الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب

بعد الجلسة الثامنة والأخيرة التي عقدتها اللجنة الخاصة بالتحقيق في اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021، أصبح السؤال الملّح في الأوساط السياسية والقانونية هو: هل ستتحرك وزارة العدل لمحاكمة الرئيس السابق دونالد ترامب بتهم التحريض على العصيان ومحاولة إلغاء نتائج انتخابات رئاسية شرعية بالقوة؟ الجلسة الأخيرة خصصت للكشف عن ما فعله، والأهم عن ما لم يفعله ترامب خلال أكثر من 3 ساعات حين استباح مئات المتطرفين من أنصاره مبنى الكابيتول وعطّلوا آخر إجراء دستوري يشرف عليه نائب الرئيس للتصديق على نتائج الانتخابات والإعلان الرسمي عن فوز المرشح الديمقراطي جوزف بايدن بمنصب الرئاسة. واستخدمت اللجنة كعادتها الشهود الذين مثلوا أمامها والعديد من الشهادات المسجلة وغيرها من الوثائق التي جمعتها ومن بينها حوارات عناصر الشرطة السرية المكلفة بحماية نائب الرئيس مايك بنس التي أظهرت أن بعضهم أجروا اتصالات مع أفراد عائلاتهم لوداعهم لأنهم اعتقدوا أنهم لن يخرجوا أحياء من مبنى الكابيتول.

الجلسة لم تكشف عن الدليل القاطع بأن ترامب هو الذي نظّم العصيان وأمر مباشرة بالاقتحام، أو كما يقال في التحقيقات الجنائية لم تكشف الجلسة عن المسدس الذي لا يزال دخان الرصاص يخرج من فوهته، ولكنها اقتربت كثيرا من ذلك. تأكيدات الشهود، والتسجيلات والاتصالات التي أجراها بعض مساعدي ترامب معه خلال تلك الساعات العصيبة وغيرها من الوثائق أظهرت بشكل لا لبس فيه أن ترامب الذي كان يراقب بارتياح كبير وقائع الاجتياح على شبكة التلفزيون فوكس رفض بشكل قاطع مناشداتهم وطلباتهم بأن يطالب أنصاره بوقف الاجتياح، أو أن يتخذ أي إجراءات أمنية مثل  نشر قوات الحرس الوطني لحماية الكابيتول حتى بعد أن وصلته التقارير الأمنية بأن حياة نائبه بنس هي في خطر.

الإنجاز البارز للجنة في جلساتها الثمانية (سوف تستأنفها في سبتمبر المقبل، بعد العطلة الصيفية) هو أن معظم الشهود الذين مثلوا أمام اللجنة في الجلسات التي بثت وقائعها الحية شبكات التلفزيون أو الشهادات التي أدليت في جلسات خلفية، هم جمهوريين أو مؤيدين سابقين لترامب أو احتلوا مناصب هامة في إدارته. هؤلاء أدلوا بشهادات دامغة وتحدثوا عن وقائع شاركوا فيها أو شاهدوها وكلها تؤكد مسؤولية ترامب وتورطه في التحضير والتحريض المسبق للاجتياح، وهو أمر أظهرته بعض تصريحاته العلنية قبل الاجتياح، وخلال ساعات الاجتياح وفي الأيام والأسابيع التي تلت الاجتياح حيث أصر ترامب على ان الديمقراطيين "سرقوا" الانتخابات منه، وأن نائبه مايك بنس لم يتحل "بالشجاعة" الكافية لرفض التصديق على انتخاب بايدن وإعادة القرار إلى الولايات المختلفة، الأمر الذي كان سيشكل انتهاكا سافرا للدستور، لأن نائب الرئيس لا يتمتع بمثل هذه الصلاحيات، ولكان قد تسبب بأزمة دستورية لم تشهدها البلاد من قبل. بعض هؤلاء الشهود، ومن بينهم محامي البيت الأبيض باتريك سيبيلوني ووزير العدل وليام بار الذي استقال قبل انتهاء ولايته ونائب مستشار الأمن القومي ماثيو بوتينغر الذي استقال فور اقتحام مبنى الكابيتول، وغيرهم، كلهم أكدوا بدرجات متفاوتة من الفعالية ضلوع ترامب في تشجيع الاقتحام، والامتناع عن التدخل لوقفه، أو أنه كان يدرك أنه قد خسر الانتخابات ومع ذلك واصل ترويج "الكذبة الكبرى" بأنه فاز بالانتخابات التي شهدت أعمال تزوير كبيرة حسب زعمه، وهو أمر أخفق في توفير أي دليل على حدوثه. وكان ترامب قد رفع حوالي 60 دعوى مختلفة في جميع أنحاء البلاد ادعى فيها حدوث عمليات تزوير ضده، وهي دعاوى رفضها حتى القضاة الذين عينهم خلال ولايته.

وسوف يصدر عن اللجنة تقرير شامل عن بدايات ومضاعفات اجتياح الكابيتول من المتوقع أن يتضمن توصيات من بينها  التمني على وزارة العدل مقاضاة ترامب جنائيا. مثل هذه التوصية غير ملزمة، ولكنها ستساهم في تعزيز الضغوط المتنامية على وزارة العدل لكي تقاضي ترامب جنائيا. وزير العدل ميريك غارلاند أكد من جديد للصحفيين في أعقاب الجلسة الأخيرة أنه لا يوجد أي مواطن بغض النظر عن أهميته ومركزه "فوق القانون". مقاضاة ترامب لمنعه من الترشح مرة ثانية هو من أهم الأهداف غير المعلنة رسميا للجنة. وتسعى نائبة رئيس اللجنة، الجمهورية إليزابيث تشيني دائما إلى إقناع الناخبين الجمهوريين بأن الرئيس السابق ترامب لا يزال يشكل خطرا حقيقيا ومباشرا على الولايات المتحدة. وفي نهاية الجلسة الأخيرة ناشدت تشيني الناخبين الجمهوريين نبذ ترامب الرجل "الذي استغل وطنيتهم" حين ضللهم بأن الانتخابات كانت مزورة، مضيفة "هل يمكن لرئيس مستعد لاتخاذ القرارات التي اتخذها دونالد ترامب خلال أعمال العنف التي جرت في السادس من يناير أن يحظى بالثقة لكي يحتل أي منصب هام في بلادنا العظيمة؟".

