مظاهرة لجماعة الإخوان المسلمين في السودان
جماعة الإخوان سعت لأسلمة الأشعار وحذف الأوصاف الحسية

في 30 يونيو 1989 قامت الجبهة القومية الإسلامية (الفرع السوداني لجماعة الإخوان المسلمين) بانقلاب عسكري على الحكومة الديمقراطية في السودان، وشرعت فور الاستيلاء على الحكم في تطبيق استراتيجية متكاملة للسيطرة على المجتمع أطلقت عليها اسم "المشروع الحضاري" كما أحكمت قبضتها على الدولة عبر تنفيذ إستراتيجية "التمكين" في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن. 

وقد كان أحد الأهداف الأساسية لذلك المشروع الحضاري كما أعلنته السلطة الانقلابية حينها هو "إعادة صياغة الإنسان السوداني" وفقا لمبادئ الإخوان، وبما يتوائم مع تصورهم الذي يسعى لقطع الذاكرة الوطنية من كل الموروث التاريخي والثقافي والاجتماعي الذي لا يتماشى مع الأفكار والمفاهيم و الشعارات التي ترفعها الجماعة. 

وكانت الثقافة أحد الحقول الرئيسية التي جرت محاولات السيطرة عليها عبر ذلك المشروع، حيث تدخلت السلطة الحاكمة بشكل مباشر في رسم و تنفيذ السياسات والبرامج والقرارات المتعلقة بمختلف ضروب الفنون (شعر، غناء، مسرح .. الخ) إضافة لمجالات الثقافة الأخرى بمختلف أشكالها، وذلك عبر احتكار أجهزة الدولة الرسمية المسئولة عن إنتاج ونشر وتوزيع المادة الفنية والثقافية فضلاً عن القوانين التي تحكمها. 

وقد كان الغناء أحد الحقول التي اقتحمها أصحاب المشروع الحضاري لإنزال نهجهم الهادف لإعادة صياغة الإنسان السوداني، فعملوا على سبيل المثال على تنقية الأغاني من مفردة "الخمر" وما يتعلق بها، ومن ذلك تعديل أغنية "ليلٌ وكأسٌ وشفاه" التي كتبها الشاعر حسين عثمان منصور إلى "ليلٌ وفجرٌ وضياء"، كما قاموا بتعديل مطلع الأغنية الذي يقول: 
يا سُقاة الكأس من عهد الرشيد/ما لكأسي ظامئاً أبداً وحيد/ونديمى قد سرى نجما مع الأفق البعيد/حطّم الكأس وولّى وانطفأ نجم تلألأ/وغدت تبكي على شفتىَّ أصداء النشيد.    

حيث استبدلوا قول الشاعر "يا سقاة الكأس من عهد الرشيد" بالقول "يا رواة الشعر من عهد الرشيد"، كما قاموا بحذف كلمة الخمر من أغنية الشاعر محمد بشير عتيق التي يقول فيها: قم نرتشف خمر الهوى على شاطيء النيل السعيد، وظنوا أنهم بذلك قد قاموا بأسلمة تلك القصائد وإدخالها في حظيرة المشروع الحضاري. 

غير أن الجهد الأكبر الذي قام به أصحاب المشروع الحضاري قد تمثل في منع بث الأغاني التي تشتمل على أوصاف حسية للمرأة، وفي مقدمتها الأغاني المعروفة في السودان باسم "أغاني الحقيبة"، حيث قامت الإذاعة الحكومية والتلفزيون القومي بحجب الأغاني التي تتضمن غزلاً في محاسن المرأة وأوجه فتنتها وأوصافها الجسدية. 

