يبدو أحياناً وكأن دعوات الانفتاح والأنوار والعقلانية، والتي يلتزمها الإصلاحيون والتقدميون و"التنويريون" تتخذ صفة شمولية تضاهي ما يحذّرون منه من تحجّر ورجعية وظلامية، بل قد تزيد عليها. فالحديث مثلاً عن "الإنسانية" أو "القيم العالمية" كأساس يقتضي على الأديان البقاء تحت سقفه يزايد على الاستعلاء الديني بآخر من صنفه، ويفتح أبواب تحدٍ حول المرجعية المعنوية وأصول المعرفة.
واقع الحال أن الخلاف في هاتين المسألتين، أي المرجعية المعنوية وأصول المعرفة، قد تفاقم في العقود الماضية، بعد أن كان القرن الماضي قد شهد ما يلامس الإجماع الضمني حول تحقّق مرجعية مشتركة، أو على الأقل ثبات السير باتجاه تحقيقها، وهو مزاج فكري يبدو الإصلاحيون، ولا سيما في المحيط العربي، مصممين على التمسك القطعي به، رغم أن هذا الإجماع الضمني تضعضع وتضاءل، بل انخفض إلى ما دون الرأي الغالب عالمياً، منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.
قد يكون الوهم باستمرار المرجعية المعنوية الواحدة، أي التوافق لا على القيم وحسب بل كذلك على العلم والتاريخ بالإجمال، عائداً إلى أن مصطلحات هذه المرجعية الواحدة من زمن غلبتها لا تزال قيد التداول والاستعمال، إن لم يكن داخل الدوائر الفكرية المتباينة في أرجاء العالم، ففي الخطاب العلني المشترك على المستويات العامة، المحلية منها والدولية. الجميع يتحدث عن الحرية والسيادة والعدالة والحقوق، والجميع يثمّن العلم والموضوعية والعقل. غير أن المقصود بهذه المصطلحات ليس واحداً. وإسقاط المضمون المعتمد لدى الذات على المصطلح بالإطلاق يدخل الخصم تلقائياً في خانة الخطأ أو الكذب أو كليهما.
أي أن مساءلة الخصم تتم على افتراض تسليمه بمضمون المصطلح المشترك كما هو في الفهم الذاتي له، وليس كما هو لديه، انطلاقاً من القناعة الواهية بأن التوافق حاصل ابتداء، أو أن الفهم الذاتي هو الصواب القائم على الموضوعية والعقل، وأن رأي الخصم بقدر ابتعاده عائد إلى الهوى.
ما ازداد حدّة، وضاعفت من حدّته وسائل الاطلاع والتواصل المستجدة، هو تأثير "السرديات الخلفية" في تشكيل معالم الفهم الذاتي. والمقصود بالسرديات الخلفية التصورات أو الطروحات الساعية إلى أقدار مختلفة من الاشتمال والتي تقدّم قراءة ورؤية لموضوعها خارجة عن خطاب الإجماع الإجمالي، هذا الخطاب المتشكّل وإن بارتباك على أساس السرديات "الأمامية".
السرديات الأمامية هي هنا الطروحات المتكاملة الظاهرة والتي نادراً ما تكون متآلفة، بل هي على الأرجح متنافرة ومتناقضة، والساعية إلى تأطير الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية في محيطها.
المئة عام المنصرمة من تاريخ المحيط العربي شهدت توالي أربع سرديات كبرى أمامية، الأولى كانت النهضة (نأخذ الصالح من الغرب ونترك الطالح) على نخبويتها، وورثتها اليوم هم "التنويريون". ثم العروبة (الأصالة والرسالة، حيث الإسلام ناتج للأمة، أي أن العروبة جوهر والإسلام عرض)، وقد تراجعت بعد غلبة طويلة إلى ما يقارب الاندثار، وبقاؤها اليوم هو لدى القوميين، "العرب" منهم و "ما بعد العرب"، أي القوميات الأمازيغية والكردية وربما المشرقية في طروحاتها المتآلفة مع العروبة من وجهي تأحيدها القومي للمجموعات المقصودة وتأصيلها العقائدي للتاريخ. ثم الاشتراكية (الأممية والثورة والطليعة)، ويبقى منها اليسار المتجدد، الشعاراتي منه والفكري. وصولاً إلى الإسلامية (الإسلام هو الحل، الإسلام دين ودولة، عزّة الأمة بالإسلام، حيث الإسلام جوهر وثابت خارج الاعتبار التاريخي وما عداه أعراض).
