طهران تسعى لكسب الوقت مع مواصلة تطوير قدراتها

تصاعدت بشكل غير مسبوق، خلال الأيام الماضية، حرب التصريحات بين إيران وإسرائيل واستُخدمت فيها مفردات جديدة تدلّ على أن الاستعداد لخيار عسكري ضدّ المشروع النووي الإيراني بات أمراً جديّاً أكثر من أي وقت مضى، وصَدر آخر هذه التصريحات من رئيس الأركان الإسرائيلي، أفيف كوخافي بأن "الاستعداد لخيار عسكري ضد المشروع النووي الإيراني واجب أخلاقي وموضوع الساعة بالنسبة للأمن القومي، لذلك يواصل الجيش الإسرائيلي الاستعداد بقوّة لتوجيه ضربة عسكريّة لإيران، وأن الاستعدادات للعَمل العسكري ضدّ البرنامج النووي الإيراني تعدّ في قلب أهداف الجيش الإسرائيلي وتتضمّن مجموعة متنوعة من الخطط العملياتية وتأمين الموارد وتجهيز الأسلحة المناسبة والمعلومات الاستخباراتية والتدريب، لأنّ واجب الجيش أن يكون جاهزاً عندما تتّخذ القيادة السياسية القرار".  

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد قال أن إيران تقترب بشكل خطير من امتلاك سلاح نووي إذا لم يتم إيقافها، كما قال روبرت مالي المبعوث الأميركي الخاص لإيران بأن إيران لا تريد إحياء الاتفاق النووي وأنها ستتمكّن من إنتاج اليورانيوم الكافي لصنع قنبلة قبل أن نتمكّن من معرفة ذلك، وخَلص تحليل لمجلة "بوليتيكو" اشترك في كتابته نائب رئيس البرلمان الأوروبي ومدير معهد الأمن وحريّة العقيدة في أوروبا إلى أن "العالم يجب أن يستعد لخطّة بديلة للتعامل مع إيران بدلاً من التمسّك بأن المفاوضات ستؤدّي إلى حل، لأن التهاون مع روسيا هو الذي أدّى إلى غزوها لأوكرانيا ومن الواضح أن المفاوضات في طريقها للفشل وأن إيران بقيادة رئيسي أصبحت خارجة عن السيطرة"، وانتقل هذا التصعيد إلى مستوى أكثر جدّية عندما صرّح وزير الخارجية الإيراني الأسبق كمال خرازي بأن لدى إيران القدرة الفنّية على تصنيع قنبلة نووية.

وفي هذه الأجواء، زار الرئيس بايدن إسرائيل ووقّع "إعلان القدس" الذي قال: "تؤكد الولايات المتحدة أن جزءاً لا يتجزّأ من هذا الإعلان هو الالتزام بعدم السماح أبداً لإيران بامتلاك سلاح نووي وأن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام كل عناصر القوّة الوطنية في سبيل هذه الغاية، وخلال لقاء صحفي بعد هذا الإعلان أكّد بايدن بأنه لا يمانع باستخدام القوة كملاذ أخير ضد إيران".  

وترافق ذلك مع بيان أصدره مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكّد على عدم تعاون إيران معها، وأنها لم تقدّم ما يُفسّر وجود آثار يورانيوم في ثلاث مواقع لم يُعلن عنها، وبعدها دَعت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في بيان مشترك إيران إلى الوفاء بالتزاماتها القانونية والتعاون مع الوكالة الدولية، كما أكّدت على أن سلوك إيران يهدّد الأمن الدولي ويقوّض النظام العالمي في منع انتشار الأسلحة النووية، بما يعكس موقفاً أوروبياً أكثر وضوحاً في رفض السلوك الإيراني.  

ورغم ذلك، فإنّ الموقف الإيراني المتشدّد مازال على حاله، ربّما لوجود قناعة عند قادة النظام الإيراني بأنه من الصعب على أي طرف أن يقوم بعمل عسكري يستهدف المشروع النووي لأنه موزّع على مساحات واسعة من الأراضي الإيرانية ولأن منشآته الحسّاسة مدفونة في أعماق كبيرة تحت الأرض، ولكن مارك فيتزباتريك، العضو في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية قال: "إن منشآت إيران ليست منيعة بشكل يجعل استهدافها مستحيلا فمثلا تلك التي في نطنز معرّضة للقصف بالقنابل التي تخترق الملاجئ، وربما تكون هناك حاجة لتوجيه ضربتين لكل موقع، واحدة لحفر حفرة عميقة والثانية لتنفجر داخلها مما سيؤدي إمّا إلى تدمير الموقع أو على الأقل إلى زعزعة الآلات الدقيقة الحسّاسة داخله بما يكفي لإخراجها من الخدمة".

