إيران على بعد أسابع فقط من تحقيق القدرة على صنع قنبلة نووية

فشل المحادثات النووية في الوصول بعد عام ونصف من المفاوضات إلى تسوية تفضي بالعودة إلى الاتفاق النووي الموقع في 2015، يترك الغرب ومعه المنطقة أمام خيارات محدودة في التعاطي مع طهران، ويطرح بشكل جدي إمكانية التعايش مع تطويرها لسلاح نووي. 

طابة المحادثات وأصابع الاتهام بالعرقلة يتقاذفها ممثل الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل والمسؤولون الإيرانيون والولايات المتحدة. فطهران تقول إن الطابة في ملعب واشنطن، وأوروبا وأميركا على قناعة تامة بأن الطابة في الملعب الإيراني منذ وقت طويل وما من نية في حسم القرارات المطلوبة لإعادة دخول الاتفاق.

طبعا أوروبا لا يمكنها توقيع اتفاق منفصل مع إيران كونها لا تحمل مفاتيح فك العقوبات، وإيران مترددة في إبرام صفقة مع إدارة جو بايدن قد تتبخر خلال عامين في حال خسارة الديمقراطيين الرئاسة. وفي العمق الإيراني حسابات أبعد أيضا تأخذ بعين الاعتبار أحداث أوكرانيا والعراق وليبيا، وتخلي هؤلاء عن قوتهم النووية لينزلقوا في حروب مستمرة. 

من هنا السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو إذا مضت إيران في التسلح النووي، فما سيكون رد فعل الإقليم والغرب؟ اليوم وباستثناء اسرائيل، ما من طرف على استعداد للدخول في مواجهة عسكرية داخل إيران. فأميركا وأيضا دول الخليج هم في الواجهة في حال اختارت إيران الرد على أي ضربة اسرائيلية. 

لذلك نرى اليوم خطابا خليجيا نحو التهدئة. فالإمارات تؤكد أنها ليست ضمن أي محور يعادي إيران وسترسل سفيرها قريبا، والسعودية تستعد لجولة سادسة من الحوار في بغداد. أما قطر فانفتاحها على طهران أوصل إلى عرض أسلحة إيرانية في الدوحة، وعمان لطالما لعبت دور الوسيط كما حرصت الكويت على موقف محايد.

هذه المواقف لا تعني أن الخليج يجهل نوايا إيران أو متلهف لحوار معها، لا بل هي أساليب احتواء وتحييد هذه الدول عن أي مواجهة في حال حدوثها. أما على أرض الواقع فلا ثقة بالمطلق بنوايا إيران خليجيا، والخلايا الايرانية من البحرين إلى الكويت إلى السعودية صوتها أعلى بكثير من أي حوار شكلي في العراق أو غيره. 

فالزوارق الإيرانية لاتزال تعبث بمياه الخليج، والتهريب والتسليح لايزال فوق وتحت الطاولة باتجاه اليمن من الحرس الثوري الايراني الآمر والناهي الحقيقي في إيران. 

مع ذلك، لا تريد دول الخليج مواجهة عسكرية مع إيران لأنها ستكون في مرمى الصواريخ الإيرانية وبشكل سيعبث باستقرارها الأمني والاقتصادي والسياسي. وهي لا تريد إيران قوة تسلح نووي أيضا، إنما تدرك أن عمر الاتفاق الموقع في 2015 هو محدود وثغراته كبيرة اليوم. 

ماذا يترك هذا الواقع عند الحديث عن الخطة باء في التعاطي مع إيران لهذه الدول؟ الخطة باء هي الخطة ألف والتي لم تكن يوما حول اتفاق نووي أو مصالحة شاملة مع إيران، وهي ترتبط بإطلاق هذه الدول برامجها النووية، والتهيؤ لسباق تسلح نووي في المنطقة لا ينحصر بإيران واسرائيل. في هذا السباق، قد تنظر السعودية شرقا باتجاه الصين وباكستان في حال اعترضت واشنطن، أما الإمارات فهي بصدد توقيع اتفاق دفاعي مع أميركا ولديها برنامج نووي سلمي.

أمن الخليج وعدم الرضوخ لإيران وابتزازاتها هو أولوية لدى هذه الدول بغض النظر عن شكليات وأدبيات الحوار مع طهران اليوم، وفي حال غياب اتفاق يقوض البرنامج النووي ومعارضة الخليج للخيار العسكري فنحن على أبواب سباق تسلح نووي إقليمي كخيار يحصن هذه الدول ويتبنى سياسة الردع المشترك لتفادي حرب إقليمية.
 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!