الملاحظ أن العلاقة بين هذه السرديات، المتوالية في غلبتها، المتنافرة في مضامينها، كما في أي محيط اجتماعي فكري آخر، ليست خطّية. أي أن المسألة لم تكن يوماً بأن تتحدى إحداها الأخرى وتجتثّها، بل الغالب هو أنها قد تتداول الغلبة وتتجاور. وصحّة المحيط الفكري المعيّن هي بمقدار نجاحه على إدارة السجال.
وهذا النجاح على مستوى السرديات الأمامية بدوره قد يكون انعكاساً لأحوال الاستقرار والتجاذب والتحول بين السرديات "الخلفية".
السردية "الخلفية" الأولى في المحيط العربي هي السردية الدينية المبنية على تأطير الحياة الفردية والجماعية بناءاً على علاقة متصورة بين الخالق والمخلوق، ثم على مقتضيات هذه العلاقة. وقد يجوز تسمية السردية الثانية بالسردية "الدنيوية"، وهي لدى معظم من هم عليها لا تتناقض مع السردية الدينية إلا في استشفاف المقتضى. على أنه عند أطراف السردية الدنيوية ثمة قراءات نظرية ومراجعات تاريخية تجد سبيلها إلى تغذية خصوصية السردية الدنيوية وتنشيطها، وربما تحدي السردية الدينية ودفعها باتجاهات متواجهة متوازية (بما في ذلك تقوية المنحى الشمولي، واستخراج العلوم من الموروث الديني).
من أكثر هذه السرديات الخلفية الفرعية في المحيط العربي إثارة للجدل القراءات الناقدة حول نشأة الإسلام، على أن أنجحها هو ربما مقولة "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، والتي انتشرت بصيغ مختلفة، وتآلفت مع طروحات نقدية تاريخية من مصادر علمية أخرى في تحدي السردية الكتابية حول أرض الميعاد، وصولاً إلى إرساء توجهات مؤثرة سياسياً، كما يتجلى في إشارات الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات المشككة بتاريخية الهيكل الأول في القدس.
كل ما سبق، على اختزاله لتجاور السرديات وأحوالها في المحيط العربي، وهو الذي يعاني للتوّ في هذه المرحلة من وهن فكري طارئ، هو للإفادة بأن كل محيط فكري في أرجاء العالم يشهد أحوالاً مشابهة من التشابك والتعقيد، مع التنبيه إلى أن عواقب هذه الأحوال في الدول المؤثّرة تفوق بأقدار الناتج عمّا يوازيها في المحيط العربي.
ما يقابل مقولة "التوراة جاءت من جزيرة العرب" في الإطار الروسي هي مقولة "التأريخ الجديد". وإذا كانت "التوراة العربية" قد ساهمت في تثبيت أقدام الرئيس الفلسطيني بموقف يتسم ببعض التحدي، فإن "التأريخ الجديد"، والذي قد يستشف بعض الغزل له في كلام الرئيس الروسي ڤلاديمير پوتين، من شأنه أن يكون ذا وطأة أبلغ حجماً وخطورة.
"التأريخ الجديد" هو نظرية نقدية، بل نقضية، للمفهوم السائد للتاريخ، نشط عالم الرياضيات الروسي أناتولي فومنكو على إعدادها وتطويرها على مدى عدة عقود.
في مجال الرياضيات، لفومنكو مقام مشهود، ومنشورات متنية محكمة، وتقدير عالمي. ليس الأمر كذلك فيما يتعلق بمقولة "التأريخ الجديد" التي ابتدعها، بل فيما يتعدى الأوساط الهامشية في الغرب، والحاضرة لتلقف أي طرح ينضوي على نكهة المؤامرة، فإن الإجماع العلمي خارج روسيا هو أن هذه النظرية خاطئة جملة وتفصيلاً، ولا اعتبار لها.