حتى الآن تبين معظم استطلاعات الرأي أن أكثرية الجمهوريين لا يراقبون جلسات اللجنة، وأن ترامب لا يزال في طليعة المرشحين الذين يمكن أن يدخلوا السباق الرئاسي في 2024. ولكن هذه الاستطلاعات تبين أن نسبة هامة من الناخبين المستقلين يبتعدون عن ترامب. وتشير تقويمات المحللين والمسؤولين الجمهوريين في مختلف الولايات إلى ما يسمونه نمو ظاهرة "الإرهاق من ترامب" في أوساط الجمهوريين بمن فيهم الذين يقولون إنه حقق إنجازات هامة، ولكنهم تعبوا من العبء النفسي الذي يمثله الآن، خاصة وأنه لا يتحدث إلا عن الماضي وعن الشكاوى من نتيجة الانتخابات. هؤلاء يريدون أيضا مرشحا جمهوريا لا يختلف بالضرورة كثيرا عن ترامب ولكن دون أعباء ومشاكل وإرهاق ترامب. وأظهرت الاستطلاعات التي أجريت في الولايات التي تبدأ فيها الانتخابات الأولية مثل ولاية نيوهامبشير أن حاكم ولاية فلوريدا رونالد ديسانتس متقدم على ترامب، على الرغم من أنه لا يتحدث علنا عن طموحاته الرئاسية.

المقربون من ترامب يلمحون إلى أنه يفكر بالإعلان عن ترشحه رسميا حتى قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر، لأكثر من سبب من بينها قطع الطريق على مرشحين محتملين مثل الحاكم ديسانتس، ولكي يزيد من صعوبة مقاضاته رسميا من قبل وزارة العدل. ولكن مشاكل ترامب القانونية لا تنحصر فقط في احتمال قيام وزارة العدل بمقاضاته، لأنه يواجه تحقيقا جنائيا أخطر  يجري في ولاية جورجيا وهي الولاية التي حاول فيها ترامب الضغط على مسؤول الانتخابات في الولاية، الجمهوري براد رافينسبيرغر، لـ"أن يعثر على 11,780 صوتا" بعد الانتخابات وأنه إذا أخفق في ذلك فإنه "سيجازف" بتعريض نفسه للملاحقة القانونية. جاء ذلك في مكالمة هاتفية سجلها المسؤول عن الانتخابات رافينسبيرغر وسمعها ملايين الأميركيين. أيضا في ولاية جورجيا وقع 16 جمهوريا على وثائق انتحلوا فيها صفة "الناخبين الكبار" الذين يمثلون الولاية في المجمع الانتخابي، رافضين بذلك المندوبين الشرعيين. وحتى قبل جلسات اللجنة الخاصة في مجلس النواب، رأى العديد من الحقوقيين أن التحقيق الجنائي في ولاية جورجيا هو الذي يمثل الخطر الأكبر على المستقبل السياسي لدونالد ترامب.

قبل أيام نشر موقع أكسيوس تحقيقا مطولا كشف فيه عن خطة للرئيس السابق ترامب وبعض مؤيديه تهدف في حال فوزه في انتخابات 2024، إلى إحداث تغييرات جذرية وهيكلية يمكن وصفها بالانقلابية في البيروقراطية الأميركية وتقضي بطرد عشرات الآلاف من الموظفين من الوزارات والأجهزة الحكومية والأمنية الرئيسية مثل وزارات الدفاع والعدل والخارجية، ووكالة الاستخبارات المركزية (السي آي أي) ومكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) وغيرها، وتعيين موظفين موالين له لإدارتها. وهذه هي الأجهزة التي كان يشكوا منها ترامب خلال ولايته ويصفها "بالدولة العميقة" لأن بعض كبار المسؤولين فيها تجرأوا على معارضة بعض قراراته.

بعد أكثر من 18 شهرا على مغادرته مرغما للبيت الأبيض لا يزال شبح دونالد ترامب يخيم بظلاله الداكنة والثقيلة على حاضر ومستقبل الولايات المتحدة. صحيح أن ترامب لا يزال يعيش في الماضي، وهاجسه لا يزال الانتقام من أعدائه الحقيقيين والمتخيلين وخاصة من الجمهوريين الذين يتهمهم بخيانته. ولكن المفارقة هي أن ترامب سوف يهيمن على المستقبل القريب للولايات المتحدة إذا تمت محاكمته من قبل وزارة العدل أو من قبل المدعي العام في ولاية جورجيا، أو إذا قرر – كما هو متوقع – أن يعلن عن ترشيحه للانتخابات الرئاسية في 2024.

إنها ظاهرة فريدة تعيشها الولايات المتحدة الآن: رئيس سابق عمره 76 سنة يرفض الاعتراف بهزيمته ويريد العودة إلى البيت الأبيض بعد سنتين ونصف السنة، حيث يعيش الرئيس بايدن، الذي يشارف على الثمانين من عمره في منتصف ولايته الأولى، ويصر – علنا على الأقل - على الترشح مرة أخرى لمواجهة ثانية مع خصمه القديم لأنه يعتقد أنه المرشح الديمقراطي الوحيد القادر على إبقائه خارج البيت الأبيض.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!