Russia's attack on Ukraine continues, in Zaporizhzhia region
أين المأساة الأوكرانية من هذا المشهد؟

منذ بدء حرب روسيا على أوكرانيا التي دخلت شهرها السادس قبل أيام، ارتبطت التغطية الإعلامية الخاصة بها تبعاً لمصلحة الدولة التي تتبع لها كل محطة إخبارية، وانعكاساً صريحاً لموقفها السياسي الرسمي المعلن من هذه الحرب.

ففي الأيام الأولى من الغزو الروسي، وبسبب ضخامة الحدث والصدمة التي تسبب بها لبعض الدول التي لم تتوقع حدوثه، أو على الأقل لم تتوقعه بالسرعة التي تم بها، بدت التغطية الاعلامية العربية والعالمية لهذه الحرب شاملة، واحتلت الخبر الأول دون منازع.  

مع الأخذ بعين الاعتبار أن عدداً من هذه المحطات الاخبارية جاملت موقف موسكو الرسمي دون مواربة بتسمية الحرب "عملية عسكرية" وترديد البروباغندا وتبريرات الغزو الروسية ذاتها. فيما انتهجت بعض المحطات حيادية نسبية في محاولة للتوازن بين خطابي الجانبين الروسي والأوكراني.

أما بعض المحطات القليلة التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد، فقد تريثت أو واربت في إبداء موقفها السياسي الواضح، عبر تحاشي التغطية الحربية من أرض المعارك ما أمكن، وتركيز اهتمامها على المواضيع الانسانية وتدفق موجات اللاجئين إلى الحدود فقط.

ما إن انقضى الشهر الأول لهذه لحرب، وحُسمت التحالفات السياسية ومواقف معظم دول العالم منها، شهدت التغطية الإعلامية لها بدء تراجع ملحوظ من قبل العديد من المحطات، باستثناء تلك التابعة للدول المعنية بالحرب مباشرة، أو التي انتهجت الحيادية بين الجانبين، ولكن حتى هذه الأخيرة، قلصت اهتمامها السابق بالشأن الأوكراني الذي صار الخبر رقم ثلاثة أو أكثر.

قبل أسبوع، عاد الحدث الأوكراني ليحتل صدارة النشرات الاخبارية تقريباً لجموع المحطات إثر التوصل إلى اتفاق تصدير القمح الأوكراني بنجاح حققته الدبلوماسية التركية وتحت إشراف أممي، مع متابع تغطية جميع التداعيات التي أعقبت الاتفاق الأولي من قصف روسي لميناء أوديسا في اليوم التالي، ونفي الجانب الروسي له ثم التراجع والاقرار به، وصولاً إلى توقيعه الثلاثاء الفائت.

ورغم الأهمية التاريخية لمثل هذه الاتفاق، حرصت بعض المحطات المناوئة لأنقرة على إيراد الخبر بشكل عابر ومقتضب في محاولة لإظهار عدم الاكتراث بأهمية الدور التركي في السياق، والتركيز على ثمن المقايضة التي قد تحصل عليها تركيا لاحقاً كواحدة من نتائج قمة طهران التي جمعت قادة روسيا وإيران وتركيا الأخيرة.

يرتسم المشهد العالمي اليوم كالتالي: جائعون حول العالم يتقاتلون أمام الأفران، أو يبتعلون الصبر في انتظار القمح الأوكراني برجاء، والذي سيتزامن بدوره مع تصدير القمح الروسي في وقت واحد حسب الاتفاق.

سفن الشحن الصبورة راسية في مياه الموانئ الأوكرانية الساخنة بانتظار إشارة انطلاقها في أي وقت، مع عدم نفي المخاوف حول احتمال تعرض الملاحة البحرية لتغير مفاجئ في المزاج السياسي يسفر عنه قصف أو انفجار لغم بحري يعقبه تبادل الاتهامات وتضييع الوقت.

فيما أعين العالم تتابع بقلق واهتمام هذه التراجيديا العصيبة التي استهلكت أعصاب البشرية وتكاد تتلفها لطول الانتظار ومرارة مقايضاته العسيرة.

ولكن، أين المأساة الأوكرانية من هذا المشهد؟     

وهل الاهتمام الاعلامي العام، والسياسي بطبيعة الحال، بالشأن الأوكراني كان سيعاود زخمه لو لم يرتبط الموضوع بالقمح؟ أو بمعنى آخر، بمصالح هذه الدول وليس "كرمى" لعيون الأوكرانيين؟. ومن يكترث اليوم لاستمرار المآسي الانسانية في أوكرانيا والدمار الممنهج لهذا البلد المنكوب الذي مازال رغم كل ما يتذوقه، يحرص على إطعام العالم من قمحه الممتاز وتفادي المجاعات؟؟ 

في واقع الأمر، ومن حقائق الحروب القاسية، يندر أن تعثر على أحد يتعاطف مع نكباتك حتى النهاية مهما كان أخلاقياً أو ملائكياً. ويندر أن تجد من لا يغير مواقفه وينخرط في ألعاب السياسة ومصالحها وتقلباتها مهما علت مبادئه.

وحدها الدول التي تصاب بنكبة حرب بمثل هذا المستوى ومثل هذه الحدة، تدرك بمرارة أنها ستبقى في الميدان وحدها حتى النهاية، تلملم كل يوم شظاياها، وتطفئ نيران خرائبها، وتكفكف دموعها، بيديها.

أوكرانيا التي كانت إحدى أجمل الوجهات العالمية، ستدفع مثل هذا القدر من الثمن الباهظ. ومن البديهي أنه كلما امتد زمن الدم فيها، تضاعف هذا الثمن واستعصى الخلاص.

وقد يأتي يوم غير ببعيد، يتخلى عنها العالم ويتركها لمصيرها، وستُنسى إلا من قبل قلة مستثناة من بعض المهتمين المباشرين المعنيين بشأنها، وقد لا يتراجع الشأن الأوكراني إلى نهاية النشرات الإخبارية العالمية فقط، بل قد يتراجع إلى النهايات القصوى لأي اهتمام، حتى يكاد يندثر.

لتفادي مثل هذا المصير، وقبل أن يحل الشتاء وتتحرك عجلة المساومات والمقايضات المتعقلة بالطاقة، تبدو الكرة في ملعبي أوكرانيا وروسيا وحدهما. إما أن يسارعا لتفادي الأسوأ، أو سيدخلان معا نفقاً لا يعرف مدى طوله وأين ينتهي.

ومن تمكن من إبرام اتفاق للقمح، يمكنه ببعض الإرادة تحريك الدبلوماسية وتفعيل المفاوضات والحلول السلمية التي تحفظ كرامة الجانبين، الخاسرين بطبيعة الحال.

فهل سيدفع اللقاء القادم بين وزير الخارجية الأميركي القادم ونظيره الروسي هذه العجلة المعطلة؟ فلنأمل.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.