ولكن التقدير لـ "التأريخ الجديد" مختلف داخل روسيا. فالدراسات والاستطلاعات تشير إلى أن هذه النظرية تحظى بقبول أو بإيجابية لدى ما قد يصل إلى ثلث الجمهور الروسي. ثم أنها لها رواج في أوساط فكرية وازنة. وثمة من رأى في كلام پوتين نفسه حول الحرب على أوكرانيا استعادة لمصطلحات وتصورات وتوجهات هي من صلب هذه النظرية.
تعود نشأة هذه النظرية إلى ريبة حصلت لدى أناتولي فومنكو بشأن بيانات الأفلاك والكواكب والنجوم والتي جمعها قدماء اليونان. وبالفعل، على حد قوله، فإنه عند تطبيق المنهجية الإحصائية عليها، تبيّن له أنها لا تعود إلى آلاف السنين، بل إلى بضع مئات من السنين. انتقل فومنكو بعدها إلى مراجعة لكافة البيانات التاريخية على أساس المنهجية العلمية الإحصائية نفسها ليكتشف حقيقة، وفق ما يراه هو طبعاً، هائلة في خطورتها وأبعادها، وهي أن التاريخ العالمي المتوافق عليه برمّته، هو نتيجة متعمدة لمغالطات تطمس الواقع وتروّج لأخبار لم تقع وتخفي فصولاً هامة من تاريخ البشرية.
ليس في "التأريخ الجديد" لا حضارة يونانية ولا امبراطورية رومانية ولا ديانة مسيحية نشأت قبل ألفين من الأعوام، ولا غزو مغولي مدمّر، ولا اكتشاف للعالم الجديد وفق الروايات المعتمدة، بل كل هذه القصص هي توسيع وتشتيت لتاريخ أقصر، لا يتجاوز الألف سنة، جرى توزيعه على دول وسلالات عدة، لتعمية التاريخ الحقيقي حول اتساع حضور حضارة واحدة تتجاوز القارات، بعد أن تمكّن أعداؤها من الإطاحة بها.
بل إن هذا الجهد التزويري قد نشط لإعادة كتابة كل التواريخ بما يتوافق مع رغباته بما في ذلك في المحيطين العربي والصيني. أي أن فومنكو يرى، ولا حاجة لمجادلته هنا، أن كامل النتاج العربي المكتوب في التاريخ، البلاذري والطبري والمسعودي واليعقوبي وابن الأثير وابن خلدون وهلمّ جراً، هو من اجتراح بعض الآباء اليسوعيين في القرنين السابع عشر والثامن عشر.
أما هذه الحضارة العالمية الواحدة، منبع العمران والإنجاز والإبداع والفكر والفن والأدب، فهي طبعاً "الحضارة" الروسية، والتي ينكر العالم فضلها نتيجة هذه الجريمة الدقيقة المهيلة، والتي تمّ الكشف عنها علمياً وبالأدلة القاطعة في مسعى تقرير "التأريخ الجديد".
قد تبدو هذه النظرية متآكلة متهافتة عند مراجعتها موضوعياً خارج إطار المسلّمات التي يرتضيها صاحبها، ويشاطره بها العديد حواليه، وهي المسلّمات التي تصرّ على أن تاريخهم وفكرهم وإيمانهم وحضارتهم هي دون شك الأرقى، بل هي حتماً الأساس والأصل عالمياً، فإن أشارت أية معطيات إلى هذه الحقيقة، فهو دليل على صوابها وصحتّها، أما إذا ظهرت معطيات تناقض هذه الحقيقة، فهي إما ضلالة أو تزوير، مكيدة حاسد أو صاحب غرض. وإن اعترى هذه الحقيقة قدر من التراجع، فإن المستقبل من شأنه أن يصحّح الأمور، شرط الالتزام بالعلم والعمل والجهد الدؤوب.
لا تبدو مقولة "التأريخ الجديد" جدّية خارج الحلقة الروسية، بل لا شك أن من يطّلع عليها من خارج هذه الحلقة سوف يصفها بالتفاهة والسخافة ولن تحظى منه إلا على الاستهجان والإسقاط. ولكن لا بد من اعتبار أمرين. الأمر الأول هو أن الرجل وصحبه لم يكتفوا بالزعم، بل عملوا ولا يزالون منذ عقود على دراسات تفصيلية مستفيضة دعماً لنظريتهم، وهم، وفق تقييمهم الذاتي، من تهذيب إلى تشذيب، يخدمون الحقيقة المتوافقة بجلاء مع تصوراتهم. أما الأمر الثاني، فهو الدعوة إلى قراءة الفقرة السابقة من موقع من ليس مسلماً بحق الإسلام، ومن موقع من يعتبر أن الحداثة هي دعوة تضليلية بحق الحداثة، ومن أي موقع فكري وعقدي آخر.
