العراق إلى أين؟
العراق إلى أين؟

لعل تموز بحره وقيضه وسخونة أجوائه، دفع بالعراق إلى سخونة بالمزاج السياسي، نتج عنها ارتفاع في درجة حرارة الأزمة البرلمانية، التي سرعان ما انفجرت في الشارع، ولعل تموز ٢٠٢٢ اللاهب، سياسيا وبرلمانيا وشعبيا، يذكر العراق بتموز ١٩٥٨ المشؤوم، بحره وانقلاباته الساخنة، التي أدخلت البلاد بمحور دول الانقلابات، التي اوصلتها لاحقا إلى ٩ نيسان ٢٠٠٣، الذي حول العراق إلى أول دولة فوضى عربية، إلا أنها لم تكن مفيدة ولا منظمة.

في شهر تموز، أي في ثلاثينية رد التيار الصدري بما يمكن وصفه انقلابا جماهيريا على ما يمكن اعتباره انقلابا تشريعيا من قبل الإطار التنسيقي، وبعبارة أوضح أن مستوى الصراع بين أهل السلطة في العراق قد وصل إلى مرحلة أشبه بانقلاب على الانقلاب.

انقلاب باعتبارات صدرية وقف بوجه انقلاب باعتبارات إطارية، منع الأخير من الاستحواذ على السلطة، ما يعني ان الصدر في خطوته الأولى الاستقالة من البرلمان لم تكن هفوة، كما تعامل معها الإطار، وتبلور ذلك عندما اقترب الإطار من تنفيذ خطوته الأولى في تسمية رئيس الوزراء، التي كانت هفوة فعلية دفعت التيار إلى  التحرك السريع من أجل تطويقها، فتم إسقاط البرلمان ككيان، حيث لم يعد هناك حاجة لأغلبية الثلثين أو الثلث المعطل عندما أخرج مجلس النواب من الخدمة.  

إذن... نجح التيار الصدري في تعطيل الحياة التشريعية، فأعيدت الأزمة إلى مربعها الأول، أي أنها أزمة سياسية بامتياز وليست تشريعية أو دستورية،  كما حاولت بعض القوى اختزالها، وعملت على إفراغها من بعدها الوطني والاجتماعي الذي تشكل في الوعي العام العراقي بعد انتفاضة تشرين.

ففي 2019 نجحت أدبيات الانتفاضة السياسية في تشخيص الأزمة وتشكيل رأي عام يعتبر أنها ليست أزمة حكم أو سلطة أو حكومة أو صراع على تقاسم الثورة، بل هي أزمة نظام لفظه جيل ما بعد صدام حسين.

لكن الآن، وبعد دخول الصدريين الثاني للبرلمان في أقل من أسبوع، وفي توقيت اختير بدقة، لم يعد ممكنا للنخب السياسية الحاكمة منذ 9 نيسان 2003 التمسك بتوصيفها غير الدقيق للأزمة والاكتفاء بالقول إن العملية السياسية تمر بمرحلة انسداد، بل باتت هذه الطبقة  تحتاج إلى فضيلة الشجاعة لتعترف بأنها أزمة نظام لم يعد قابلا للحياة.

منذ انتفاضة تشرين 2019 دخل نظام 2003 بمرحلة الموت البطيء، ولكن أمراض هذا النظام تُعرض العراق كيانا ودولة إلى مخاطر عدوى الموت البطيء أيضا، وقد تم تشخيص هذه الحالة في ما برز من أورام سياسية مسلحة جاهزة لإدخال العراق في حروب أهلية أخطرها داخل المكون الواحد الذي يشكل الأغلبية الديمغرافية ويسيطر على السلطة والثروة منذ 2003، لذلك فإن أي نزاع مسلح بين احزابه وتياراته سيؤدي حتما إلى نهاية مأساوية للنظام الحالي وسيترك ندباته على وحدة التراب العراقي وشكل الدولة إذا سقط هذا النظام بطريقة دموية.

عمليا وضع تحرك 30 تموز الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما، إما المواجهة وإما الحوار، الأولى شروطها صعبة والجميع يعلم أن كل الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة على السلطة لم يكن الرهان على القوة في محله، فليس من الضرورة لمن يستشعر فائضا في قوته أن يكون قادرا على فرض شروطه أو تحقيق كافة غاياته،.

أما الحوار فهو شاق وصعب ويحتاج إلى تنازلات شجاعة تبدأ من الخاص إلى العام يقودها عقلاء لم يزل في إمكانهم وأد الفتنة، وهذا ما بدا في خطاب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الذي يقف في الموقع الأقوى في هذه اللحظة كونه على مسافة واحدة من كافة الأطراف، ومساندة النخب الوطنية لتشكيل موقف جامع ضد الفتنة، والأخذ بعين الاعتبار بيانات أغلب الأحزاب والتيارات التي بادرت إلى تهدئة الأوضاع والدعوة إلى الحوار.

قد يكون الحوار في تموز ساخنا مضنيا، لكنه سيكون أقل سخونة من أي مواجهة، وكفى الله العراقيين شر الشؤم في تموز .

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.