ومن المرجّح أنه لدى إسرائيل عدة سيناريوهات لتوجيه ضربات عسكرية لبعض المرافق الحسّاسة في المشروع النووي الإيراني تعيده للخلف لأشهر وربّما لسنوات، ولكن لمثل هذه الخطوة مضاعفات كثيرة إقليمياً ودولياً من الصعب التنبّؤ بأبعادها، لذلك تعتبرها إسرائيل خيارها الأخير في حملتها المستمرّة منذ سنوات ضدّ المشروع النووي الإيراني، والتي تظاهرت بسلسلة طويلة من الحرائق والانفجارات المفتعلة والحرب الإلكترونية واغتيال بعض الخبراء والعسكريين المشرفين على بعض المنشآت النووية والصاروخية بما أظهر اختراق أجهزة المخابرات الإسرائيلية بشكل واسع لمفاصل حسّاسة في النظام والمجتمع الإيراني.  

ومن الطبيعي أن يوضع ضمن هذه الحملة الغارات الإسرائيلية المتكرّرة على خاصرة إيران الرخوة أو نقطة ضعفها وهي قواتها الموجودة في سوريا، والتي شهدت مزيداً من التصعيد خلال الأسابيع الماضية حتى وصَل الأمر إلى إخراج مطار دمشق الدولي عن الخدمة لعدّة أسابيع لمنعه من استقبال طائرات إيرانية وتوجيه ضربات إلى مناطق في طرطوس واللاذقيّة رغم أنها تقع رسميّاً تحت الحماية الروسية، وكذلك الغارة الأخيرة التي استهدفت مواقع في مطار المزّة العسكري الذي يُعتبر مقرّ أمني له حساسيّة خاصة عند النظام السوري، وربّما ساعد في زيادة حدّة هذه الغارات الأزمة التي تمرّ فيها حالياً العلاقات الروسية الإسرائيلية نتيجة الانطباع الروسي بأن إسرائيل تنتهج سياسة أقرب إلى أوكرانيا والموقف الغربي.  

واستمرار تعنّت النظام الإيراني في المفاوضات النووية يهيئ الأرضية لوجود تفهّم دولي أوسع لعمل عسكري ضده، رغم أنه ليس من المُستبعد أن تخرج الأمور عن السيطرة وتتطوّر إلى حرب شاملة، وهذه الحالة قد تشكّل تهديداً لاستقرار النظام الإيراني نفسه نتيجة وجود رفض شعبي واسع له، ووجود أعداء كثر له في الداخل قد يجدون في أي ضربة يتعرّض لها فرصة للتخلّص منه.  

كما أن هذا التعنّت لا يستند على الكثير من عوامل القوّة الحقيقية، فإيران مثلاً لا تمتلك سلاح جَو قادر على مواجهة أو مهاجمة إسرائيل فطائراتها قديمة ومُتهالكة، كما أن دفاعاتها الجوية ليست أفضل حالاً من تلك الموجودة في سوريا التي تُغير عليها إسرائيل بانتظام، ولكن في المقابل لدى إيران صواريخ أرض-أرض وطائرات مسيّرة، ولديها ميليشيات تأتمر بأمرها في العراق وسوريا ولبنان، رغم أن وضع هذه الميليشيات داخل بلدانها ليس بأفضل أحواله حالياً، ولذلك فإن ضرَبات إسرائيلية قوية ضد هذه الميليشيات قد يهدّد هيمنتها وتحكّمها ببلدانها.  

وشرَحت مجلة فورين أفييرز الأميركية ما الذي يعنيه وجود إيران نووية: "إن المشروع النووي قد دخل مرحلة حَرجة ومناطق جديدة خطيرة وإيران القادرة على صنع سلاح نووي ستظل تولّد تحديات سياسية خطيرة وستصبح سياستها الخارجية أكثر عدوانية لاعتقادها أنها تملك سيف ديموقليس الذي ستُبقيه مسلّطاً على رأس المجتمع الدولي".  

ولذلك رغم أنه ليس من السهل على إسرائيل اتّخاذ قرار الحرب ضد إيران ووكلائها والمخاطرة بتعريض مدنها لضربات الصواريخ الإيرانية، ولكن ليس من السهل على إسرائيل أيضاً التأقلُم مع وجود دولة نووية معادية على حدودها، وطوال السنوات الماضية لم تكن إسرائيل تتردّد باستخدام القوّة عندما تشعر أن هناك خطراً وجودياً يهدّدها ولا تنتظر في هذه الحالة ضوء أخضر من أحد، ولذلك فإن الأسابيع القادمة ستحدّد إلى أين سيسير الشرق الأوسط، وهل سيكون مثل أوروبا ساحة لحرب واسعة من الصعب التنبّؤ بحجمها ومدّتها، أم أن الموقف الإيراني سيكون أقل تشدّداً ويجنّب المنطقة حرباً من الصعب عليها الانتصار فيها.  

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.