بلدان أخرى تُقدم نموذجاً آخر للحياة العامة قائم على تنمية اقتصادية انفجارية
بلدان أخرى تُقدم نموذجاً آخر للحياة العامة قائم على تنمية اقتصادية انفجارية

بينما تغرق بلدانٌ مثل تونس وسوريا ولبنان والعراق في شروخ مجتمعاتها وحروبها الدموية، تلك البلدان التي كانت قائمة على تاريخ اجتماعي وسياسي وثقافي معقول، يمتد لقرن ونصف على الأقل، منذ أن شهدت حياتها العامة أولى ملامح التحديث؛ فأن بلدان أخرى تُقدم نموذجاً آخر للحياة العامة، قائم على تنمية اقتصادية انفجارية ومراكمة استثنائية للثروة العامة، مع استقرار اجتماعي، أشبه ما يكون بـ"الموات العام"، في ظلال غياب تام لأي صراع سياسي أو خلاف مجتمعي أو ثقافي أو فكري أو مناطقي أو هوياتي داخلي ضمن بلدانها ومجتمعاتها، التي تحيا سُباتاً ذاتياً لا يوصف، حسب الظاهر على الأقل.

 تشكل دول الخليج العربي، وبلدان أخرى قائمة على نوع من الملكيات التعاقدية المستقرة، نماذج عن ذلك. تلك التي تسعى للقول ثمة فشل في كل شيء، ووحده الاستقرار المديد، وحسب أية شروط كانت، قادرة على إنقاذنا من هذه البؤرة.

طوال السنوات الماضية، بالذات بعد ظهور حجم الأزمات والشروخ التي تسببت بها موجة الربيع العربي، تنامت طبقة من "المبشرين" الذين سعوا للقول إن هذه النماذج الصاعدة "هي الحل". يعملون جاهدين لترويج تلك الفكرة والدفاع، لأسباب شتى، على رأسها الروابط والمصالح التي تشدهم إلى رأس قمة النافذين في هذه النماذج.

كان هؤلاء يُشيدون رؤيتهم على ثنائية ترى أن مجتمعاتنا غير جديرة بنيل مكاسب الحداثة السياسية، مثل الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان والمساواة الجندرية وتطابق مسافة المواطنين من السلطة والقانون العام، إلى جانب الحق في التمثيل والحريات العامة، لأن حدوث ذلك -حسب رؤيتهم- يؤدي بشكل ميكانيكي إلى اندلاع الحروب الأهلية والصراعات العقيمة البدائية.

كذلك كانوا يسعون للقول "الاقتصاد هو الحل"، كبديل لمقولات أخرى، مثل "الإسلام هو الحل" و"الديمقراطية هي الحل"، مسترشدين بنماذج بلدان مثل الصين وروسيا. مُعتبرين إن الوفرة المالية تستطيع شراء عقول المجتمعات وتطلعاتها الجانحة.

في ظلال هذه الدعوات المتزايدة طوال السنوات الماضية، غير الخالية من أنماط العلاقات الزبائنية والمصالح الشخصية للمروجين مع الجهات الممولة لها ولأعمالها، أي دول الوفرة المالية، فأنه يتم التغاضي ونكران ثلاثة مسائل متراكبة.

تذهب الأولى إلى استبعاد نماذج سابقة مطابقة لما يُبشر به الآن. تطابق النموذج الحالي في كل تفصيل، لكنها لم تنتج في المحصلة إلا الخراب.

في منطقتنا، كان ثمة تجارب كثيرة ترى أن المجتمع والحياة العامة عليها أن تصمت تماماً، لصالح التحولات الرئيسية الضرورية، ومنها التنمية الاقتصادية. فعلت الانقلابات العسكرية في سوريا ومصر والعراق ذلك، ووصلت إلى الخراب العمومي الذي ندفع أثمانه. وقبلها كانت الملكيات التحديثية في إيران والسلطوية العسكرية في تركيا تسعى لترويج شيء شبيه بذلك، وبدورها وصلت للخراب عينيه. حيث إن مسح المجتمعات من الحسابات العمومية كان يؤدي كل مرة إلى نفس النتيجة، التي يريد المبشرون إيهامنا بأن تجربة أخرى قد تكون ذات نتائج مغايرة!!

كذلك يتم غض النظر تماماً عن خلو هذه النماذج من أي بُعد ذو قيمة آدمية وأخلاقية، وكأنها مسألة تفصيلية وغير ذات جدوى.

