ستظل القيم ومساعي التقدم والأبحاث العلمية والاكتشافات المذهلة وجوائز نوبل هي الطاغية
ستظل القيم ومساعي التقدم والأبحاث العلمية والاكتشافات المذهلة وجوائز نوبل هي الطاغية

في حوار خاص عن السينما قبل سنواتي مع أحد النقاد البارزين، وهو أيضاً أستاذ محاضر لمادة النقد السينمائي في إحدى الجامعات الأميركية، كنت قد سألته في حينه عن مدى انعكاس صورة أميركا ومصداقيتها من خلال السينما الأميركية؟. أجابني الرجل وقد شاب صوته بعض التأسف: "لا شك أن الأفلام وفقت في نشر ثقافتنا بشكل عام، لكنها ورغم النوايا الحسنة، أساءت إلى بعض أجزاء هذه الصورة بسبب انفلات الضوابط وارتفاع مستوى العنف غير المبرر الذي تبالغ العديد من الأفلام بإظهاره عن حياة الأميركيين".

يمكن لمن اختبر طبيعة الحياة في أميركا أن يتفهم مثل هذا الرأي النقدي بوضوح، إذ تسير شؤون الناس على أرض الواقع بشكلها الطبيعي والاعتيادي، مقارنة بما تطرحه السينما من تهويل وجرعات زائدة لموضوعة العنف بشكل محدد. دون أن يعني الأمر أن الأميركيين كغيرهم لا يعانون من مشاكل مستفحلة تتعلق بأعمال العنف، لكن موقع أميركا المؤثر في المشهد الدولي، وأيضاً بوصفها الأكثر نشاطاً وغزارة في تصدير المنتج الاعلامي المترافق بحرية التعبير، جعل أنظار العالم تتوجه إلى كل ما يجري فيها على مدار الساعة، من أبسط الأحداث والحوادث، حتى أكثرها عنفاً.

وعليه، ساهم الفيلم الأميركي، ذي المحتوى العنفي بشكل خاص، وبوصفه وسيلة إعلامية مؤثرة، في رسم مسارين متقاربين في تأثيره الخارجي، تمثل أولهما في خلق انطباع مغالط يقيّم العيش في أميركا بوصفه مجازفة، ورسم تصوراً متخيَّلاً غير حقيقي عن حياة الأفراد التي تخلو من الأمان في المطلق، يهابون الخروج للنزهة أو التسوق أو العمل، وتعج يومياتهم بالرعب والرذائل والمجرمين والسلاح فقط. وكأنها بلاد تسود فيه شريعة الغاب، لا يجرؤ أحد فيها على الذهاب إلى جامعة، أو مطعم أو مسرح أو متحف، أو يلتقي بمعارفه في الأعياد والمناسبات.

فيما تسبب مسار التأثير الثاني في خلق حالة من التماهي السلبي لدى بعض الجمهور العالمي الذي قلد المحتوى العنفي لهذه الأفلام التي كرست مفهوم مغاير لمعنى البطولة يتمثل بالانفلات والبطش. 

وإلى زمن قريب قلد معظم الصبية في العالم بعض أفلام الكاوبوي حرفياً مثل (الطيب والسيء والقبيح-The Good,The Bad, and The Ugly) 1966أو( من أجل حفنة دولارات (A fistful of 1964 أو غيرها. وبطشوا برفاقهم وهم يعتمرون قبعات مشابهة ويرتدون سراويل وأحذية مدببة تشبه ما كان يرتديه أبطال أفلام الكاوبوي ذوي الوسامة والقوة الخارقة.

لكن موجة أفلام "الويسترن" التي اكتسحت العالم قبل أكثر من خمسة عقود، ستبدو اليوم شديدة اللطف والرقة، مقارنة مع ما حملته موجة الأفلام الجديدة من تبدل في طبيعة العنف واتخاذه منحى أكثر حداثة في الأدوات والتنفيذ، وأكثر تطرفاً ودموية في بعديه النفسي والسيكولوجي. وفي كل مرة، كانت مثل هذه الأفلام تعثر على ضالتها بين جمهور قابل للتماهي معها، ومستعد لتقليد ما يحدث فيها حرفياً في بعض الأحيان.