لا حاجة إلى اعتماد النسبية العقيمة هنا. "التأريخ الجديد"، بإهماله المتعمد لكافة العلوم المساندة للتاريخ، القديم منها والجديد، طبعاً متهافت. غير أن حجة الإهمال قائمة لدى أصحاب هذه المقولة، بما يماثل اعتذاريات دعاة الخلط بين القصص الديني والتاريخ الوقائعي، وتبريرات الفشل لدى التنويريين. على أي حال، خطورة "التأريخ الجديد" ليست في النظرية، بل في التطبيق.
شعبوية الرئيس پوتين، والذي لا مبرر للشك بصدق مسعاه إلى استنهاض العظمة الروسية، مبنية على شعور بالمظلومية. ضريبة الدم التي دفعتها روسيا في الحرب العالمية الثانية قاربت نصف ما حصدته هذه الحرب. خمسة وعشرين مليون شهيد، ودمار واسع النطاق، وتضحيات وانتصارات حاضرة في أذهان من عاشها وأقوالهم. وإذ بالسردية العالمية الغالبة تريد أن تكون الولايات المتحدة هي المنتصر في هذه الحرب، وأن يجري تثمين تضحيات أخرى. فإذا كان هذا التاريخ القريب الحاضر في الذاكرة عرضة للتشويه السافر، فلمَ لا يكون كل التاريخ كذلك؟
لدى پوتين، كما داخل الحلقة الروسية بمعظمها، ليس انهيار الاتحاد السوڤياتي ومنظومته الاشتراكية الدولية، وقبله سقوط الامبراطورية الروسية، من الوقائع العشوائية للتاريخ، بل هي من المظلوميات التي تقتضي التصحيح.
قد لا يكون ڤلاديمير پوتين على قناعة بأن التاريخ المدوّن برمّته أكاذيب تهدف إلى طمس مجد روسيا، كما أن إشارة ياسر عرفات إلى أنه لا أثر في القدس لمعبد سليمان لا يقتضي إنكاره لكامل القصص الديني الذي يمزجه معظم الجمهور بالتاريخ الوقائعي. ولكن هنا وهنالك، ثمة اندفاع آني سياسي يجد في السردية الخلفية ما يؤيده، ما يدعمه، ما يمكّنه. سوى أن ياسر عرفات كان عاجزاً، وڤلاديمير پوتين يفيض بالأسلحة.
مطالبات "إعادة" ولاية ألاسكا إلى روسيا، وهي التي كانت الولايات المتحدة قد اشترتها منها في القرن التاسع عشر، تتأرجح بين المبالغات البيانية والرغبات العاطفية. والخارطات التي تصوّر روسيا، وهي للتوّ أكبر الدول في العالم، مع إضافة كل من لامس روسيا عبر التاريخ إليها، على أنها حاضرة الكرة الأرضية، يمكن إدراجها في إطار الرغبويات. هي خارطات تشبه من بعض الأوجه تلك التي شاعت لدى أنصار "الدولة الإسلامية" حول "ولايات" تجوب الكوكب.
ولكن المقلق هو بأن الشحطات لا تتوقف عند مداراة الأوضاع العاطفية. أما أن تكون روسيا في موقع الصدارة التي تستحقه وإما أنه لا حاجة لهذا العالم. هذه مقولة في أوساط فكرية مؤثرة لا بد من اعتبارها في إطار الجموح الحضاري الذي يجد في "التأريخ الجديد" تعبيراً حاداً عنه، ولكن ضمن السياق.
الغرب بدوره ليس بريئاً من السرديات الخلفية الخطيرة. ولا المحيط العربي طبعاً. على أن الجميع، الروسي والغربي والعربي، بريء للأسف من مخاطبة ندّية صادقة عميقة للآخر، الخارجي منه والداخلي. بل استعلاء، واتهام بالشر والغباء، والفساد والتفاهة. وتكفير وتخوين وتسفيه. هذا لا ينذر بالخير.