فالمبشرون لا يفضلون الحديث عن أي مواضيع مثل حقوق العمال الأجانب في هذه البلدان مثلاً، أو واقع العلاقات غير السوية بين أبناء الطبقات الحاكمة وغيرهم من أبناء مجتمعات تلك الدول، ولا عن أشكال الرفاهية البدائية التي يحصل عليها الأغنياء هناك، ومدى تعارضها مع القيم العُليا والموحدة للمنظومة الحقوقية والمساواة الآدمية، ودون شك لا يتحدثون عن غياب دور القانون في حماية المُنتهكين في تلك الجغرافيات، بالذات فيما لو كان المعتدون من أعضاء الطبقات العليا للحاكمين والنافذين.

فالقيمة الأخلاقية والإنسانية تبدو غير ذات معنى وجدوى، أمراً على الرف، لزوم ما لا يلزم، برستيج خاص، يناسب صالونات المثقفين فحسب.

فوق ذلكم الأمرين، لا يخبرنا المبشرون عن أية علاقة ترابطية بين "الموات العام" وحدوث "التنمية الاقتصادية الانفجارية"، حسبما يحاولون الإيحاء في مرات لا تُحصى، حينما يطالبون بإيقاف عجلة التاريخ وديناميكيات الصراع الداخلية، لخلق تلك التنمية والوفرة المُبشر بها. يسعون للقفز على حقيقة العلاقة المعكوسة بين الأمرين، لا كما يروجون ويسعون إدراجه في الكلام العام.

فالرخاء والنمو الاقتصادي لم يحدث لأن المجتمعات قررت أن تصمت وتعمل ككائنات آلية، بل تأتت من صدفة تاريخية استثنائية، هي الثروات النفطية الهائلة التي صارت من صيب دول قليلة السكان للغاية. وإن السكونية العمومية كانت أمراً لاحقاً لتدفق بحر أموال الثروات النفطية تلك، وكنوع من المحاصصة بين سادة تلك البلدان وناسها الآخرين، وذلكم لتحكم الأولين بمصائر وحقوق الأخيرين.

في المجمل، يدعوا المروجون والمدافعون عن هذا النموذج إلى إلغاء المجتمعات، ومعها إلغاء الأسس الموضوعية للـ"التطور" الإنساني، القائم على آليات الاختلاف والجدال والمماحكة والتنافس والتجديد، وتالياً التغيير.

 تفعل الأغلبية العظمى من سدنة هيكل الترويج ذلك لمصالحها الذاتية وتنمية شبكة روابطها مع مراكز القوة، من قادة وسادة هذه الدول والأنظمة ومؤسساتها. لكنها تفعل ذلك في وقتٍ استثنائي، يجمع بين الإرهاق الشديد الذي صارت الطبقات الوسطى والأفضل تعليماً في البلدان الأخرى مصابة به، جراء أحداث الربيع العربي، وبذا صارت أكثر قابلية للخضوع لمقولات ودعاية وبرامج هؤلاء المروجون.

كذلك تفعل هذا، في وقت صارت النزعات السياسية والاجتماعية والفكرية تفقد بريقها على مستوى العالم، الذي صار أكثر قرباً وخضوعاً للنزعات الشعبوية والإنجازات الفردية والاشخاص القادرين على البزوغ في مجتمعاتهم نتيجة مشاريعهم وأعمالهم ومهاراتهم الشخصية، لا نتيجة تظافر الجهود الواعية والمنظمة المؤسساتية ضمن مجتمعاتهم.

لكن، ومع كل ذلك، يبدو كل ذلك دفاعاً وبناء وترويجاً للسراب. لأن النماذج المنوي تكريسها غير قائمة على أية توافقية أو قبول، أو حتى هيمنة رمزية، بل على أدوات القوة المباشرة والسيطرة المحضة. شيء يشبه ما كانت عليه أعتى الشموليات العسكرية، التي كانت تتجسس على مجتمعاتها وتُجرم الفاعلين من خيرات البلاد وتكبح تطلعاتهم غير المضبوطة.

ما يجري ليس تحديثاً، أو حتى تطوراً لنموذج ما يُمكن أن يُهتدى به، بديل عن حالة الخراب العام التي تعيشها الدول والمجتمعات الأخرى راهناً. بل ثمة شبه الكثير من الأسس التي تطابق النموذجين عضوياً، تلك الأسس المشتركة التي تبدأ من أولوية ودور العنف والإكراه في الحياة العامة، وتمر بشكل الآلية الزبائنية التي تستخدمها السلطة الحاكمة في ربط الطبقات المستفيدة بها، ولا تنتهي بآليات العقاب والمكافأة، وطبعاً بخلو كلا النموذجين من أية رائحة لمنجزات الحداثة الإنسانية، مثل حقوق الإنسان والحق المتساوي في الوصول والتمثيل وحرية الكلام والفكر والعقيدة.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.