الآية القرآنية على طريقته: (وإن شكرتم لأزيدنّكم)، وبما أننا من الشاكرين، بالرغم من أوضاعنا المتأزمة، ازدادت أزمتنا تدهورا على تدهور، وهذا ما نستحقه، وهذا هو المعنى الصريح لشعار أخنوش: (تَتْساهْلو أكثر)".

مرة أخرى وجد أخنوش نفسه أمام غضب عنيد، يتقن أصحابه توظيف سلاح العنف السلمي عبر وسائط التواصل الرقمي. ففي 2018 سجلت حملة مقاطعة اقتصادية لمواد استهلاكية، نجاحا غير مسبوق بالمنطقة، عربيا وافريقيا، وكانت استهدفت من بين مواد أخرى، مقاطعة محطات وقود "أفريقيا" لصاحبها "وزير البر والبحر" (تولى أزيد من عقدين شؤون وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه للغابات). لكن الرجل لم يستوعب الإضرار بتجارته، فرفع أصبعه مهددابإعادة "التربية" لمن تنقصه (من منخرطي حملة المقاطعة الاقتصادية). ما خلف موجة عالية من السخط والغضب والسخرية ضده.

وربما كانت المهمة الأولى لأخنوش، هي تلقين المواطنين الاستسلام للأمر الواقع، وأن عليهم الإيمان بالقول السائر المنسوب خطأ للرسول: "كيفما كنتم يولى عليكم"، لكن المواطنين المغاربة أثبثوا باستمرار أنهم ضد الفساد والظلم والطغيان، وأنهم لا يستحقون الحكومات التي تعاقبت عليهم، وضمنها "حكومة التناوب" التي رأسها الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي، التي يحاول البعض تسويقها كحكومة وطنية "رشيدة"، لكن الحقيقة أنها كانت مجرد آلية لانتقال الحكم من ملك إلى ملك بالسلاسة المطلوبة. 

وقد وصفها المفكر عبد الله العروي بما تستحق،في كتابه "خواطر الصباح"، عندما سماها "الحكومة السلطانية".

أما من يريدون اليوم خطف نجاح حملة الهاشتاغ الأخيرة ونسبها لرئيس الحكومة السابق الإسلامي عبد الإله بنكيران - الذي هو نفسه يتفاخر بذلك بين محازبيه- فهم مخطئون،

فالرجل باع ما لديه من ذرة مصداقية مفترضة في سوق النخاسة السياسي، ولم يعد مختلفا عن بقية المهرولين صوب خدمة المخزن، خصوصا بعد استفادته من معاش استثنائي ملكي، لا مثيل له فوق الأرض. وبعدما أزعجته الانتقادات طالب من "المنغصين" أن يغضوا الطرف ويكفوا، وإذا لم يستطيعوا نصحهم بتوقير واهب العطاء السخي الممنوح له. 

ويرى بعض المراقيبن أن بنكيران، وهو واقع تحت تأثير وهم كبير، بأن التطورات المنتظرة قد تحتاج إليه، تماما كما حدث إثر انتفاضة "حركة 20 فبراير"2011، عندما استغل الحدث وحقق من ورائه ما لم يكن يحلم به على الإطلاق. وربما يخطر بباله أنه سيعيدها ثانية، هذه هي مرجعية تلويحه المستمر بأن "الربيع العربي" لم ينته، خاصة أن التقارير تصنف المغرب إلى جانب مصر وتونس ولبنان، في قائمة إعادة "الحالة السيرلانكية".

كثير من المعارضين يرون أن جلباب الحكومة أوسع وأكبر من حجم عزيز أخنوش، كما يشككون في نجاحه في عالم المال والأعمال، بالقول إن ذلك حصل بسبب علاقته بالسلطة وصداقته للملك، ما مكنه من تفويت قطاع المحروقات لفائدة شركاته. 

كما أنه لم يوفق في نهج سياسة تواصلية ناجحة، لا على صعيد الحزب الذي هبط عليه بمظلة طائرة، ولا على مستوى الشأن الحكومي الذي انخرط فيه منذ أزيد من عقدين، حتى أنه يعد من أقدم الوزراء في مغرب اليوم.

ويبدو أن أخنوش، رغم استثماره منذ عقود في مجال الصحافة والإعلام، إذ يملك صحفا ومجلات وشركات إشهار، أثبت فشله في مجال التواصل، كما ظهر عاجزا عن قراءة سليمة لنص مكتوب باللغة العربية الفصيحة، فلو حصل ذلك مثلا لوزير فرنسي أساء للغة الفرنسية كما فعل أخنوش للغة العربية لتم إبعاده. ولم تفد اجتهادات فريق التواصل الخاص به سوى في تأجيج الغضب الشعبي أكثر، إذ زاد الإقبال على انتشار شرارة هاشتاغ "ارحل أخنوش". 

لكنه لن يرحل، ما دامت أعلى سلطة في البلاد ترغب في بقائه. فإثر إعلان فوز حزبه في الانتخابات الأخيرة، بشرنا أخنوش بأن "الديمقراطية انتصرت"، بينما العالم يدرك أن المركز الحقيقي للسلطة في المغرب في يد الملك، وأن الملك هو أبرز فاعل سياسي واقتصادي في البلد.

"الجحيم هم الآخرون"، عبارة سارتر المشهورة، ربما يحورها أحدهم الآن إلى "الجحيم هم المُحْتَجُّون والمحتاجون". وهو ما لا يجادل فيه الفقراء والمفقرين، لأنهم يحترقون بنيران الأسعار وباضطرام الأوضاع، وقد تحولوا إلى قطعة من جحيم حارقة..!!! من يدري.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.