"حزب الله" يعزف على وتر الحرب
"حزب الله" يعزف على وتر الحرب

شهر واحد يفصل تهديدات الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله بشنّ حرب على إسرائيل، إذا لم تستجب لمطالب لبنان في الترسيم البحري الذي يعمل الوسيط الأميركي آموس هوكستاين على إعادة إحياء المفاوضات ذات الصلة، عن الموعد المقرّر لبدء استخراج الغاز من حقل "كاريش".

وتبدو المسافة الزمنية قصيرة نسبيًا، إذ إنّ القدرة على توصّل لبنان وإسرائيل، متى انطلقت المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين، صعبة للغاية، خصوصًا أنْ لا أحد يستطيع الجزم بعدم حصول مفاجآت كتلك التي حصلت في الجولات السابقة، يوم أوقف الطرف الإسرائيلي كلّ بحث في ترسيم الحدود مع لبنان، عندما أصرّ الطرف اللبناني على نقل التفاوض من حقوقه في الخط 23 إلى حقوقه في الخط 29 الذي يقع حقل "كاريش" ضمنه.

ولم يكن توقيف المفاوضات "بريئًا"، إذ جاء طرح الطرف اللبناني للخط 29 مناقضًا للوثائق التي سبق أن قدّمها لبنان الى الأمم المتّحدة، حيث طالب، بموجب مرسوم، بحقوقه في الحقل 23، من دون أن يأتي على ذكر الحقل 29.

وهذه المفاجأة جعلت كبار المسؤولين يسرّون في مجالسهم الخاصة الى أنّ "حزب الله" دخل على خط تعطيل المفاوضات.

ولكنّ هذا التعطيل لم يوقف إسرائيل عن مواصلة تحضيراتها لاستخراج الغاز من حقل "كاريش"، بل غيّرت خططها، بحيث واكبت استعداداتها التقنية استعدادات عسكرية حاكت حربًا شائكة مع لبنان عموما ومع "حزب الله" خصوصاً.

ولا تخلو من الأهمية الاستراتيجية مسارعة "حزب الله" إلى إطلاق التهديدات بالحرب، بعد إطلاق مسيّراته "التحذيريّة" في اتجاه حقل "كاريش"، بالتزامن مع استجابة الوسيط الأميركي لطلب السلطات اللبنانية بالعمل على إعادة إحياء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.

فهل يعني كلّ ذلك أنّ الحرب تقف وراء الأبواب، في حال قرّرت إسرائيل قبل التوصّل الى اتفاق مع لبنان على استخراج الغاز من حقل "كاريش"؟ 

إنّ متابعة أداء المستويات السياسية في إسرائيل ولبنان تُظهر أنّ هناك جدّية في التعاطي مع احتمال الحرب، لكنّ ذلك يدخل في طبيعة العمل السياسي، حيث يتصرّف المسؤولون على أساس "السيناريو الأسوأ"، فالطرف المتضرّر من التهديد، أي إسرائيل ينتظم في مسار وقائي، والطرف القاصر أمام التهديد، أي لبنان، يعمل على استثماره إيجابيا.

ولكن، في المقابل فإنّ الهلع الذي يُثيره عادة احتمال نشوب حرب ذات أبعاد إقليمية، كما هي عليه حال حروب لبنان وإسرائيل السابقة، يبدو ضحلًا للغاية، فهو كلّ مرة يموت في مهده مباشرة بعد ولادته.

في الواقع، إنّ كثيرين من الإسرائيليين يتعاطون مع تهديدات الحرب التي يطلقها نصرالله كما لو كانت جزءًا من "التلاعب بالوعي"، في حين تتفاعل نسبة مماثلة من اللبنانيين مع هذه التهديدات كما لو كانت معركة جديدة في "الحرب الدعائية".

ويبذل نصرالله جهودًا إعلامية كبيرة لإقناع الرأي العام الإسرائيلي، ومن خلال المستوى السياسي، بأنّه جاد جدا ولا يخوض، بأيّ شكل من الأشكال، حربًا نفسية.

