ملك الأردن تحدث عن الأحزاب ودور الدول
ملك الأردن تحدث عن الأحزاب ودور الدول

قال الملك الأردني، عبدالله الثاني، في مقابلة صحفية "محلية" قبل أيام: "الأحزاب لا تبنى من الأعلى إلى الأسفل، ومن المهم توضيح ذلك، فدور الدولة هو تسهيل عمل الأحزاب وتوفير البيئة التي تشجع العمل الحزبي والمشاركة، ولكن ليس من مهمتها بناء الأحزاب، الذي هو دور المجتمع بأطيافه السياسية والاقتصادية، لتعكس برامجها طموحاته واحتياجاته واتجاهاته.

هذا تصريح لافت بالنسبة لي، ويجعلني أعيد وأكرر ما قلته كتابة في مقالات عديدة، وحديثا منطوقا في جلسات متعددة، من بينها وعلى رأسها جلسة مغلقة مع الملك نفسه، أننا بحاجة أيضا إلى إعادة تأهيل الوعي الجمعي للأردنيين، كخطوة أولى في طريق استعادة الدولة بمعناها المؤسساتي الصحيح، وهذا يتطلب فهما شاملا وصحيحا غير معتل لمفاهيم المواطنة والدستور وجدوى القوانين.

نعم، الأحزاب لا تبنى من الأعلى إلى الأسفل، فالأحزاب "بمعناها السليم والصحي" هي التجليات الأنيقة للمطالب على صيغة برامج حكم في مختلف قطاعات الدولة لإدارتها حسب تلك البرامج التي تفوز بثقة الأغلبية في التصويت، وهنا تكون الحالة الديمقراطية متجلية بوضوح، لكن هذا لا يمكن أن يكون إلا في دولة مكتملة المؤسسات، القرارات فيها خاضعة لمنهجيات عامة ومحددة تحكمها قوانين وتضبطها تعليمات لا تخرج عن القوانين، التي هي تشريعات ينتجها مجلس تشريعي حقيقي، الممثلون فيه مشرعون لا مهرجون أو مقدمي خدمات ضيقة تستطيع أي بلدية تقديمها.

الدولة لا تبني الأحزاب، طبعا هذا صحيح، لكن هذا يتطلب دولة مؤسسات متعافية بالدستور والدستور فقط. المؤسسات فيها تعرف حدودها الوظيفية ولا تتجاوزها، والمسؤول فيها موظف خدمة عامة تنفيذي.

الأحزاب في الأصل هي الصيغة السياسية لجماعات المصالح، وتقوم بدورها في وضع برامج يتفق عليها المنتسبون إليها ويرون في تلك البرامج منهجية إدارة وحكم في كل القطاعات، وهذا يعني أن تتوفر بيئة حرية ضمن الدستور والقانون فقط، غير خاضعة للمزاج الأمني ومرجعياته "ومنها مرجعيات منشقة عن أصولها الأمنية بحكم النفوذ"، تجعل مجموعة من الناس تتوافق " أو تتفق" على برامج تنفيذية ملزمة للأحزاب في حال توليها السلطة وحيازتها الأغلبية المطلوبة.

في ذات المقابلة، يستطرد الملك في فكرته الطموحة "وهي طموحة جدا!" فيؤكد أن بناء النموذج الديمقراطي مسؤولية الجميع ثم يقول إن العمل الفردي ليس منتجا وهو يطمح بعمل جماعي على أساس أحزاب برامجية تمثل الجميع وتسهم في ظهور نخب جديدة في الدولة ومؤسساتها، مضيفا أن "الحوار هو الأساس في إقناع الشباب بالبرامج التي تعبر عن تطلعاتهم وأفكارهم".

فعليا على أرض الواقع، ومن زاوية رؤية شخصية أراها قريبة من الأرض، فتلك مهمة شاقة جدا، فالدولة منهكة بالترهل الإداري الذي يتطلب "خلع النخب القديمة" وكل مدارسهم المصلحية والمنفعية، وهي تشابكات معقدة من المصالح تحولت تراكميا إلى مؤسسة راسخة من الفساد الإداري المتمكن بخبث من تعطيل أي إصلاح يمس بمكتسباتها "المتوارثة".