وقد تجلى شعراء الحقيبة في وصف مفاتن المرأة، ومنهم صالح عبد السيد الذي وصف في قصيدته "من قليبو (تصغير قلبه في العامية السودانية) الجافي" روعة خصر المرأة، حيث أن جماله يتبدى كلما كان نحيلاً، وهو النحول الذي يظهره وكأنه غير قادر على حمل صدرها فيجعله يتمايل ويتأرجح مثل الذي يترنح من السُكر، فيقول: 
ﻗﻠﺒﻲ ﻻ ﻳﺴﻼﻙ ﻭﻻ ﻳﻄﻴﻖ ﻧﻜﺮﺍن/ﺑﻴﻦ ﺷﺎﻫﺪ ﺟﻔﻨﻲ ﺍﻟﺒﻰ ﺍﻟﺪﻣﻮﻉ ﻭﻛﺮﺍن/ﺩﺭﻋﻚ ﺍﻟﺒﺘﻘﻤﺰ ﺑﺎﻟﻮﺿﻴﺐ ﻋﻜﺮﺍن/ ﻭﺍﻟﻀﻤﻴﺮ ﺍﻟﻤﻴَّﻞ ﺻﺎﺣﻲ ﺃﻡ ﺳﻜﺮﺍﻥ؟ 

ﻭﺍﻟﺪﺭﻭﻉ تعني ﺍﻷﺭﺩﺍﻑ بينما ﺍﻟﻮﺿﻴﺐ ﻫﻮ ﺍﻟﺸَﻌْﺮ، وقد أراد الشاعر القول أن شَعْر المحبوبة طويل قد غطى على أردافها، والخصر (الضمير في العامية) أضحى يتمايل من رقته وميسانه مثل شارب الخمر (السكران). 

وفي قصيدته الأخرى التي بعنوان "قلبي هام مالو" والتي تعني لماذا هام قلبي وشغف بالمحبوبة، يقول الشاعر أن شَعْر محبوبته يشبه الغيم، وأن حاجباها كأنهما هلالان في تقوسهما، بينما تتلألأ أسنانها مثل البرق إذا ما ابتسمت:  شعرو حاكي الغيم حاجبو هلالو/فر بسمو نغيم والبروق لالو. 

وقد استخدم شعراء الأغنية السودانية، وشعراء الحقيبة على وجه الخصوص، مختلف الأساليب البلاغية من مجاز واستعارة وتشبيه في التغزل بالمرأة وتوصيف مفاتن ومحاسن المحبوبة مما أكسب أغانيهم خلودا و استمرارية. 

وإذ سعى الإخوان لتنقيح الأغاني السودانية وأسلمتها حتى تتماشى مع أفكارهم وشعاراتهم،فإنهم قد تجاهلوا تراثا كاملا من أشعار الغزل والوصف الحسي للمرأة جادت به قرائح كبار شعراء العربية طوال التاريخ الإسلامي وخصوصا أبان العصر العباسي الذي إمتاز بإنتشار الغناء الغزلي والطرب حتى في مجالس الخلفاء. 

ليس هذا فحسب بل أن فقهاء كبار كتبوا أشعارا في الوصف الحسي، ومنهم تلميذ إبن تيمية، أبوعبد الله محمد بن أبي بكر المشهور ب"إبن القيم الجوزية" الذي عاش في القرن الثامن الميلادي وهو من كبار أئمة أهل السنة والجماعة، وقد كتب القصيدة النونية المعروفة بإسم "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" التي بلغ عدد أبياتها 5842 بيت شعري ووُصفت من قبل أهل السنة بأنها من أكبر الإنتصارات لأصحاب العقيدة السليمة.

اشتملت النونينة على وصف للحور العين في الجنة، وقد جاء الوصف بتخيُّل الحوريات في نفس هيئة نساء الدنيا من حيث التكوين الجسدي، حيث عمد إلى إبرازهن في صورة جمالية فائقة تُغري جميع الرجال، ومن ذلك قوله : 
حُمر الخُدود ثغورهن لآلئ/ سود العيون فواتر الأجفان/ والبرقُ يبدو حين يبسُم ثغرها/فيضيءُ سقف القصر بالجدران. 

وهو كما ترى ذات التشبيه الذي أورده شاعر الحقيبة صالح عبد السيد في قصيدته التي أشرنا إليه أعلاه حيث شبَّه ثغر محبوبته حين تبتسم وتتلألأ أسنانها بالبرق الذي يرسل ضوئه فيضيء سقف القصر وحوائطه.  
ويمضي إبن القيم أبعد من ذلك فيقول:  لله لاثم ذلك الثغر الذي في لثمه إدراك كل أمان/ ريانة الأعطاف من ماء الشباب فغصنها بالماء ذو جريان. 