إذ شمل هذا التقليد إما المظهر العام للقتلة الجذابين الجدد، أو محاكاة أسلوبياتهم المحترفة وأدواتهم الحديثة، أو قبول فكرة استسهال القتل والتخطيط له، وهي أكبر مخاطر التأثير وأعظمها دون منازع. بحيث بدت حيثيات الكثير من الجرائم التي سجلت على أرض الواقع في بعض بلدان العالم، أو في الداخل الأميركي، مثل حوادث الدهس المتكررة أو مجازر إطلاق النار العشوائي على التجمعات البشرية والمدارس، متشابهة نسبياً مع حيثيات كثير من الجرائم التي حدثت في بعض الأفلام.

ورغم أن بعض الأفلام المتفوقة فنياً وجماهيرياً التي تضمنت عنفاً حاداً تعمدته لأجل غايات سياسية أو اجتماعية ناقدة مثل بعض أفلام ستانلي كوبريك وكونتين تورنتينو. إلا أن الاتقان المدهش لصنعها السينمائية، نجح في التقاطع مع بعض المتلقين من الجمهور أكثر من غيرهم، واستثار نقاط الضعف لدى من يعانون في الأساس من هشاشة تربوية أو قهر طبقي أو يضمرون رغبات في الانتقام من مجتمعهم أو من رفاقهم، ونمى لديهم السلوك العدواني بغية تسليط أضواء الشهرة عليهم حتى ولو صنعت هذه البطولة من دماء الآخرين، كما في الأفلام.

في الوقت ذاته، لا يمكن للمتابع لبعض أفلام العنف أن ينفي عنها بعض مقدرتها التعليمية الايجابية ومساهمتها الفعالة في ترسيخ بعض المعلومات المفيدة لدى المتلقي لاستعمالها في الوقت المناسب. بحيث تؤدي مثل هذه المعلومات منفعة للأفراد، والأطفال بشكل خاص، يمكن استرجاعها حال تعرض أحدهم لاعتداء ما، وتعليمه آليات الدفاع عن نفسه وبعض سبل النجاة، كما ظهر في فيلم (الهاتف الأسود) الذي يعرض حالياً في الصالات الأميركية وبعض الصالات العالمية، ويتحدث عن عمليات الخطف المروعة للأولاد، وأهمية تكريس فكرة مقاومة المعتدي وعدم اليأس من النجاة أو الاستسلام بسهولة.

كما يمكن استرجاع أفضل مثال حيّ في السياق، وهو ما أقدمت عليه التلميذة الأميركية "ميا" في مجزرة "يوفالدي" المروعة التي وقعت في ولاية تكساس شهر مايو الفائت، التي قامت بتلطيخ جزء من جسدها بدماء زميل لها لقي مصرعه، في محاولة منها للنجاة عبر تظاهرها بالموت أمام القاتل الذي كان يردي رفاقها واحداً تلو الآخر. وهو سلوك شجاع ولمّاح أبدته الطفلة ابنة الأحد عشر عاماً فقط، لا شك أنها رأت ما يشبهه في العديد من أفلام السينما.

ولكن أياً تكن الإيجابيات التي تهدف إليها بعض الأفلام ذات المحتوى العنفي، يبقى تأثيرها السلبي هو الطاغي. وفي واقع الأمر، لا يحتاج العالم المنغمس برمته في أشكال العنف السياسي والاجتماعي والديني، فضلا عن العنف النفسي واللفظي وجميع أشكال التنمر السائدة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى مثل هذه الجرعات المفرطة من العنف الدرامي السائد في بعض الأفلام الأميركية والعالمية وبعض أعمال الدراما العربية الجديدة، والذي يمكنه تفريغ أية طاقة إيجابية أو مشرقة من النفوس، وتحويل متعة المشاهدة إلى حالة من التوتر وارتفاع الضغط وتلبس المشاعر السوداوية والانهزامية المضافة لمصاعب الحياة.

ورغم ما تسببت به بعض أفلام العنف من إساءة غير متعمدة لبعض أجزاء صورة أميركا، ستظل القيم ومساعي التقدم والأبحاث العلمية والاكتشافات المذهلة وجوائز نوبل هي الطاغية التي تصون مثل هذه الصورة، وتمنحها الاشراق والجاذبية باستمرار.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!