من هنا يمكن فهم "مثلا أو حصرا كيف شئتم" تصريحات "غير مفاجئة مطلقا" لمسؤول "ديناصوري" كان أحد تفريخات "التحول الديمقراطي" في بداية تسعينيات القرن الماضي، وهو ينتقد بشدة مطلقا صواريخ احتجاجاته بقصف عشوائي ومظم تصريحاته هي ذات الانتقادات التي كان يعلو فيها صوت الناس المعترضة منذ سنوات طويلة، منها السنوات التي كان فيها ذات المسؤول في مناصب تنفيذية متقدمة.

الفكرة الإصلاحية التي يطمح لها الملك الأردني لا تناسب "مصالح" ذلك المسؤول الذي رغم شدة لهجته التصعيدية في نقد المشروع الإصلاحي، إلا أنه لم يغفل عن حفظ خط الرجعة "في أي وقت " بالحديث عن أن الملك مصون عن كل تبعة ومسؤولية! وهي حيلة قديمة في الاختباء خلف الملك حتى أثناء الطعن في مشاريع الملك نفسه.
الملك يطمح "مثل كثيرين ممن سئموا الواقع الراهن" بحضور نخب جديدة تفرزها الأحزاب البرامجية التي يضعها الشباب.

على أرض الواقع ومن الوقائع اليومية، فإن النخب القديمة المتجذرة في مؤسسات الدولة ستهز رأسها موافقة الملك، وتصفق وتطنب بالإشادة في رؤية الملك، وتدبج المقالات المسفوحة بالبلاغة تأييدا لما يقوله الملك، وفي قرارة نفسها تجهز خططها المتجددة في إجهاض كل ما يقوله الملك، والأدهى أنهم "ولو شكليا" رجال الملك. تلك قمة الغموض الأردني، غموض مليء بالأسرار التي يعرفها الجميع إلا الملك.

الحوار والأبواب المفتوحة التي يراها الملك ويطالب بها، يتم استبدالها بحوائط صد تشيدها "قوى الشد العكسي" بخبث ومهارة هندسية واجتهادات فردية في مفاصل الدولة العميقة، وحين يقول الملك إن على الشباب أن لا ينجروا خلف الشعارات الشعبوية، تصبح عملية "تعظيم" تلك الشعبويات هدفا لقوى الشد العكسي لاستخدامها ذريعة لوقف الحوار المطلوب وسد الأبواب التي طالب الملك بفتحها!

الشعبويات تلك، هي فعليا أخطر ما يواجه الشارع الأردني المفتوح على فراغ معلوماتي لا يوفره أحد، فيتسلل منه الشعبويون "بدعم شبحي أو باجتهاد فردي" فيتصاعد الاحتقان، لأن أحدا لا يقدم الإجابات الصحيحة والبسيطة غالبا، فتتشكل الصالونات السياسية وجنرالات غرف أركان الفضاء الإلكتروني وتكبر وتنتشر حد تحويل الإشاعة إلى حقيقة، وترسيخ التضليل كمنهجية معلومات لا يمكن مقاومتها إلا بالمعلومة التي تحتفي بقرار "النخب" التي تحكم، وهي ذاتها النخب التي يطالب الملك بالتخلص منها!

أنا مع رؤية الملك في برنامجه الإصلاحي، لكن أنا أيضا مع ترميم الوعي الأردني لاستعادة الدولة الدستورية ومؤسساتها والتي خطفها "المتكسبون" من النخب التي تمرست بالعمل السياسي "العميق" فاستطاعت ان تطور أدواتها لترسيخ الراهن وتجذيره والوصول بالملك والمؤمنين بالإصلاح إلى حالة اليأس دوما وتكرارا.

الطريق طويلة وممكنة جدا لإعادة بناء ما تهدم في الوعي الجمعي، لكن الأمر يتطلب معاول هدم الزوايا الحادة والجارحة أيضا وإلا انتهينا إلى تراكم مسوخ إضافية يتم ترحيلها لجيل قادم.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!