الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

لا تُعول طهران على اتصال من باريس، فهي لن تعطي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما لم تعطه للرئيس الأميركي جو بايدن.

وحتى محاولة إحياء التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق نووي في القريب العاجل، التي عبّر عنها ماكرون في آخر اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني إبراهيم  رئيسي، تكاد تكون معدومة، أقله في المدى القريب والمتوسط، خصوصا بعد جولات مكثفة، منها العلنية ومنها السرية، وفي أماكن مختلفة اصطدمت مجددا بمطالب إيرانية لا يمكن للإدارة الحالية تلبيتها، أو حتى الالتفاف عليها. 

المفاجئ في الكلام الذي صدر عن الإليزيه بعد مكالمة ماكرون رئيسي، ان الأول أعرب عن خيبة أمله لعدم إحراز تقدم، وأنه طالب رئيسي بضرورة اتخاذ خيار واضح للتوصل إلى الاتفاق والعودة إلى الالتزامات النووية. وكأن الفرنسيين بعد مرحلة من الجولات الماراثونية مع إيران لم يتعلموا أن طهران من المستحيل أن تعطي الأوروبيين ما لم تعطه للأميركيين، وأن لا إمكانية أوروبية لإعادة إيران للمفاوضات من حيث اصطدمت مع واشنطن.

وحتى إيران التي تناور مع الفرنسيين وغيرهم عينها فقط على الموقف الأميركي والإجراءات المقبلة، سواء كانت دبلوماسية أو غير ذلك. 

في أكثر من محطة أدت الميوعة الفرنسية في التعاطي مع قضايا المنطقة إلى منح إيران فرصة جديدة  للمناورات التفاوضية، مستغلة أوراق قوة عديدة تتحكم فيها، من العراق إلى سوريا وصولا إلى لبنان مربط الخيل الفرنسي، وعقدة العودة إلى مناطق النفوذ التي خسرتها في الشرق الأوسط، حيث الرغبة الفرنسية بتسويات مستعجلة لأزمات مستعصية قد تؤدي مجددا إلى صراعات طويلة إذا استمرت باريس والدول الغربية مجموعة 5+1 في تراخيها التفاوضي مع إيران، التي باتت تعطل استحقاقات كبرى في المنطقة وتربطها بمستقبل الاتفاق النووي الذي تريد أن تنتزعه من المجتمع الدولي. 

قبل أيام معدودة من  الاتصال الفرنسي بطهران، كان منسق الشؤون الإيرانية في البيت الأبيض وكبير المفاوضين الأميركيين، روبرت مالي، في موقف لا يحسد عليه وهو يقدم مطالعة أشبه بإعلان عجز كامل في التوصل إلى إتفاق، وقال  مالي في مقابلة مع قناة (سي ان ان CNN ): "إن فرصة إحياء الاتفاق النووي تتضاءل يوما بعد يوم"، فمن الطبيعي أن يستخدم مالي لغة دبلوماسية في مقاربته، لكن لم يعد باستطاعته تغطية حجم المأزق الذي وصلت إليه المفاوضات، ويعترف بأن طهران باتت تمتلك المعدات اللازمة لصنع قنبلة نووية.

موقف مالي يكشف عن شبه انعدام للفرص، خصوصا أن طهران طالبت واشنطن بالتعامل بواقعية والتخلي عن المطالب "المبالغ فيها" لإحياء الاتفاق النووي، الأمر الذي ترك شكوكا متبادلة بين الطرفين حول نواياهم العودة إلى التزامات إتفاق 2015.

بالنسبة لمالي فإن جهود واشنطن تنصب في هذه المرحلة على  منع طهران الحصول على سلاح نووي، لكنه لم يوضح كيفية منع إيران من ذلك، خصوصا بعد عدة تصريحات من جهات إيرانية وإسرائيلية تؤكد إمكانية  وصول إيران إلى قنبلة نووية، الأهم في هذا الكلام جاء من طهران هذه المرة، وعلى لسان دبلوماسي إيراني سابق ومساعد سابق للسلطة القضائية في الشؤون الدولية، محمد جواد لاريجاني الذي قال إن بلاده إذا قررت صنع سلاح نووي فلا أحد يستطيع إيقافها.

لكن الكلام الأبرز جاء على لسان وزير الخارجية الإيراني الأسبق كمال خرازي، الذي أكد أن إيران تمتلك "القدرات الفنية" لصناعة قنبلة نووية، إلا أنه حتى الان لا قرارا رسميا بذلك.  

كلام خرازي ردت عليه إسرائيل مباشرة، حيث أعلن رئيس أركان الجيش أفيف كوخافي أن إسرائيل تحضر الجبهة الداخلية للحرب، مشيرا إلى احتمال العمل ضد التهديد النووي الإيراني وأن الجيش يستعد بقوة للتحضير لهجوم في إيران. 

بين خيبة أمل ماكرون وقلة حيلة مالي، والتهديدات الإيرانية الإسرائيلية المتبادلة، تأتي تقديرات بريطانية أقرب إلى المنطق في فهم الحالة الإيرانية في هذه المرحلة على لسان رئيس جهاز المخابرات ريتشارد مور  أمام «منتدى آسبن الأمني» في كولورادو: "لا أعتقد أن الإيرانيين يريدون ذلك"، حيث شكك مور برغبة المرشد الإيراني علي خامنئي بالتوصل إلى  إتفاق نووي.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!