ولا يكتفي ابن القيم بوصف الثغر (الفم) بل يمضي أبعد من ذلك ويقول أن من يقوم بتقبيل ذلك الفم لا شك سيشعر بكل الاطمئنان، وليس هذا كل شيء فأعطاف تلك الحورية (أي جانب جسمها من رأسها حتى وركها) غضة وممتلئة . 

ويواصل في الوصف فيقول: والقد منها كالقضيب اللدن في حسن القوام كأوسط القضبان/ في مغرس كالعاج تحسب أنه عالي النقا أو واحد الكثبان/ لا الظهر يلحقها وليس ثديها بلواحق للبطن أو بدوان.   

والمعنى أن قدها (قوامها) كالغصن الرطيب في حسنه واعتداله، فهو ليس بالقصير أو الطويل، وهذا القوام الممشوق والمعتدل قد قام على عجيزة (مؤخرة) بيضاء كالعاج ثقيلة ممتلئة كأنها كثيب من الرمل، لا يلحق بها الظهر بل هي متميزة ومنفصلة عنه، كما أن ثديها متماسك لا يتدلى على بطنها، فتأمل!  

ويمضي في وصف الأثداء والعنق فيقول : لكنهن كواعبٌ ونواهدٌ فثديهن كألطف الرُّمان/ والجيدُ ذو طول وحسن في بياض واعتدال ليس ذا نكران.  

وكلمة كواعب هى جمع (الكاعب) أي الفتاة إذ نهَد ثَدْيُها وارتفع، فهو يقول أن ثديها غير مترهل بل متماسك مرتفع مثل ثمرة الرمان، أما عنقها فهو أبيض اللون ومعتدل الطول يتبدى بوضوح للناظر. 

ثم يمعن في الوصف الحسي فيقول: والصدرُ متسعٌ على بطنٍ لها حفَّت به خصران ذات ثمان/ وعليه أحسن سُّرة هي مجمعُ الخصرين قد غارت من الأعكان/ حُقٌ من العاج استدار وحوله حباتُ مسكٍ جل ذو الإتقان . 

وشرح الأبيات أعلاه هو أن الصدر متسع فوق بطنها يحفُّ به من الجانبين خصران دقيقان يشكلان حرف الثمانية ويجتمعان على السُّرة التي غارت (غطست) من الأعكان وهى جمع عكن بمعنى الأطواء في البطن والمقصود السمنة، وهى لمسة جمالية بمعايير السابقين ولا تطيقها النساء في زماننا هذا حيث يعملن على إنقاص أوزانهن للتخلص من هذه الأطواء. 

وبعد ذلك يصل ابن القيم إلى وصف ما دون البطن، وهو وصفٌ يعجز كاتب هذه السطور عن شرحه ويتركه لفطنة القاريء، فيقول : وإذا انحدرتَ رأيتَ أمراً هائلاً  ما للصفاتِ عليه من سلطانِ/ لا الحيضُ يغشاه ولا بولٌ ولا شيءٌ من الآفات في النسوان! 

وهكذا، فإن ابن القيم قد برع في الوصف الحسي الدقيق لكامل جسد المرأة (الحورية) حيث قام بوصف العيون والفم والعنق والصدر والثدي والخصر والبطن والسُّرة والمؤخرة بل هو لم يتورع عن الإشارة للموضع الذى يغشى فيه الرجل المرأة، وهو ما يدعونا لطرح السؤال: لماذا لم يطالب أصحاب المشروع الحضاري بإزالة القصيدة النونية من كتب التراث؟ 

لقد سعت جماعة الإخوان إلى إعادة صياغة الإنسان السوداني وفقا لمفاهيم مشروعها الحضاري ولكنها اصطدمت بجدار ثقافي سميك أساسه حضارة أصيلة ترسخت عبر عملية تراكمية تغوص في أعماق التاريخ ولا تؤثر عليها مثل هذه المشاريع الفوقية الزائفة التي ظن دعاتها أن الإنسان السوداني ليس سوى صفحة بيضاء خالية يسهُل تسطير الشعارات الساذجة والمتخلفة عن العصر عليها، وكانت المحصلة الأخيرة هى الفشل الذريع لذلك المشروع وسقوط نظام الحكم الاستبدادي الفاسد الذي جاء به.        

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.