لكنّ الأكثرية لا تصدّقه، لأنّها اعتادت أن تصدّق خبراءها العسكريين ومحلّلي الشؤون الإستراتيجية الذين يكادون يُجمعون على أنّ "حزب الله"، على الرغم من توافر العدّة والعديد لديه، أعجز من أن يخوض حربًا ضدّ إسرائيل "المستعدة" عسكريًا واقتصاديا ودبلوماسيا ومخابراتيا واجتماعيا وسياسيا.

وثمّة في إسرائيل من يعتقد بأنّ تهديدات "حزب الله" بالحرب مثلها مثل تهديداته و"حماس" تجاه "مسيرة الأعلام"، إذ هدّد هو بـ"انفجار إقليمي" وجزمت هي برد صاروخي، لكنّ شيئًا لم يحصل، لا عندما بدأت تلك "المسيرة" ولا عندما انتهت.

ومنذ اليوم الأوّل لإطلاق نصرالله تهديداته "الغازية"، تعاطى الإسرائيليون واللبنانيون معها على أساس أنّها مناسبة ذهبية لـ"حزب الله" من أجل الترويج لفائدته في بلد خسر فيه الكثير، بسبب مسؤوليته عن الكوارث المالية والاقتصادية والاجتماعية والحياتية التي ضربته.

بالنسبة لهؤلاء، إنّ نصرالله، في أفضل سيناريو، يريد أن يركب موجة الإيجابيات التي توصّل إليها الوسيط الأميركي، في تواصله المستمر مع لبنان وإسرائيل، من أجل الزعم بأنّه لولا سلاحه لما تمكّنت "بلاد الأرز" من حصد أيّ نتيجة إيجابية.

ويعرف هؤلاء أنّ "حزب الله" يعزف على وتر الحرب، لأنّ إسرائيل، ولو كانت قد استعدّت لاحتمال حصولها، فهي لا تريد حربا الآن، بل تطمح إلى تكريس اتفاقها التاريخي ومصر مع "الإتّحاد الأوروبي"، بحيث سرّعت تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا في تحويلها الى دولة مصدّرة للغاز، وتاليا إلى دولة تتمتّع بحصانة أكبر بكثير من تلك التي كانت متوافرة لها سابقًا.

إنّ تحليل المشهد الحربي كان قد اختلف كليًّا، لو أنّ "حزب الله" أعلن تمسّكه بالخط 29، لكنّه رفض أن يفعل ذلك، معلنًا على لسان نصرالله أنّه لن يُطلق موقفًا من هذا الموضوع، لأنّ الدولة اللبنانية هي المعنية به.

والدولة اللبنانية، وفق الجواب الموحّد الذي كانت قد سلّمته الى الوسيط الأميركي، أعلنت تمسكها بالخط 23، من دون أن تأتي على ذكر الخط 29، الأمر الذي يعيد ضخّ الحياة في المفاوضات.

على أيّ حال، فإنّ أيّ حرب وقعت بين إسرائيل و"حزب الله" لم تشهد تمهيدات علنية كتلك التي تحصل، حاليًا، بل كانت هذه الحروب مفاجئة جدًا، إذ تلت نفي الجهتين أيّ نيّة لهما بالدخول في الحرب، كما سبق أن حصل في يوليو 2006.

فهل يعني ذلك كلّه أنّ الحرب المهدّد بها لن تقع؟ 

كلّ المؤشرات تؤكّد ذلك، فالوسيط الأميركي آموس هوكستاين عائد الى لبنان، يوم الأحد المقبل، وفي جعبته إيجابيات، واللغة الدبلوماسية الدولية لا تتضمّن تعابير تحذيرية بل تعابير تتجاوز تهديدات نصرالله حتى مستوى الاستخفاف في بعض الأحيان، والأدبيات الرسمية اللبنانية، على الرغم من محاذرتها، بالحدّ الممكن، إغضاب نصرالله، هي أدبيات تفاؤلية.

وعليه، فإنّه إذا كان يستحيل الجزم بعدم الذهاب الى الحرب، لأنّ هوامش الخطر تبقى متوافرة دائمًا ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر ثبوت صحّة مخاوف "حزب الله" على دوره ووظيفته في حال فرض استخراج الغاز "جدارًا طيّبًا"، إلّا أنّه يُمكن الاعتقاد، بنسبة كبيرة جدّاً، بأنّ صواريخ "حزب الله" ستبقى، مرّة جديدة، في المخازن!

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!