"لم يستطع هذا الإنسان العربي تحديد مستهدفاته الأساسية على نحو واضح".

منذ أكثر من قرنين، والإنسان العربي يبدو حائرا، بل تائها، بل مُمَزَّقا، في مسار اضطراره للحسم في الخيارات الثقافية/ المبادئية المتاحة له، أو تلك التي يَتوهمها متاحة له؛ بينما هي ـ على حَدِّ واقعه الثقافي والعيني ـ من جُمْلة المستحيلات بحقه، تلك المستحيلات التي تُرَاودها الأماني على وقع طبول الأقوال؛ فيما تعجز عنها الوقائع على معيار تحدّيات الأفعال. 

الإنسان العربي حائر، وعاجز لأنه حائر، أو حائر لأنه عاجز، أو هو هذا وذاك في آن. إنه يَبدأ فيُعِيد، يُقْدِم فيَنْدم، يتقهقر فَيَتَحَسَّر؛ يَلعن واقعه الذي هو ثمرة وَعْيه، ثمرة خياراته أو حيرته في اختياره، فيما هو يعجز عن لعن ماضيه الذي صنع واقعه، وأزَّمَ وعيَه، وحَدَّ من خياراته؛ إنه يغضب على الآخَر، فيما هو يُعبِّر حقا عن غضبه على الذات؛ إنه يفخر بأسلافه ويُمَجِّد تاريخَه؛ فيما هو يُنَفِّس تِجَاهها ـ وعلى مستوى غير واعٍ ـ عن احتقار مكتوم.

بل إلى الآن، لم يستطع هذا الإنسان العربي تحديد "مستهدفاته الأساسية" على نحو واضح. إنه لا يدري: هل يريد العيش في عالم إنساني مُتَحضِّر تسود فيه قيم الحرية والعدالة والمساواة؟ أم هو يريد رغيفا وكساء ومركبا ومسكنا؛ مع الاحتفاظ بأنماط عيش أسلافه الغابرين؟ هل يريد التقدّم في مدارج الرقي الإنساني (من حيث هو تقدّم وَعْيٍ يعكس واقعا)؛ ليخلق بهذا واقعا مغايرا لواقع الأسلاف؟ أم هو يريد "التقدم" في ابتكار أنماط جديدة لاستهلاك أكبر قدر من المشروب والمأكول والملبوس والمركوب (من حيث هو "تقدّم" واقعٍ يعكس وَعْيا)؛ لِيُعِيد إنتاج واقع أسلافه بصورة أخرى، ولكن بذات الأنساق الثقافية الناظمة؟ 

طوال أكثر من قرنين من مُحَاولات استلهام قيم الحضارة؛ يحق لنا أن نسأل: ما "المُتَغيِّر الحقيقي" الذي يعكس تقدما حقيقيا في وعي العرب الكلي (= أنساق الثقافة العامة)، وبالتالي؛ يتجلى منعكسا في واقعهم؛ متجاوزا البدهيات الأولى لمتطلبات الجسد المادية؛ إلى آفاق متطلبات العقل والروح؟

مَن يُحاوِل مُقَارَبة الأمور من خلال هذه الأسئلة وما شابهها، لا بد وأن يبدو متشائِما، خاصة وأن أسئلة الثقافة العربية لا تبرح مكانها في العقود الأربعة المتأخرة، بل قد ارتدت ـ في حالة انتكاسة وعي ـ عقودا إلى الوراء، وفي بعض مساراتها انتكست قرونا.

لا تزال الجماهير العربية البائسة تبحث عن مُغَذِّيات وعيها في مخازن التخلف والتطرف: عند سدنة التعصب الديني والانغلاق الثقافي. لا يزال الجاهلُ، ومُروِّجُ الخرافة، ومُعَادي العلم الحديث، والمُتَهَكِّمُ بالإرث الحضاري التنويري للحضارة المعاصرة، والضارب على أوتار نظريات المؤامرة، والمُمجّد لتراث الأسلاف، والتكفيري، والقومي الشوفيني الذي يتحدث عن وطنه وعِرْقِه بمنطق القبيلة...إلخ، لا يزال هؤلاء هم الأكثر استقطابا للجماهير، ومن ثَمَّ؛ الأشد حسما في تحديد خياراتها، سواء في الآني والخاص، أو في المؤجل والعام.

إن كل مظاهر العصرنة التي نراها اليوم، كل ما يبدو طافحا على مسلكيات الإنسان العربي من مظاهر تُوْهِم بِتَجاوزِ وعي الأسلاف على مستوى الوقائع العينية، مجرد قشرة باهتة، يكمن تحتها وَعيٌ تُراثي يفرض قوانينه، ويُحِيل حتى تلك الوقائع العينية المُحَدْثَنَة ـ يُحِيلها في ذات مسارها أو في مُسْتَهدفاتها ـ إلى وقائع داعمة لمواريث عصور التخلف والانحطاط، تلك العصور التي يتوهم الوعي العربي الراهن أنه قطع معها، بينما هو يستولدها من جديد بحياة مستأنفة، حياة نشطة هي أشد قوة وأكثر خصوبة في مقدرتها على استزراع وَعْيها الانحطاطي.   

لهذا، كانت مقولة "الأصالة + المعاصرة" الرائجة في الجدل الثقافي العربي مقولة مخاتلة، بل مخادعة. هي محاولة للجمع بين المتضادات، مع استحالة الجمع. ما يعني أن المقصود: تمويه المعاصرة لحساب الأصالة، أي إلغاء المبادئ الأساسية للحضارة الغربية المعاصرة (والتي هي الحضارة الكونية، الحضارة بالمطلق)، لصالح الإبقاء على المبادئ/ القيم التراثية المطروحة كتعبير عن "الأصالة". فمثلا، تُلْغى الفردانية، لحساب المجموع، وتُذَاب حرية الأفراد الواقعية، في محيط حرية المجموع الوهمية، وهكذا دواليك في سائر المبادئ. 

إن مقولة "الأصالة"، وتحديدا على مستوى الخيار الواعي، ليست أكثر من تعبير انتمائي عن إرادة الارتباط بالأصول الثقافية. بينما هي على مستوى الخيار اللاَّواعي، تعبير عن إرادة رفض المدنية المعاصرة، تعبير عن المفاصلة مع أهم القيم الأساسية للحضارة الكونية؛ لصالح مألوفات الذات المستمدة من التراث القديم.

قد تبدو اليوم مقولة "الأصالة" مُنْهَكة، خائرة القُوَى، بل تبدو وكأنها تتوارى عن المشهد؛ لصالح مظاهر عصرانية ذات حيوية باذخة، تتماهى مع مثيلاتها في العالم المتقدم. لكنها ـ في واقع الأمر ـ تتجاوز تمظهراتها التقليدية، مُتَقَنِّعةً بهذه المظاهر المُمَوّهة التي لا ترفع شعارات المعاصرة؛ إلا من أجل ضمان استمراريتها فاعلة في كل خيارات الجيل العربي الحديث. 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!